قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

شهيد الدفاع عن المقدّسات بلال حسن حاطوم (ذو الفقار)

نسرين إدريس قازان


اسم الأمّ: آمنة الحركة.
محلّ الولادة وتاريخها: برج البراجنة 1/10/1995م.
الوضع الاجتماعيّ: عازب.
رقم السجل: 26.
مكان الاستشهاد وتاريخه: الغوطة الشرقيّة 23/11/2013م.

 

كانا يسهران معاً كعادتهما، عندما طلب إلى بلال أن يترك له وصيّة، وكان بلال سيغيب عن صديقه فترة طويلة جدّاً، فكتبها له على ورقة صغيرة، وقال له: "لا تفتحها إلّا بعد استشهادي"!

•"الفاتحة لروح الشهيد البطل"
طلبُ الشهادة ليس لقلقة لسان، بل معركة في جهادَين، يتساوى فيهما كلّ شيء بنظر عاشق مثل بلال، فلا فرق عنده بين الجلوس صباحاً على الشرفة بين رائحة الحبق يحتسي كوب الـ"نسكافيه" مع أمّه، أو مع زوجة عمّه، أو في لمّةٍ من الجيران والأصدقاء، وبين أن يكون وحيداً في منزل مدمّرٍ، تحاصره النيران، وحوله جثامين رفاقه، وغبار المعركة يملأ رئتيه، وصوت المسلّحين يمزّق أذنيه بطلب تسليم نفسه لتأمين عودته إلى ذويه سالماً. ففي كلا المكانين، شوق الرحيل يدغدغ روحه، وكأنّ بلالاً مذ صعوده الأوّل إلى الجبهة ترك روحه هناك، وصارت عودته تُشبه "إنهاء بعض الأعمال". وكان يعلمُ أنّ مهمّته في الغوطة الشرقيّة لا عودة منها، ولهذا جلس مع أخته لتحضير فيديو عنه يُعرض بعد شهادته، فانتقى الصور وشارك في ترتيبها، وفي نهايته كتب: "تحيّة لسماحة السيّد حسن نصر الله والفاتحة لروح الشهيد البطل". هو البطل الذي وقف في بيتٍ أسماه الإرهابيّون "البيت المستعصي" -لعدم قدرتهم على اقتحامه- وفوهة مدفع الدبّابة يقترب منه، فردّ على طلب المسلّحين بصوتٍ عال: "اقصفوا البيت، فلن أترك رفاقي الشهداء".

•مساعد العائلة
هو يقين استقاهُ من حَسم خياراته، فهو لم يعش متذبذباً في أموره، إذ يعطي الأشياء حقّها في التفكير جيّداً قبل اتّخاذ قراراته، وساعده على ذلك البيئة التي عاش فيها؛ فهو ابن بيت ملتزم، يعطي الولد منذ صغره فسحة من الاستقلاليّة تحت مراقبة خفيّة، ويحمّله مسؤوليّة تعرّفه حقيقة الحياة، فالصبيّ في المدرسة شتاءً، وفي الورش المختلفة التي تكسبه مهارات متعدّدة صيفاً.

نشأ بلال ابن برج البراجنة في بلدة القماطيّة الجبليّة، وكان ولداً مبادراً للمساعدة ومحبّاً لها. اتّسمت علاقته بوالديه وإخوته بالحميميّة المفرطة، فتراهم كالجسد الواحد إذا اشتكى أحدهم تداعوا له جميعاً بالسهر، يزعجه عمل صغير يقوم به والده بحضوره، فيقوم هو به نيابةً عنه، ويستيقظ باكراً في شهر رمضان المبارك ليساعد والدته في توضيب الحصص الغذائيّة وتوزيعها على الفقراء في القرية. وانسحبت هذه الحماسة بتعامله مع الجميع، وكأنّه موكلاً بأعمال غيره. ونسج عمله بالإتقان، فلا يرضيه إلّا الإنجاز الكامل، كما لم تكن ترضيه في الحياة أنصاف الحلول، ما يُظهر أنّه شخص، على حداثة عمره، عميق التفكير، حكيمٌ في قراراته.

•الأخ والسند
عمل بلال في أعمال مختلفة، أغلبها متعب وشاقّ، ولكنّه لم يدّخر قرشاً من ماله، فكلّ ما كان يجنيه كان يعطيه لأهله، أو لفقراء محتاجين. واهتمّ كثيراً بتأمين مستلزمات أخته الوحيدة، فكان يقوم بشراء ما تحتاجه عبر الهاتف، إذ يصوّر لها ما وجد لتنتقي بهدوء، ولا يتعب من التنقّل بين المحالّ التجاريّة، أو من تصوير الأصناف المختلفة وإرسالها لها، وكم أشعره هذا الاهتمام بالسعادة. وكذا الأمرُ مع أخيه الذي يصغره، والذي إن عمل معه في ورشة، تسلّم عنه المهامّ الصعبة، واهتمّ بتفاصيل أموره، ولم ينقطع عن الاهتمام به حتّى وهو في الجبهة.

•المعنى الحقيقيّ للصداقة
لبلال العديد من الرفاق الذين قضى أوقات إجازته معهم، ولكن ليس للاستئناس فحسب، إذ كان يضمر في داخله هدفاً دفيناً تّجاه كلّ شخص، يشتغل عليه بصمت وهدوء، كما فعل مع صديقه "عليّ" الذي كرّس له أغلب وقته في الآونة الأخيرة، حتّى عاتبته أخته التي كانت تعدّ أيّام غيابه ليعود ويتشاركا السهرات الطويلة، فطلب إليها أن تمنحه القليل من الوقت، فما بعد الصبر إلّا الفرج، وأخبرها أنّ له صديقاً يحتاجُ إلى دعمٍ في الأمور الدينيّة، وهو يرافقه إلى المسجد، ويقضيان معظم الوقت يتناقشان. وبالفعل، لم يمضِ وقت طويل حتّى بان أنّ أحوال صديقه "عليّ" قد انقلبت رأساً على عقب، فاتّخذ الأخير قرار الالتحاق بالتعبئة عندما كان بلال في الجبهة.

•بوصلة العشق
"الشهادة" هي الهدف الوحيد الذي وضعه بلال نصب عينيه منذ أن قرّر الالتحاق بصفوف المقاومين، فوضع بوصلة طريقه التي لم يحد عنها قيد أنملة، ولم يغفل عن أيّ تفصيل، فالتحق بدورات عسكريّة مكثّفة وهو صغير السنّ، وصار غيابه طويلاً وشبه متكرّر عن المنزل، ليشبك غياب التدريب بغياب الحضور في ساحة المعركة.

هذا حلمه، أن يُحمل على الأكفّ، وكأنّه يريد أن يفخر بنفسه وقد مُزّق جسده برصاص الشهادة، وكأنّ رئتيه ستتنفّسان الحياة الحقيقيّة فقط عندما يتوقّف قلبه عن الخفقان. حلمٌ تحقّق بعد سنوات عجاف من الغربة. حلم تمنّاه بلال حتّى أرّق ليله..

•وحقّق بلال ما أراد
إذاً، كبر بلال، وكما رأته أمّه طفلاً يمشي في ثياب الكشّافة شبلاً، تراه الآن في ثياب المقاومة التي زادته وسامةً ورقّةً. وفي وداعه الأخير لها، كان الصبح يلوّن أولى إضاءات الشمس، فقال لها: "ابكي متل كلّ مرّة..."، هزّت برأسها مؤكّدة أنّها لن تبكي، فضحك قائلاً: "هذه المرّة سأبيّض لك وجهك عند السيّدة الزهراء عليها السلام.. هذه المرّة لن أعود.."، فبكت وضمّها إليه.

•"لن أعود"
شارك بلال في الكثير من المعارك ضدّ التكفيريّين، وكان همّ إيقاف التفجيرات التي تستهدف المدنيّين في لبنان يشغل تفكيره، وكانت وقوداً لغضبٍ يستعر في داخله، فأبلى في المعارك بلاءً حسناً، ولم يُشهد له إلّا بالشجاعة والإقدام، ولم يلامس قلبه الخوف طرفة عين أبداً.

"لن أعود"، كلمة قالها للجميع قبل التحاقه بعمله في "الغوطة"، حيث رابط مع عشرة مجاهدين في منزل سرعان ما حاصره التكفيريّون. وبعد استشهاده، اختفى جثمانه، ووجد بعد نحو سبع سنوات في منطقة "دوما" مدفوناً بالقرب من الشهيد حسين السيّد حسين.

وهكذا، عادت تلك الرفات المقدّسة لتحقّق حلمها بأن تُحمل على أكفّ الرفاق، وعادت ليلتئم شمل العائلة من جديد حول ضريح محبوبهم الذي أضاء حياتهم بصور لن تغيب.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع