قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

"سمكة الترويت": من خيرات الديار

تحقيق: غدير مطر


ينثر بضع حبّات من "العلف"(1) فوق "حوض الذهب"، لتتراقص أمامه "الثروة المدلّلة" لامعة مزدانة بثوبها "المنقوش". يسارع الرجل بإلقاء "العُبّ"(2) كما يُسمّي آلته اليدويّة تلك، ليغرف كمّيّة ممّا لمع أمامه نتيجة "حيلته" المعتادة، ففي اليوم الواحد يعاود هذه "العمليّة" مئة مرّة. تعدّ ثروته تلك "وجبة ملوكيّة- نخباً أوّلاً" في البلدان الأوروبيّة، تحتلّ المرتبة الثانية في العالم، والأولى في لبنان، من حيث النوعيّة.

"السمكة الذهبيّة المرصّعة بالألماس" وصفٌ يُطلق على "سمكة الترويت الهرملانيّة"، روح نهر العاصي، وكنزه الثمين الذي يتقاسمه بعض أبناء المدينة.


•قطاعٌ قائمٌ بذاته
"تربية سمك الترويت" في قضاء الهرمل، "من أهمّ القطاعات وأوّلها"، التي يعتمد عليها أبناء المدينة، لتشكّل لهم ولعائلاتهم "مصدر رزق" لعيشٍ كريم. يشير الحاج حسين مطر (صاحب أحواض لتربية سمك الترويت، ومربٍّ لها أيضاً) إلى بركةٍ تسبح بين تموّجاتها الناعمة ومياهها العذبة الرقراقة آلاف من "فروخ السمك الصغيرة" التي مضى من عمرها بضعة أشهر قليلة، وفي عينيه تلمع بشائر الرضى عن موسمٍ حان ميعاد حصاده. مطر، له في هذه المهنة أكثر من عشرين عاماً.

"ما أجمل مشهد الرزق والخير!"، يُكمل مطر حديثه الذي استهلّه مباشرة بعبارته الشهيرة: "ثروة توازي النفط" مشبّهاً "سمكة الترويت" بثروة أُشبع العالم اقتتالاً لأجلها.

يوافقه زميله في هذه المهنة، الحاج حسين الطشم (مربّي سمك ترويت)، فيقــول: "قطاع تربية سمك الترويت في الهرمل يشكّل مورداً اقتصاديّاً قيّماً، لا يمكن وصفه، بالنسبة إلى لبنان ككلّ، وقضاء الهرمل خصوصاً".

"إن فَقَدنا جميع الموارد، يبقى لدينا ماء وسمك، أمناً غذائيّاً تامّاً"، يقول رئيس اتّحاد بلديّات الهرمل الحاج نصري الهق، ويضيف: "يتصدُّر ترويت نهر العاصي قوائم قطاع تربية الأسماك في لبنان على مستوى السمك النهريّ". بدوره، يستهلّ مدير مركز "الجواد – جهاد البناء" في الهرمل خضر جعفر حديثه، بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء:30)؛ ليثبت أهميّة هذا القطاع، فالماء أصل الحياة وروحها، والسمكة ابنة الماء. "هو قطاع حياتيّ بكلّ ما للكلمة من معنى، يؤمّن فرص عمل للكثيرين".

•سمكة "الترويت" قطاعٌ ذهبيّ
يشير عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب د. إيهاب حمادة، إلى أنّنا "إذا وصلنا بقدرة العاصي الإنتاجيّة المتوقّعة إلى 25 ألف طنّ من سمك الترويت، واستطعنا تسويقها في لبنان، وتصديرها إلى الخارج، بالأسعار المناسبة، فإنّنا أمام إمكانيّات هائلة يعكسها هذا القطاع على باقي القطاعات، ما يتمّم دورة اقتصاديّة كاملة".

وبذلك لقّب قطاع تربية الأسماك بـ"القطاع الذهبيّ"، مشيراً إلى أنّه "يجب إيجاد تكامل بين المقاومة بشقّها العسكريّ، وبين المقاومة الآن بشقّها الاقتصاديّ"، مشدّداً على "أنّنا كنّا على المستوى الزراعيّ نعمل على حدٍّ أدنى من العناوين الزراعيّة، لكن الآن يجب أن تتطوّر هذه العناوين لتكون في أعلى وأوج عطائها وإنتاجها على المستوى الصناعيّ أيضاً، لتحصين القطاعات الإنتاجيّة؛ لأنّ هدفنا في المقاومة تحويل لبنان من بلد مستهلك إلى بلد منتج". بينما أكّد الهق أنّ "هذا القطاع الأساسيّ في الهرمل والذي يشغل عشرات أو مئات العائلات، مرّ بظروف صعبة، لكن على الرغم من ذلك لا زال قائماً، منتجاً مربحاً للناس".

•مئة مزرعة سمك
مع د. غسان العميريّ، وفي العام 1962م كانت البداية، بآلات بدائيّة، حُفرت أوّل أحواض تربية سمك الترويت، في منطقة "حوش السيّد عليّ" في الهرمل، وتحديداً في منطقة "العميريّة". انحصر هذا القطاع بتلك المزرعة حتّى العام 1984م، حين قام رئيس نقابة مربّي أسماك الترويت السابق حيدر قانصوه بأوّل تجربة "لتفقيس بيض السمك" في الهرمل، ممّا شجّع الكثير من المزارعين على المبادرة لبناء أحواض تربية على مقربة من ضفاف نهر العاصي، والتي تُعدّ كلفتها قليلة نسبيّاً. وحتّى يومنا هذا، تطوّرت هذه الزراعة لتصل إلى "إنتاج يتراوح ما بين 2500 و4000 طنّ سنويّاً" بحسب جعفر: "حالياً لدينا نحو المائة مزرعة سمك تقريباً".

بدورهما كلّ من رئيس نقابة مربّي سمك الترويت (محمد عَمر)، ورئيس تعاونيّة مربّي سمك الترويت (مشهور مرضه) يُجمعان على أنّ "ما يقارب الـ200 إلى 300 عائلة في الهرمل تعتاش من إنتاج هذا القطاع وترتكز عليه"، لافتين إلى أنّ هذه "السلعة مطلوبة كثيراً في الداخل والخارج، فهي ذات قيمة غذائيّة عالية، لاحتوائها على الأوميغا (3) وغيره"، ومشيرين إلى أنّها تنقسم إلى "36 شكلاً، لكنّها نوع واحد وهو الترويت".

•تربية "الترويت" على مدار السنة
يقول جعفر: تمرّ سمكة الترويت بمراحل ثلاث، بعد استيراد بيوضها من الخارج كإيران وفرنسا والدانمارك، والتي "تُفقّس في مزارع خاصّة قريبة من الينابيع"، ويتابع: "بعدها يحتاج السمك إلى سبعة أشهر من التربية والمتابعة الحثيثة ليصبح جاهزاً للاستهلاك"، ويضيف مطر: "نحن على مدار السنة يمكننا إنتاج الأسماك".

يؤكّد كلّ من مربي الأسماك (جعفر) و(عمر) و(مرضه) على أنّ "نهر العاصي هو البيئة المثلى الوحيدة والفريدة لتربية هذا النوع من الأسماك النهريّة، كونه يتّصف بدرجة حرارته شبه الثابتة صيفاً وشتاءً، وهي الحالة التي لا توجد في معظم أنهار العالم، وتتراوح ما بين 15 و16 درجة مئويّة، مضافاً إلى سرعة تدفّق مياهه، ودرجة الـ(PH) المثاليّة لتربية هذه السمكة". يقول مطر: تتغذّى أسماك الترويت في الهرمل على "أعلاف مستوردة من الخارج، كفرنسا وإيطاليا ومصر". وهنا نتحدّث عن تحدّيات.

•عقباتٌ وتحدّيات
يواجه قطاع تربية "سمك الترويت" ثلاث مشاكل أساسيّة: "عدم وجود قانون يرعى حقّ مزارعي السمك، غلاء الأعلاف المستوردة، وتسويق الإنتاج".

بدوره عرض د. حمادة حلولاً يعمل والمعنيّين عليها للنهوض بهذا القطاع "المنتج" أكثر: "لدينا الآن أربعة مسارات نعمل عليها كخطّة، وهي: المسار القانونيّ الذي نسعى من خلاله لإقرار قانون يرعى استزراع السمك البحريّ والنهريّ، ممّا يؤمّن حماية القطاع وتسهيل وصول المنتج إلى المستهلك بمسارات قانونيّة، وهذا ما يفتح المجال للاستثمار، ثمّ الاكتفاء الذاتيّ".

أمّا فيما يخصّ مشكلة الأعلاف والتسويق، فقد وعد د. حمادة بـ"إعادة تشغيل معمل الأعلاف في المنطقة بجودة محفوظة من خلال خبراء"، منوّهاً بـ"استثماره من قبل جهة تمَّ الاتفاق معها، وسيتمّ تطوير آلاته لتنتج ستّة أطنان في اليوم، بأسعار مناسبة، مع تصدير الكمية الفائضة إلى الخارج".

وبشّر د. حمادة المزارعين من تاريخ إعداد التحقيق: "خلال أيّام سنتسلّم دفعة مؤقّتة من العلف بنصف السعر، 200 طنّ سيجري توزيعها بإشراف خبراء مختصّين"، ويضيف: "المسار الثالث فيما يخصّ التصنيع، نعمل على إعادة تشغيل معمل من ثلاثة خطوط إنتاجيّة؛ سمك ترويت وفيليه ومُدخّن، وتوضيبه لتسهيل توزيعه وتسويقه في لبنان وتصديره إلى الخارج، وهو ما سمّيناه بالمسار الرابع".

•دعوات بذراعَين مفتوحتَين
"نحن مع السيّد حسن قلباً وقالباً، لبّيك حتّى الموت، وروحنا إلو رخيصة" كلمات أطلقها "عَمِرْ" بنبرة حماسيّة عالية، مؤكّداً: "إنّنا في قلب المعركة؛ لذا أدعو الجميع وبالفم الملآن إلى التوجّه إلى الاستثمار في هذا القطاع لتنشيطه".

وبدوره يقول "مطر": "نحن نُحبّ كلّ الناس، وقلبنا وبيوتنا مفتوحة لهم، أدعو للاستثمار في هذا القطاع المليء بالفرص، والذي سينعش القطاعات الأخرى".

يؤكّد د. حمادة أنّ "هذا القطاع فرصة ذهبيّة، يجب التعاون للنهوض به وتنشيطه"، مضيفاً: "السمك سلعة استراتيجيّة ليست كماليّة، ومنّي شخصياً دعوة مفتوحة إلى كلّ من يملك رأس مال من الداخل أو الخارج للاستثمار في هذا القطاع المربح والمنتج والإنسانيّ، استثماره أخلاقيّ يصبّ في مصلحة مقاومة القطاع الاقتصاديّ العامّ". أمّا "مرضه"، فقد شدّد على أنّ "هذه السمكة مربحة، يمكن استثمار كلّ جزء منها".

ليكون الختام مع الهقّ وجعفر المجدّدَين دعوات الجميع، والمؤكّدين على وقوفهما "إلى جانب كلّ من يريد الاستثمار في هذا القطاع الزراعيّ المهمّ، كنقطة من نقاط القوّة في بلادنا".

1.المواد التي تُقدَّم للحيوانات طعاماً لتغذيتها.
2.شباك صغيرة موصولة بعصا خشبيّة تُلقى في أحواض تربية السمك لإخراج الأسماك.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع