قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

مع إمام زماننا: أسرار الغيبة والوعد الإلهي(3)(*)

آية الله الشيخ عبد الله جوادي الآمليّ
 

لأنّ في كلّ فعلٍ إلهيّ حكمة، فإنّ لغيبة صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف حكماً وأسراراً، وهو ما سنتطرّق إليه في هذا المقال، استكمالاً لما كنّا قد بدأناه في العددَين السابقين عن السرَّين الأول والثاني.

•السرّ الثالث: الامتناع عن بيعة الطواغيت
لقد ضمّن إسحاق بن يعقوب رسالته التي بعثها بيد النائب الخاصّ لصاحب العصر  عجل الله تعالى فرجه الشريف محمّد بن عثمان العمريّ إلى إمام الزمان  عجل الله تعالى فرجه الشريف أسئلة حول الحكمة من الغيبة، فأجاب عنها كما يلي: "وأمّا علّة ما وقع من الغيبة فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (المائدة: 101). إنّه لم يكن أحد من آبائي  عليهم السلام إلّا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي"(1).

هذه الرواية -مضافاً إلى بيانها لأحد أسرار غيبة بقيّة الله الأعظم  عجل الله تعالى فرجه الشريف- تشير أيضاً إلى أنّه عجل الله تعالى فرجه الشريف في زمان ظهوره سوف يدعو جميع طواغيت عصره إلى الإسلام الحقيقيّ، فإن استكبروا أو استنكروا قاتلهم على ذلك؛ إذ لا مداهنة فيما يخصّ الأحكام الإلهيّة، كما لا مجال في ذلك للوهن والتساهل أو التجاهل. كما أنّ الفرار من بيعة أهل الظلم والجور من بركات غيبته، وإلّا فلم ينجُ إمام معصوم من بيعة خلفاء الظلم في زمن الأمويّين والعبّاسيّين.

•السرّ الرابع: التمهيد لتأسيس نظام إسلاميّ
يمكن إقامة البرهان العقليّ على ضرورة احتياج المجتمع البشريّ إلى عنصر فاعل يسهر على النظام لحفظ زمام الأُمّة في زمان غيبة صاحب العصر  عجل الله تعالى فرجه الشريف وبيان لزوم وجود نائب له؛ إذ لا يمكن الالتزام في زمن الغيبة الذي -لا قدَّر الله- قد يطول آلاف السنين بشيوع الهرج والمرج، أو القول بتعطيل قسم هامّ من الأحكام الإسلاميّة والاستعاضة عنها بحكم الجاهليّة فيما لو تسلّم زمام الحكم أهل الجور والطغيان، انتهاءً بنفي الزعامة وتسلُّم الحكم في زمن الغيبة وتعطيل الأحكام الإلهيّة؛ بدعوى أنّ معاصي الناس منشأ حرمان المجتمع من بركات ظهور الإمام  عجل الله تعالى فرجه الشريف، أو بدعوى أنّ التفاف الناس حول قائد غير معصوم ينفي ضرورة وجود قائدٍ عادلٍ يقتدي فكريّاً ومنهجيّاً بالقرآن والعترة الطاهرة.

•النوّاب يحفظون كيان الإسلام
إنّ تصرّف الإمام المطلق لا يمتنع، كما لا ينعدم بواسطة النوّاب الخواصّ أو المنصوبين بالنصب العامّ من قبله، فإنّنا وإن حُرمنا في زمن الغيبة من تصرّف الإمام وبركاته وعناياته المباشرة ونحوها ممّا ابتُليت بها المجتمعات البشريّة بسبب ارتكابها المعاصي والذنوب، إلّا أنّ أصل تصرّف الإمام وعناياته وإن كان في صورة تنصيب نائبٍ له أو بنحو التوكيل العامّ، لم يزل ثابتاً في محلّه.

فقد بان، أنّ تأسيس النظام الإسلاميّ وتطبيق الأحكام وإجراء الحدود إلى جانب الدفاع عن كيان الدين، وحمايته من كيد الأعداء في زمن الغيبة أمرٌ مطلوبٌ؛ إذ إنّ الحفاظ على التراث الإسلاميّ وإن كان بالأصالة من مهامّ الإمام المعصوم، إلّا أنّ حفظ كيان الإسلام بالتَّبع في عصر احتجاب المجتمع عن شهود إمامهم من مهامّ نوّابه، فلا ينبغي أن يتوهّم أحد من الباحثين أو المفكّرين الإسلاميّين احتمال تعطيل الحكومة الإسلاميّة، وإلغاء العمل بالأحكام والحدود الإلهيّة.

•ضرورة ربط الدين بالسياسة
يرى الحكيم المتألّه الملّا صدرا ضرورة وصل الدين بالسياسة، كما يتحدّث عن فقه سياسيّ إلى جانب الفقه العباديّ، ويعتقد بأنّ نوّاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تكفّلوا بذلك الأمر المهمّ، ثمّ يحيل مسؤوليّة هذا العلم الجامع في عصر الغيبة إلى الفقهاء. كما يمكن العثور على مثال منه في كلام الفارابيّ وابن سينا وسائر الحكماء السابقين على صدر المتألّهين.

فقد تلخّص ممّا تقدّم: قيام البرهان العقليّ على ضرورة حفظ جميع شؤون نيابة الإمام المعصوم عليه السلام في عصر استتار المجتمع عن إمامه، ولا سبيل إلى الخدش في أيٍّ من مقدّماته، كما يتّضح أنّ من ثمرات هذا البرهان تصدّي النائب العامّ لجميع شؤون الإمامة عدا الأمور المشروطة بالعصمة، مع أنّ ليس لها دخلٌ صريحٌ في نظم المجتمع.

•السرّ الخامس: الولاية استمرار لشروط التوحيد
لمّا وافى الإمام الرضا عليه السلام نيسابور اجتمعت إليه طائفة من محبّيه، فنقل لهم عن آبائه الكرام عن الملائكة الأُمناء عن الله عزّ وجلّ أن: "لا إله إلّا الله حصني"(2)؛ أي: من أراد أن يكون في أمانٍ وسلامةٍ في الدنيا والآخرة عليه أن يكون موحّداً عابداً لله الواحد الأحد. وبعد أن تحرّك الإمام أخرج رأسه من الهودج وأضاف: "بشروطها، وأنا من شروطها"(3)؛ أي: إنّ من لم يقبل بالإمامة والولاية وقيادة آل بيت رسول الله، فلا جدوى من تلفّظه بكلمة التوحيد، ومعه كان كلّ من قال بإمامة أهل بيت العصمة  عليهم السلام في أمن وسلام.

وإذ نعيش في عصرنا الحاضر تحت فيء عصر إمامة المعصوم الرابع عشر، ونقتات من مائدة ولايته، وإذ كانت يدنا قاصرةً عن الوصول إليه، فهل يمكن أن نقول: إنّ كلمة التوحيد الطيّبة فقدت شروطها؟

لذلك ينبغي التحصّن بحصن وجود القائد والدليل على الصراط المستقيم الذي هو استمرار لشرط الولاية وأساس تمسُّك الأُمّة بحصن الكلمة الطيّبة.

•طريق الاهتداء بالقرآن والعترة الطاهرة
لا يخفى، أنّ نبيّ الإسلام الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كان أوّل معلّم ومبيّن للقرآن الكريم وأجلّ منادٍ بنداء التوحيد، فكان من أولى أولويّاته طوال حياته الشريفة تبيين الآيات الإلهيّة وتطبيقها على الموارد الجزئيّة. ثمّ انتقلت هذه الوظيفة الخطيرة بعد وفاة النبيّ الأكرم إلى أهل بيته الطاهرين  عليهم السلام، فكانوا يبيّنون للمسلمين وللمجتمع الإسلاميّ في مختلف الأزمنة والظروف المعارف السامية للقرآن الكريم.

وأمّا في عصر الغيبة، فقد دأب الوجود المبارك لخاتم الأوصياء  عجل الله تعالى فرجه الشريف على تعليم أتباع مدرسة أهل البيت  عليهم السلام وعلماء الدين والمفسّرين الحاذقين في ضوء المصادر الغنيّة القيّمة لمعارف الدين (أعني: الكتاب الإلهيّ الكريم وسنّة المعصومين  عليهم السلام والعقل البرهانيّ والإجماع) بالقدر المتيسّر له؛ لغرض تبيين الآيات الإلهيّة، ما أتاح بذلك للفقهاء الأعلام ضمن معرفة شروط الزمان والمسائل المستحدثة في كلّ عصر أن يستنبطوا الأحكام الإلهيّة من تلك المصادر، ليضعوها بين أيدي أهل الإيمان. وكانت هذه الجهود المضنية سبباً في استفادة المجاميع البشريّة من العلوم الإسلاميّة والمعارف الحقّة والأحكام الإلهيّة، ومانعاً عن حرمان الناس من الاهتداء بالقرآن والعترة في عصر الغيبة.


(*) مقتبس من كتاب: الإمام المهديّ الموجود الموعود  عجل الله تعالى فرجه الشريف، آية الله الشيخ عبد الله الجوادي الآملي، الفصل الأول من الباب الثاني- بتصرّف.
1.كمال الدين، الصدوق، ج2، ص161-162.
2.التوحيد، الصدوق، ص25؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج2، ص145.
3.(م.ن).

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع