مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة أخلاقنا: عقبات في طريق الزواج(*) مناسبة: نحن وعدك الصادق تسابيح جراح: كجراح العبّاس عليه السلام احذر عدوك: احذروا الابتزاز الإلكترونيّ! نظّارات ذكيّة لالتقاط الصور والترجمة الفوريّة طبيب روسيّ يدعو إلى منع الوشم تطبيق لبنانيّ لكبح انتشار كورونا استخدام خلايا الحبل السرّيّ لمعالجة كورونا مع الإمام الخامنئي: قواعد القرآن.. سعادة الدنيا والآخرة

اجتماع الأسرة مودَّة ورحمة

الشيخ إبراهيم نايف السباعي


ما هي أهميّة الأسرة ومكانتها في المجتمع؟ وكيف يمكن تعزيز الروابط الأسريّة، وخاصّة في هذا الزمن الذي تزداد فيه الوسائل والعوامل التي تضعف هذه الرابطة؟

•الأسرة والحبّ
أصل الدين هو الحبّ، ومن وظائف الشريعة نشر المحبّة بين الناس وتجذيرها في المجتمع، وهذا يُعدّ من أهمّ العناصر التي تجمع الأسرة. الإسلام بذر الحبّ بين أفراد المجتمع، وأصّله عن طريق ضوابط اجتماعيّة وواجبات شرعيّة، لكي تستمرّ المحبّة وتتأصّل في النفوس، فكان للوالدَين البرّ، وللأولاد الحبّ والحنان، وللإخوة والأخوات وغيرهم صلة الرحم ووصل القربى.

والأسرة هي النواة المعطاءة التي يتفرّع منها ذلك كلّه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (النساء: 1). إذاً، علينا الاهتمام بالأسرة وحماية أفرادها، كي تعطينا ثمرة طيّبة وذريّة صالحة، وصدق من قال: المجتمع المتفكّك يعود سببه إلى خلل لأسرة متفكّكة، وكلّ مجتمع يُبنى على قواعد لا تتّصل بالسماء، فإنّه يزول ويذهب أدراج الرياح.

•عمدة الأسرة: الأب والأمّ
كثيراً ما نفكّر في سنّ قوانين اجتماعيّة أو وضع قيود وضوابط أخلاقيّة؛ لضبط الأسرة وحمايتها والسعي في إنجاحها، لكنّ جهودنا تذهب أدراج الرياح إن لم نسمع لكلام الله ولم نستنطق الأخبار الشريفة، وسنبقى نغرّد خارج السرب، ولن نجد أكمل وأنجح من قوانين الإسلام.

إنّ سلوك الفرد في المجتمع، سلباً أم إيجاباً، أساسه الأسرة؛ فهي الضابط للإيقاع والموجّه للسلوك القوليّ والعمليّ للفرد، وهي المقيّمة للمعيار الأخلاقيّ والتربويّ للأبناء، والحافظة لهم من الانحرافات الأخلاقيّة والفكريّة، وذلك من خلال رقابة دائمة، وتعاهد متواصل من ركني الأسرة وعمدتها: الأب، والأمّ.

•محطّات سبعة لا بدّ من تطبيقها
أحدثت الثورة المعلوماتيّة والرقميّة والتقنيّة تغيّراً في العلاقات الأسريّة والعائليّة، فبتنا نجد أنّ لمعظم العائلات عالماً خاصّاً بها، حيث يتّخذ كلّ من أفرادها جهازه الخاصّ (الحاسوب، الهاتف...) صديقاً وملازماً دائماً له يعزله ويبعده عن بقيّة عائلته وقضاياهم وهمومهم، هذا فضلاً عن مشاغل الحياة الكثيرة، التي تركت بصماتها على طبيعة العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة.

انطلاقاً من هنا، كيف يمكن استعادة أزواجنا وأبنائنا من ذلك العالم الافتراضيّ، وممّا سبّبته انشغالات الحياة ومسؤوليّاتها الجمّة؟ وكيف يمكن أن نعود لأصالتنا وسابق عهدنا، حيث كنّا نأكل معاً، ونجلس معاً، ونتبادل أطراف الحديث معاً؟

يمكن تحقيق الترابط الأسريّ والسعادة بين أفراد العائلة من خلال:

1- التحيّة والتبسّم صدقة
لطالما أخبرنا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّ الصدقة لا تقف عند حدّ بذل المال، بل تتعدّاه إلى كلّ عمل فيه صلاح الأمّة، وأعمال الخير والأمر بالمعروف، فذلك كلّه صدقة، حتّى التحيّة والتبسّم في وجوه الناس صدقة مميّزة.

وهذه المحطّة من محطّات إصلاح ما أفسدته التكنولوجيا فينا، فكم هو رائع حديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "تبسّمك في وجه أخيك صدقة". لا تعلم مقدار ما تستطيع أن تفعله الابتسامة في تذليل العقبات وكسر الحدّة وإذابة جليد المشاعر المتلبّدة. فتحيّة "السلام عليكم" و"صباح الخير"، و"أسعد الله أيّامك"، و"تصبح على خير"، و"ليلة سعيدة"، و"أهلاً وسهلاً"، و"كلّ عام وأنتم بخير"..، كلمات بسيطة على اللسان، ولكنّها عظيمة على قلب المخاطب بها؛ لذا إذا تبادلها أفراد الأسرة في الصباح وعند المساء، وكلّما تقابلوا داخل المنزل مع وجوه مبتسمة؛ ستنعكس بشكل إيجابيّ على الحالة المزاجيّة للأسرة بأكملها. قال أهل الصين في المثل: "من لا يقدر على رسم الابتسامة على شفتيه، يجب أن لا يفتتح متجراً".

2- الاجتماع حول مائدة الطعام
إذا سألنا أنفسنا: ماذا نتذكّر من الماضي؟ لكان الجواب: شهر رمضان، عندما كان يجتمع الجميع بلا استثناء حول مائدة واحدة؛ الجدّ والجدّة والأب والأمّ والأخوة والأخوات والأبناء، وقد تركت تلك الجلسة ذكرى جميلة، وطبعت صوراً في الأذهان لا تُمحى من الذاكرة أبداً، فهو المناسبة السنويّة المتكرّرة التي اعتادت أن تجمع الأفراد حول مائدة واحدة. فلتكن أوقات اجتماعنا حول مائدة الطعام كما في الشهر الفضيل.

إنّ العائلة الإيطاليّة في أمريكا مثلاً، هي الوحيدة التي لم يغزها التطوّر الكاذب الأمريكيّ والأسلوب الرأسماليّ الذي أساسه تفكيك الأسرة ليسهل حكمها؛ وذلك لأنّهم ما زالوا متماسكين بسبب هذه العادة الحميدة؛ وهي اجتماعهم معاً صغيرهم وكبيرهم حول مائدة طعام واحدة، ولطالما قالوا: "العائلة التي تأكل معاً تبقى معاً".

والأسر التي تتمسك بهذه العادة، ويجتمع أفرادها لتناول الطعام مرّة واحدة على الأقلّ في اليوم؛ هم أكثر سعادة من أولئك الذين يأكلون بشكلٍ منفصل، فالأكل على مائدة واحدة لا يعني فقط المشاركة في الطعام، وإنّما تمتين الروابط الأسريّة أيضاً.

3- مشاهدة التلفاز فرصة لتبادل الحديث
تكثر البرامج التلفزيونيّة المتنوّعة التي تتوجّه إلى الجميع من مختلف الفئات العمريّة، وتشكّل فرصةً لتجمّع أفراد الأسرة، فلنستفد من تلك الفرصة عند مشاهدتنا للبرامج الاجتماعيّة أو الدينيّة أو غيرها؛ فعلى الأب -وهو القائد- والأمّ -وهي المساعدة- مهمّة عظيمة في هذه المحطّة، في التوجيه والإرشاد والمراقبة، وهذا مورد هامّ للتقارب والترابط الأسريّ، ومجال للحديث والتحدّث بعضهم مع بعض.

4- العُطَل العائليّة العامّة
إنّ العطل التي تمرّ بالعائلة مرّة في الأسبوع؛ الجمعة والأحد أو السبت والأحد، أو عطلة الربيع أو رأس السنة أو غيرها من المناسبات، لها أثر كبير، وهي فرصة علينا الاستفادة منها في تكريس الحبّ والوئام والتقارب بين أفراد الأسرة. وهذه العطلة تضيف على جو العائلة طاقة إيجابيّة كبيرة؛ فالخروج معاً لقضاء وقت طيّب في عطلات عائليّة جماعيّة، يمنح العائلة فرصة عظيمة لتكوين ذكريات سعيدة مشتركة. وعلى الأب والأمّ معاً الانتباه والالتفات إلى نصائح منها:

لا تغضب، لا تجادل، كن مشاركاً في الأعمال، كن مساعداً جيّداً، افتح يديك بالخير، اقبل مشاركة الآخرين.

5- المحافظة على أسرار الأسرة
البيوت أسرار، فلا يصحّ إطلاع أحد على أسرارها، وعلينا أن لا نشتكي من أولادنا أمام الآخرين، ولا نوبّخهم أمامهم أيضاً.. وإذا كنّا نريد أن نشارك جميع أفراد الأسرة أخبارنا وأسرارنا، فليكن ذلك بقدر معيّن يقدّره العمدة في الأسرة (الأب أو الأمّ حال غياب الأب)، فأفراد الأسرة السعيدة يدركون جيّداً أنّ أسرتهم هي الوحيدة التي ستقف إلى جانبهم في الأزمات؛ وبالتالي، لا يخفون عنهم أيّ شيء، خاصّةً لو كانوا في ورطة.

6- جلسة مصارحة
بما أنّ الأب هو الراعي للعائلة والمسؤول عنها ويفتّش عن مصالح أولاده ومستقبلهم، فقد حان الوقت لجعل جلسة أسبوعيّة، أو جلسات خفيفة، يتصارح بها مع أفراد أسرته بكلّ شؤون الحياة؛ الاقتصاديّة والاجتماعيّة و...

تبقى بعض النصائح التي على الأب التقيّد بها:

أ- لا تقاطع محدّثك.

ب- كن هادئاً ولا تنفعل ولا تُستفزّ.

ج- لا تدمن الشكوى.

د- اسأل عن مشاعر الآخرين.

ه- لا تفترض أنّ البشر يعرفون مشاعرك.

و- لا تسخر من فكرة أحد حتّى لو كانت بسيطة.

ز- لا تكن مجادلاً؛ استمع ثمّ بيّن.

ح- لا تكن سلبيّاً، رحّب بكلّ فكرة تسمعها.

ط- لا تستعمل الكلمات المستفزّة: دائماً، أبداً، جميع، أنا، أنتم، لا أحد يفهم مثلي، لا أحد يفهمني.

ي- لا تقلّل من شأن الآخرين.

ك- امدح كلّما سنحت لك فرصة لذلك.

ل- تذكّر تواريخ منها: يوم زواجك، يوم ميلاد زوجتك، يوم ميلاد أولادك، نادِ أولادك بأسمائهم، لا تلقّب أو تنادِ أحداً بأوصاف مشينة أو مضحكة، فإنّ للآخرين مشاعر وأحاسيس أيضاً.

7- المشاركة في وضع القوانين والضوابط في الأسرة
للأب: لا تستفرد بوضع القوانين، بل شارك أعضاء الأسرة بذلك؛ فإنّك معهم في مركب واحد، وعرّفهم عليها أوّلاً، واستشرهم في البتّ في قرارها النهائيّ.. بهذه الأمور تكون قد أخذت أهمّ قرار في حياتك، أن صنعت دوراً للأسرة، ألا وهو تربية الأبناء وتنشئتهم تنشئة صالحة وتأهيلهم ليخوضوا غمار الحياة بقلوب مؤمنة، وعقول مستنيرة وأخلاق كريمة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع