مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة أخلاقنا: عقبات في طريق الزواج(*) مناسبة: نحن وعدك الصادق تسابيح جراح: كجراح العبّاس عليه السلام احذر عدوك: احذروا الابتزاز الإلكترونيّ! نظّارات ذكيّة لالتقاط الصور والترجمة الفوريّة طبيب روسيّ يدعو إلى منع الوشم تطبيق لبنانيّ لكبح انتشار كورونا استخدام خلايا الحبل السرّيّ لمعالجة كورونا مع الإمام الخامنئي: قواعد القرآن.. سعادة الدنيا والآخرة

نحو حياةٍ زوجيّةٍ طيّبة

د. أحمد علي الشامي(*)


دعونا في البداية، نتوافق على أنّ موضوع الزواج الناجح عند الشباب، لا يمكن لمقالة أن تحيط به من كلّ جانب، لما يُثار حوله من إشكاليّات تجعله أكثر تعقيداً، ولكن ذلك لا يعفي من ضرورة التصويب على الفاعل الأشدّ تأثيراً في إثارة تلك الإشكاليّات، وهذا ما نأمله، والله وليّ التوفيق.

•تزايد الاهتمام بالزواج في المجتمعات الغربيّة
في هذا المجال، يُلفت الباحث في الاجتماع الإنسانيّ إلى مستوى الاهتمام المتنامي بمسألة الزواج وتشكيل الحياة الأسريّة، ولا سيّما لدى الشباب على وجه التحديد، والذي يدفع نحو المزيد من الفضول العلميّ، خاصّة أنّ هذا الاهتمام يكثر في المجتمعات الغربيّة، على خلاف الانطباع السائد بأنّ الأسرة لم تعد تتصدّر قائمة الأولويّات في تلك المجتمعات. فبمجرّد أن يضغط الباحث على محرّك البحث الإلكترونيّ، حتّى تبرز أمامه سلسلة من الدراسات العلميّة التي تنشرها مراكز دراسات غربيّة، والتي تكاد تُجمع على أهميّة زواج الشباب، وما يحدثه ذلك من تأثيرات إيجابيّة عليهم كشريحة عمريّة وعلى المجتمع عامّة.

•تراجع الاهتمام بالزواج في المجتمعات الإسلاميّة
في المقابل، تكثر المؤشّرات التي تتحدّث عن تراجع ملحوظ في المجتمعات الشرقيّة في الاهتمام بمسألة الزواج وتشكيل الأسرة، ولا سيّما في المجتمعات ذات الثقافة الإسلامية، وبشكل يتعارض مع هذه الثقافة التي تولي اهتماماً بالغاً بالتزويج، وبالتحديد عند فئة الشباب، حيث تعتبره كمالاً للإنسان. فالأدبيّات الإسلاميّة التي تحثّ على الزواج واسعة ومتنوّعة، منها ما ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "ما بُني بناء في الإسلام أحبّ إلى الله عزَّ وجلَّ من التزويج"(1).

فالمسألة تتجاوز كونها مجرّد أزمة ثقافيّة؛ لأنّ الأدبيّات الإسلاميّة ذات الصلة، لا تزال تنساب ضمن أطر المجتمعات الإسلاميّة، الضيّقة منها والواسعة، فما أن يبلغ الشاب عمراً معيّناً، حتّى يصبح عرضة لأكثر الأسئلة تداولاً: "متى سنفرح بك؟". ويُتبع ذلك استحضار تلك الأدبيّات التي تضع الشابّ المنكفئ عن الزواج، في موضع المخالف والعاصي لتعاليم دينه الحنيف. وهذا ما يعفي المقال من حاجة الإسهاب في الحديث عن أهميّة التزويج.

لكنّ الذي يستحقّ التوقّف أمامه، ما يتضمّنه الميل السلبيّ عن الزواج في مجتمعاتنا من تبريرات دفاعيّة، وفي مقدّمتها، أنّ الزواج لم يعد مصدراً للسعادة، حيث يُستدلّ على ذلك بمؤشّرات ما عادت خافية على أحد تتناول الارتفاع المتنامي لمعدّلات حالات الإعراض عن الزواج والانفصال بين الأزواج.

•هل الزواج مصدر سعادة أم لا؟
في الحقيقة، إنّ ما يُقدَّم من تبرير هو انعكاس لقراءة غير موضوعيّة لتلك المؤشّرات السلبيّة، وبالتحديد حين يجري تحميل التجارب الفاشلة في الزواج لمسألة الزواج بشكلٍ عام. وهنا، من المفيد قراءة معطيات الدراسة التي أجراها باحثون من "كلّية فانكوفر" البريطانيّة(2)، لاستطلاع ما إذا كان الزواج مصدر سعادة أم لا، حيث كشفت الدراسة التي جُمعت بياناتها من نحو 30 ألف شخص، بين عامي 1991م و2009م، أنّ المتزوّجين منهم يشعرون بالسعادة والارتياح بالحياة أكثر من العازبين. وقال البروفيسور "جون هليويل"، المشارك في إعداد الدراسة، إنّه مع مرور سنوات من الزواج لا يزالون أكثر ارتياحاً. وخلصت الدراسة إلى استنتاج واضح وجليّ، أنّ أوّل دوافع عدم انخفاض السعادة فى الزواج مع مرور الوقت، هو الاختيار الصحيح للشريك.

نعم، لقد لامست الدراسة البريطانيّة أكثر العوامل تأثيراً في نجاح الحياة الزوجيّة أو فشلها، فما من عصر من العصور قد خلا من أشكال التحدّيات والعوائق والمنغّصات، وإن اختلفت بين عصر وآخر، ومع ذلك بقيت الحياة الزوجيّة تنتج عبر الأسرة أفراداً، منهم من يدفع مجتمعه نحو التقدّم، ومنهم من يدفعه نحو التخلّف، ويعود ذلك إلى جملة من العوامل، يتقدّمها مستوى الالتزام بالمعايير الصحيحة لاختيار الشريك.

•معايير الزواج الناجح
إنّ القراءة التي يمكن أن تؤسّس لعلاقة زوجيّة ناجحة كنتيجة، يجدر بها ابتداءً تبيان المعايير التي تمكّنها من ذلك، بوصفها مقدّمات أساسيّة. وفي هذا المجال، نستحضر المعايير التي أوصانا بها القرآن الكريم وأهل بيت النبوّة عليهم السلام، مع أنّ المجال لا يتّسع للإحاطة بهذه المعايير كلّها، لذا سوف يتمّ الاكتفاء ببعضها:

أوّلاً: التديّن لا الدين فقط: إنّ أوّل المعايير في اختيار الشريك، هو معيار التديّن، وفي هذا المجال، يجب إزالة التباسَين يعوّقان المقاربة الموضوعيّة لهذا المعيار الأساس: أوّلهما، حين العودة إلى قول الرسول الأكرم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: "عليك بذاتِ الدين"(3)، يذهب بعضهم إلى أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد خصّ المرأة بهذا المعيار دون الرجل، مع أنّ الحديث قد جاء في معرض إجابة أحدهم عن سؤال حول مواصفات الزوجة الصالحة له. وكدليل على أنّ هذا المعيار هو للرجل كما هو للمرأة، كثرة الأحاديث التي تضمّنتها سيرة أهل بين النبوّة عليهم السلام حول معيار التديّن للزوج الصالح، منها على سبيل المثال لا الحصر، ما يُروى عن الإمام الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام، عندما جاءه رجل يستشيره في تزويج ابنته، فقال له: "زوّجها من رجل تقيّ، فإنّه إن أحبَّها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها"(4).

أمّا الالتباس الثاني، فذلك عندما يُشار إلى الدين أكثر ممّا يُشار إلى التديّن؛ فالأوّل يصلح في جانب منه لحلّيّة أصل الزواج، ولكنّه ليس كافياً وحده لاختيار الزوج المناسب. فكثير من الشباب يركّزون على طائفة الشريك ومذهبه أكثر مما يركّزون على حقيقة تديّنه، وشتّان ما بين من يكتفي بحمل اسم الدين وبين من يعمل به. فالتديّن هو الصفة الملازمة للإنسان الذي يؤمن بأنّ الله يراه في نواياه وأفعاله كلّها؛ لذلك، يحرص على عدم المعصية؛ وهذا هو المراد من وصف الدين في الروايات.

ثانياً: جمال الداخل قبل الخارج: دعونا نسلّم بأن الاختيار بالإكراه أو بالواسطة قد انحسر كثيراً، ما يعني أنّ أغلب حالات الاختيار باتت تتمّ بالإرادة، ومع ذلك، يقف من يجري معاملات الطلاق مدهوشاً، عندما يسمع من أحدهم أنّه ما عاد يطيق النظر إلى الطرف الآخر والعيش معه، على الرغم من امتلاك هذا الآخر مواصفات خارجيّة تخالف هذا الشعور. ولكن في الحقيقة، عندما تمّ الاختيار، قد جرى القفز فوق واحدة من أهمّ المعايير التي حدّدها الرسول الأكرم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم للزوجة المناسبة في قوله: "إيّاكم وخضراء الدِمَن(5)، قيل: يا رسول الله، وما خضراء الدِمَن؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السوء"(6). وهذا المعيار الذي قيل بحقّ الزوجة ينطبق على الزوج أيضاً، ففي رواية عن حسين البشّار قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام: إنّ لي ذا قرابة قد خطب إليّ وفي خُلُقه سوء، فقال: "لا تزوّجه إن كان سيّئ الخُلُق"(7).

ثالثاً: التكامل لا النديّة: ليس من المبالغة القول: إنّ تسلّل فكرة المساواة الكليّة بين الذكر والأنثى إلى شخصيّة الشريك، باتت تقف خلف الكثير من الخلافات الزوجيّة، فهذه الفكرة التي تنتشر في مجتمعاتنا والتي تتعارض مع الدين الإسلاميّ، ترى أنّ الأنثى كالذكر، لها ما له وعليها ما عليه؛ ولذلك، حين ينتفي الاختلاف يسقط التكامل، فتكون النديّة هي الحاكمة بين الشريكين. وهي بذلك تتعارض مع حقيقة تكوينية أشار إليها خالق الخلق، في قوله تعالى: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ (الزخرف: 32)؛ أي في تسخير القدرات المتفاوتة ليعين كلّ منهما الآخر -التفاوت بينهما في الاستعدادات الجسميّة والنفسيّة- من دون أن يكون لهذا التفاوت ارتباط بالنقص أو الكمال؛ فالحياة الاجتماعيّة حتّى تعمر، إنّما تحتاج إلى هذا التكامل، فهي تحتاج على سبيل المثال، إلى قوّة جسديّة في الرجل، كما أنّها تحتاج إلى قوة عاطفيّة في المرأة؛ لذلك، فإنّ واحداً من عوامل نجاح الزواج، ضرورة الاتّفاق المسبَّق حول هذه المسألة الجوهريّة قبل الإقدام على الزواج؛ لأنّها ستحدّد أُسس العلاقة بين الشريكين، وأسس إدارة المنزل والحياة الأسريّة عامّة.

•ضرورة الالتزام بالمعايير الإسلاميّة
وفي الختام، بات من الموضوعيّة الإقرار، بأنّ ما تشهده مجتمعاتنا من نموّ لظواهر سلبيّة، يعود بجانب أساسيّ منه لابتعادنا عن المعايير التي أوصانا بها القرآن والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيت النبوّة عليهم السلام، ولا سيّما في اختيار الشريك الصالح. فقد بتنا نتعامل مع هذه المعايير بوصفها ثانويّة، حتّى إنّ بعضاً منّا لم يعد يعيرها الأهميّة التي تستحقّ، مقابل تزايد اهتمامنا وتفضيلنا للمعايير الماديّة، التي يفد أكثرها من غير ثقافتنا، فيتمّ التعامل معها بوصفها أساسيّة لبناء حياة عصريّة. علّ وعي هذه الحقيقة يسهم في بناء حياة زوجيّة طيّبة.



(*) باحث اجتماعيّ وأستاذ في الجامعة اللبنانيّة.
1.وسائل الشيعة، الحرّ العامليّ، ج20، ص14.
2.أنظر: دراسة بريطانيّة: الزواج يجعلك أكثر سعادة، موقع اليوم السابع الإلكترونيّ، بتاريخ 19 ديسمبر 2017م.
3.الكافي، الكليني، ج5، ص332.
4.مكارم الأخلاق، الطبرسي، ص204.
5.إنّما جعل صلى الله عليه وآله وسلم المرأة الحسناء في منبت السوء، خضراء الدمن تشبيهاً بالشجرة الناضرة في دِمنة البقرة. وأصل الدِمَن ما تدمنه (تلبّده) الإبل والغنم من أبعارها وأبوالها، فربّما ينبت فيها النبات الحسن المنظر، الفاسد المنبت.
6.الكافي، (م.س)، ج5، ص332.
7.بحار الأنوار، المجلسي، ج100، ص235.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع