مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة أخلاقنا: عقبات في طريق الزواج(*) مناسبة: نحن وعدك الصادق تسابيح جراح: كجراح العبّاس عليه السلام احذر عدوك: احذروا الابتزاز الإلكترونيّ! نظّارات ذكيّة لالتقاط الصور والترجمة الفوريّة طبيب روسيّ يدعو إلى منع الوشم تطبيق لبنانيّ لكبح انتشار كورونا استخدام خلايا الحبل السرّيّ لمعالجة كورونا مع الإمام الخامنئي: قواعد القرآن.. سعادة الدنيا والآخرة

إضاءات اجتماعية: بقلم مدمن


كثيراً ما نسمع بنصائح المعالجين والمختصّين في علاج إدمان الشباب على المخدّرات. ولكن ما رأيكم لو نستمع هذه المرّة إلى شهادات ونصائح من أصحاب العلاقة أنفسهم؟!

فيما يلي، نضع بين أيديكم حالتَي تعاطٍ للمخدّرات، تحمل كلّ منهما قصّة وعِبرة، علّهما تتركان بصمةً وأثراً كبيرين في نفوس وسلوك كلّ من وقع أسيراً لتلك الآفة القاتلة.

* الحالة الأولى: فضولي أودى بي إلى الهلاك
اسمي جاد (مستعار) كنتُ أسمع عن المواد المخدّرة منذ صغري. وعندما أصبحتُ في الرابعة عشرة من عمري، راودني الفضول في التعرّف على المخدّرات وتجربتها، إلى أنْ بدأتُ بتعاطي "حشيشة الكيف"، وأخذت حيّزاً كبيراً من حياتي. بعدها التجأتُ إلى مادّة "الكوكايين"، ولفترة طويلة أيضاً، ثمّ استخدمتُ مادّة أخرى تُدعى "سيلفيا".

وهكذا، أوشكت هذه المواد الواحدة تلو الأخرى على تدمير حياتي، فأبعدتني عن أهلي ومحيطي، وأثّرت سلباً على صحّتي، وفَقَدت وظيفتي بسببها. اختلّت حياتي، وأصبحت أعيش في ظلّ فوضى عارمة، ولا أشعر متى أنام ومتى أستيقظ، وفقدتُ شهيّتي للطعام، ولم أعد أأنس بالجلوس مع الآخرين، لا بل نفر منّي كلّ من لاحظ عليّ التغيّر.

أصبحت عبداً لتلك المخدّرات، حيث كنتُ أكرّس جميع أوقاتي لأجلها، وأفضّلها على أهلي ورفاقي، حتّى إنّني كنت أفضّلها على نفسي، وأصبحت أعيش فقط لكي أتعاطاها؛ لأنّها كانت أملي وملاذي الوحيد.

* نقطة التحوّل
ذات يوم، تعرّضت لحادث على درّاجتي الناريّة كادَ أن يودي بحياتي، وكأنّه إنذار لي من الله تعالى لإعادة النظر في سلوكيّاتي كلّها. في لحظة مصيريّة، استرجعت شريط حياتي لسنوات مضت وأنا ضحيّة تلك الموادّ السامّة. فلماذا لا أكون كغيري من الشبّان الناجحين، الذين يعملون ويكدّون من أجل تكوين أسرة؟ ألا يحقّ لي ذلك؟ اتّخذت قراراً جريئاً. فقد حان الوقت لفكّ قيودي من أسر المخدّرات.

لجأتُ إلى أحد المستشفيات الخاصّة بعلاج الإدمان، ولكن بسبب رواسب مادّة "السيلفيا"، كان من الصعب جدّاً أن أتخلّص منها أو أتعالج. فلجأت إلى الهيئة الصحيّة الإسلاميّة المختصّة بهذا النوع من العلاجات، ثمّ بدأتُ أتلقّى العلاج عند طبيب مختصّ، مضافاً إلى خضوعي للعلاج النفسيّ. وهنا بدأت أشعر براحة نفسيّة وطمأنينة كبيرة، وأحسستُ أنّني أصبحت أقوى من ذي قبل كلّما تحدّثتُ عن معاناتي. ساعدني العلاج أن أبدّد كلّ مخاوفي وقلقي من العودة إلى تلك المخدّرات مجدّداً.

* العودة إلى الله هي الخلاص
بحمد الله وفضله، استعدتُ عافيتي، وأصبحت أيّامي أجمل وأنشط من دون تلك الموادّ التي دمّرت سنين كثيرة من حياتي. ولا أنسى أيضاً فضل كلّ من وقف إلى جانبي، وساعدني، وتفهّمني حتّى استعدت الأمل بحياة جديدة وأفضل.
بعد تلك التجربة المريرة، تعلّمت أن لا ملجأ لي إلّا الله سبحانه وتعالى، فهو الذي مدّني بالقوّة والتصميم حتّى أكافح الإدمان وأقهره، فقويت علاقتي به، وعدتُ إلى ممارسة واجباتي الدينيّة؛ كالصلاة والصوم، التي انقطعتُ عنها مدّة من الزمن أثناء فترة التعاطي، وعدتُ إلى أحضان أهلي وأسرتي، حيث الحبّ والأمان والطمأنينة، وكذلك إلى أحضان رفاقي الذين يهتمّون لأمري.
أشعر أنّني ولدتُ من جديد، وأنّني شخص آخر، كلّ طموحي الآن أن أعيد ترميم كلّ ما هدّمته، وأعيد بناء حياتي وفق أُسس صالحة ومتينة. وها أنا حرّ مجدّداً بعد أن تخلّصتُ من العبوديّة لتلك العقاقير التي طوّعتني لشرورها، فأنا عبدٌ لله تعالى وحده دون سواه.

* الحالة الثانية: طفولتي المريرة كانت سبب ضياعي
اسمي فادي (مستعار)، بقيت مدمناً على تعاطي المخدّرات منذ 20 سنة تقريباً. ربما افتقادي لوالدتي حين توفّيت وأنا في عمر الثامنة، وعدم وجود من يقوم برعايتي بعدها تربويّاً وعاطفيّاً، كان السبب الرئيس لإدماني على المخدّرات، حيث فقدتُ بوفاتها الأمان والاهتمام والحبّ، وتراجع مستواي الدراسيّ بعدما كنتُ من الأوائل في المدرسة.
عندما رُفّعت إلى الصف الأوّل المتوسّط، تعرّفتُ على أصدقاء جدد، كانوا أكبر منّي سنّاً. كنت أنا في الثالثة عشرة من عمري، وهم في سنّ الخامسة عشرة، فعلّموني تدخين السجائر معهم. وفي أحد الأيّام، جاءني أحدهم ومعه سيجارة غريبة، ليست كالسجائر المعتادة، عرض عليّ التدخين معه، فدفعني فضولي إلى أن أجرّبها، فكانت أوّل سيجارة "حشيش" أتذوّقها، ومن هنا كانت هذه البداية.

* وتتوالى فصول سلوكي
لقد جعلتني تلك السجائر سعيداً بعد حزنٍ دام خمس سنوات على وفاة والدتي. شعرتُ بالراحة، وبدأت أطلب المزيد منها، الأمر الذي كان يدفعني إلى سرقة النقود من والدي لكي أستحصل على "الحشيش". وبعد مدّة قصيرة، تعرّفت على مواد مخدّرة جديدة، إلى أن وصلتُ إلى مادة "الهيرويين" في عمر الخامسة عشرة، فأحببتها كثيراً. كنتُ أشعر أنّ الحلّ لأيّ مشكلة تواجهني كان باللجوء إلى "الهيرويين"، وهنا بدأت المشاكل مع أبي. طردني أبي من البيت نتيجة سلوكي، وما لبثتُ أن تركتُ المدرسة أيضاً، وبدأتُ أرافق أشخاصاً تعرّفت عليهم عن طريق أحد تجّار المخدّرات، وبدأتُ بترويج المخدّرات معهم، وتعلّمتُ منهم أن أسرق الناس، وكذلك الدرّاجات الناريّة والسيّارات، لكي أحصل على المال من أجل شراء المخدّرات وحتّى أتمكّن من العيش في منزل أحد الأشخاص.

- عندما خضعتُ لطلب والدي
في أحد الأيّام، بينما كنتُ أسرق إحدى السيّارات وأنا تحت تأثير المخدّرات، جاءت دوريّة من الدرك وألقت القبض عليّ، وسُجنت لمدّة سنتين تقريباً. وهكذا بدأت معاناتي مع السجون، حيث سُجنت ما يقارب ثماني مرّات، وكنتُ في كلّ مرّة أخرج من السجن الماديّ، لأعود إلى السجن المعنويّ؛ أي المخدّرات. وعندما أصبح عمري 25 سنة، جاء والدي إليّ لمساعدتي، وطلب منّي الخضوع للعلاج كي أعود للمنزل، فلبّيت طلبه مجبراً، وخضعتُ للعلاج والتأهيل مدّة ستّة أشهر.

- عندما ضعفتُ من جديد
بعد العلاج، استعدتُ حياتي الطبيعيّة وتزوّجت. وذات يوم، وبعد ثمانية أشهر من شفائي من تعاطي المخدّرات، حضر أخي الأصغر لزيارتي، وكان قد خرج لتوّه من السجن بعد خمس سنوات، بسبب ترويجه للمخدّرات، فأسكنته معي في المنزل، حيث بدأ يتعاطى المخدّرات أمامي. وفي أحد الأيّام، وقع شجار بيني وبين زوجتي، فذهبتُ إلى غرفة أخي، وطلبتُ منه إعطائي المخدّرات، لأعود إلى تلك الدوّامة من جديد! وهكذا خسرتُ كلّ شيء، وعدتُ وحيداً مرّة أخرى؛ لا أمّ لي ولا أب ولا زوجة ولا عمل!

- قرارٌ بملء إرادتي
هذه المرّة أخذتُ القرار بملء إرادتي، ليس إرضاءً للآخرين وإنّما لنفسي، متعهّداً لها أنّني لن أعود إلى التعاطي مهما كان السبب.
وبالفعل، خضعتُ مجدّداً للعلاج، وكنت أشعر بالراحة كلّما تحدّثت إلى المعالجين، وبدأتُ أتخلّص من عادتَي الكذب والغضب، مضافاً إلى كلّ نقاط ضعفي، عازماً أن أكون إنساناً جديداً وفعّالاً.
أريد أن أقول لكلّ مدمن، إنّ الإدمان على المخدّرات كمرض السكّري؛ فكما أنّ الأخير يتطلّب الابتعاد عن السكّريّات، فعلى المدمنين أن يبقوا بعيدين عن رفاق السوء والأماكن التي توجد فيها المخدّرات.
أخيراً، أشكر الله على نعمة التعافي، وعلى مساعدته لي عن طريق تسخير الظروف والأشخاص لمساعدتي في البقاء على طريق التعافي.

* قدوة وعبرة
وهكذا، يُعتبر كلّ من "جاد" و"فادي" نموذجاً مصغّراً عمّا هو موجود في مجتمعاتنا، نموذج بحاجة إلى من يأخذ بيده ويعينه على التخلّص من تلك الآفة المدمّرة، للعودة إلى بارقة الأمل والحياة من جديد. وبالتوكّل على الله أولاً، ثمّ التحلّي بالإرادة القويّة الصلبة، يستطيع كلّ واحد منّا التخلّص من مشاكله مهما كانت عصيّة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع