مع الإمام الخامنئي: قواعد القرآن.. سعادة الدنيا والآخرة أخلاقنا: الزواج سهلٌ يسير مناسبة: الخميني قدس سره..شمسٌ لا تغيب مناسبة: المعصومة عليها السلام: سيّدة قم مناسبة: البقيع.. قطعة من الجنّة ما بعد الحرب النفسيّة للعدوّ البشريّة وصراع الوباء فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات تغذية: المناعة خيرُ علاج سوريا: حافلات على الطاقة الشمسيّة

قرآنيّات: تفسير سورة الإخلاص(1) (*)

الإمام المغيّب السيّد موسى الصدر (أعاده الله ورفيقيه)


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾.
صدق الله العليّ العظيم

كان العرب يذكرون لآلهتهم ولأنفسهم ولأسيادهم أنساباً؛ فكلّ إنسان كان ينتسب إلى قبيلة، أو عائلة، أو عشيرة.
وكانوا يذكرون الأنساب أيضاً للأصنام، فـ"هُبَل" و"لات" و"عزّى" و"ودّ" و"يغوث" و"يعوق"، كلّ واحد من هذه الأصنام، كان منسوباً إلى تاريخ، وقبيلة، وفئة.
 
❞معنى الأحديّة أنّ الله، زائداً على أنّه فرد، لا جزء له❝
وقد سُئِل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن نسب الله، الذي هو يعبده وينادي به، فنزلت سورة الإخلاص. فسورة الإخلاص تلخّص إيمان الإسلام بالله بصورة موجزة ومفيدة. ولهذا جاء أنّها ثلث القرآن؛ لأنّ القرآن كتاب الشريعة، وأساس الشريعة التوحيد والنبوّة والمعاد.
والتوحيد هو الشرط الأوّل الأساسيّ في الشريعة، وفيه ملخّص ما ورد في القرآن الكريم.

* ﴿اللهُ أَحَدٌ﴾
﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾. كلمة "قل" موجّهة إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، الذي يأبى إلّا أن ينقل كلّ ما يسمع، فهو كالمرآة أمام الله تعكس كل ما يقع فيها من الوحي والانعكاسات والتجلّيات: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: 3-4)، فكان صلى الله عليه وآله وسلم يقدّم للناس كلّ ما يوحى إليه ولو كلمة "قل".

﴿هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾؛ ما معنى كلمة "أحدٌ"؟ كلمة "أحدٌ" أشدّ وأعمق من كلمة واحد، فواحد مقابل الاثنين، وواحد يعني فرد مقابل الجماعة، والله واحد أيضاً، ولكنّه أحد زيادة على الواحديّة. فمعنى الأحديّة -إذاً- أنّ الله، زائداً على أنّه فرد، لا جزء له.
إنّ كلّ واحد منّا تجده واحداً بميزاته ومشخصّاته، ولكنّه ليس أحداً؛ فالإنسان يتكوّن خارجاً من الرأس واليد والبطن والرجل والجسم والروح، وعقلاً من الأجزاء العقليّة المذكورة في المنطق، كما أنّ مأكله ومشربه وعلمه وثقافته وتجربته هي من جهد الآلاف من البشر الذين شاركوا في تطوير هذا الموجود، فهو يتكوّن -إذاً- من أجزاء وأجزاء. مضافاً إلى أنّ كلّ واحد منّا له انتسابات؛ ينتسب إلى أب وأمّ، أو إلى قبيلة، أو عشيرة، أو شعب، أو بلد، أمّا ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، فتعني أنّ الله ربّي الذي تسألون عن نسبه، هو ﴿أَحَدٌ﴾ ليس له انتساب إلى أحد.

يقول بعض المفسّرين إنّ ﴿أَحَدٌ﴾ مقلوبة من كلمة "وحد": الهمزة بدل عن الواو بدليل الاشتقاقات التي ترجع الأمور إلى أساسها. ويفهم من هذه الكلمة أنّ الله ليس واحداً وليس له جزء فقط، بل هو وحده ليس أمامه شيء، ولا موجود ولا مؤثّر ولا قائم غيره، وإنّما كلّ ما في الكون ظلال منه، وأشعّة من نوره، وأثر من آثاره، فهو وحده الموجود ليس سواه. وهذا المعنى أعمق وأدقّ.

* الله الغنيّ
﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾. يُذكر للصمد معنيان؛ المعنى الأوّل: السيّد المقصود؛ فمعنى صمدتُ يعني قصدتُ. فالله هو المقصود والمطلوب لكلّ حاجة، والمقصود لكلّ اتّجاه، لأنّ الله غنيّ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء... وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ (فاطر: 15)؛ فالله ليس محتاجاً إلى أحد.
أمّا المعنى الثاني للصمد فهو المليء. لماذا يسمّى الله بالمليء؟ لأنّه غنيّ، ولا حاجة له إلى أحد أو إلى شيء؛ لأنّ الحاجة فقر وخلاء وفراغ.
فالإنسان بمقدار ما يكون له حاجة، بمقدار ما يكون فقيراً وضعيفاً، فالذي لا يحتاج إلى الآخرين هو صمد صامد، وليس غنيّاً عن الآخرين إلّا الله. ويشترك كِلا المعنيين في أنّ الله لا يحتاج إلى شيء؛ لا يحتاج إلى طعام، ولا شراب، ولا لباس، ولا مكان، ولا زمان، ولا شخص، ولا أصحاب.

* ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾
﴿لَمْ يَلِدْ﴾؛ ليس له أولاد، وبما أنّه ليس له أولاد، فهذا يعني أنّه ليس له أحفاد، ولا أسباط، ولا أنسباء، ولا أصهرة، ولا أكنّة؛ ولا كلّ ما ينبثق عن الإيلاد.
﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾؛ ليس له والد ولا والدة؛ فإذا لم يكن له والد، فليس له عمّ ولا عمّة ولا أولاد عمّ. وإذا لم يكن له والدة، فليس له خال ولا خالة ولا أولاد الأخوال. فإذاً، الله لا ينتسب أحد إليه بالقرابة، لا من جهة الأولاد ولا من جهة الوالد والوالدة.
وفي اللغة، إنّ كلّ شيء ينبثق من شيء يسمّى ولداً لذلك الشيء، أمّا الله فلم يولد من أيّ شيء، ولا يخرج منه أيّ شيء كما يخرج الماء من الصخر، أو كما تخرج الفاكهة من الشجر.

* ليس له نظير أو مثيل
﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾. الكفاءة بمعنى النظير؛ إذ كان العرب يعتقدون أنّ لكلّ موجود نظيراً أو مثيلاً، والكفء يُستعمل بمعنى الزوجة؛ يعني ليس له زوج أو زوجة، وهذا أيضاً تفسير لعدم الحاجة.

* كأسنان المشط
قلنا إنّ الله ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾، فإذاً، ليس له عشيرة وأقرباء وأرحام. وعلى هذا الأساس، يصبح الناس جميعاً بالنسبة إلى الله سواسية كأسنان المشط، ليس أحدُهم قريباً بالرحميّة أو النسبيّة إلى الله.

وقلنا إنّ الله صمد؛ أي أنّه لا يحتاج إلى الناس، بل الناس بحاجة إليه، ولا يحتاج إلى الأشياء، بل الأشياء بحاجة إليه، ولا يحتاج إلى الأزمان والأماكن، بل الأزمنة والأمكنة بحاجة إليه. فإذاً، البشر جميعاً متساوون أمام الله، وهو لا يحتاج إلى شخص دون شخص، أو إلى شيء دون شيء، لأجل المسيرة أو المساعدة أو تقسيم الأعمال أو أمثال ذلك.
نحن -مثلاً- نحبّ بعض أنواع المأكل أكثر من غيرها؛ لأنّنا نحتاج إليها أكثر، ونحبّ بعض أنواع الملابس؛ لأنّنا نحتاج إليها، ونحبّ بعض أنواع الفاكهة؛ لأنّنا نملكها ونحتاج إليها، ولكنّ الله غنيّ عن كلّ شيء، فكل لباس، ومأكل، وشراب، وجبل، ونهر، وبيت، ... متساوٍ أمام الله.
 
(*) مسيرة الإمام السيّد موسى الصدر، إعداد وتوثيق: يعقوب حسن ضاهر، ج10، ص249- 251، بتصرّف.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع