قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

سنة أولى شهادة: زفاف مبارك يا شهيدي (*)

ولاء إبراهيم حمود


ولدي الحبيب، شهيدي الغالي.. سلامٌ على الشهداء، وعليك...

خائفة، جئت إلى ذكراك الأولى. هل محوتَ من شغاف القلبِ فرح إحدى وعشرين سنة، بتفاصيل حزن سنة أولى للغياب؟ وهل ستخفّف السنوات الآتية من نضرة ملامحك وجمالها في ذاكرة محبّيك؟ أو سيبهُت تراكمها وميض ألوانها المتوهّجة في قلوبنا جميعاً؟

أيّها الغالي.. لم تغِبْ
ما كنتُ وحيدة عندما دخلت صالة الذكرى. كانت ملامحك معي وساماً على قلبي ونبضاً في أعماقه.
وكان أبوك هناك.. ينتظر حضورك.
وتوافد الأحبَّة تباعاً، وغصَّت القاعة بهم، وبدا القلب -وأنت ملؤه- يسابقني مراسم استقبالهم، بصدق حضورهم، رغم أمطار السماء التي جاءت تحيي ذكرى عبورك الأخير فوق تلال الزبداني، فهي كانت أيضاً هناك.
وفجأة رأيتُ حزني يذبل، تتساقط عن كياني أوراق استقالة أمام جميع الشهداء الذين أتوا مع أمّهاتهم وآبائهم إليك، ترافقهم إطلالتك في وجوه رفاقك .
ورأيتني فجأة أُمّاً لغالٍ لم يغب.

كم كانت أخبارك منك رائعة يا حبيبي! كنّا ننتظرها بشوق التراب لغيث المطر، وحاجة الخائف إلى غوث السماء.

* ذكرياتك الحبّ والكرامة
جاء دوري الآن كي أخبرك يا حسين.. دَعْني أقاوم غصّتي وأختصر: إنّك في عامِك هذا، ملأت بذكرياتك دنيايَ حبّاً وكرامة.

كنتُ عندما أبتسم لطرائفك الحلوة في خاطري، أُطرب لأخبار بطولاتك تجول على ألسنة إخوة جهادك ورفاقه، عرائس ميدان شامخ بها.

وعندما أستعيد من فتحة الباب يدك مودِّعة، لتغلقه على قلقي كفّك الأخرى، كانت عيناي تدمعان مقاومتين وخَزات الشوق عينه الذي كان يغزو قلبي، قبل أن تغيّبك عن ناظري درب الذهاب وتعيدك إلى بهجة احتفالي بعودتك منتصراً، طريق الإياب. كم كانت رائعة ذكريات تلك السنوات، وستبقى!!

ولدي... شهيدي...
عام مضى، هل كان رحيلك غياباً؟؟
 

* إلى حفل عبورِك العظيم
دعنا نؤجّل للختام الإجابة، ودعني أخبرك يا بنيّ ...

أنّ رفاق جهادك وإخوتك لم يتركوك في أرض المعركة وحيداً، وأنّك عدت إلينا بفضل سواعدهم بعد فضل الله، في موعدك الذي أعلنته قبل استشهادك بسويعات، لمدلّلتك، شقيقتك الصغرى التي عاشت بَعدكَ حالي عندما ودّعت خالَيك شهيدَين في مواجهة صهاينة الأمس، الذين تكرّروا أمامك بأقنعة جديدة. وأنّ رفيقك الكشفي الغالي "أبا زهراء"(1) قد حثَّ إليك خطاه، صباح يوم عودتك شهيداً، كأنّك أردت أن تكون أول مستقبليه على باب الجنَّة، وكأنّه أراد أنْ يكون أوّل الواصلين إلى حفل عبورك العظيم. أمّا "تراب الحسين"(2) صديق ليالي الهريسة في عاشوراء، التحق بك مشتاقاً، فحزّم حقيبة الرحيل إليك في مطلع محرَّم الحرام، يا شهيد الأربعين في عامك الفائت.

وأن شهيدك الغالي كرار(3) الذي بكيته بحرقة أخٍ وبحثت عنه بلهفةِ أمٍّ وأبٍ، قد عاد لتغفو عيناه قرب إغفاءة عينيك، وقد انهمرت فوق ضريحيكما حروف قصيدته التي تركتها أنت أمانة في عهدتي.

وماذا بعد؟

* بشرى الانتصار

اعلم يا بنيّ، أنّ الهدنة التي دافعتَ عنها ليلة استشهادك قد نجت من غدر التكفيريين بفضلك وإخوانك؛ وأن المتسلّلين جرذاناً تحت جنح الظلام عادوا أدراجهم، وخرجوا مرغَمين كما أرادتْهم مقاومتك الشجاعة، لا كما حاولت أهواؤهم المجرمة.

وها أنذا أزفّ إليك بشرى انتصار مجاهدينا بعد استعادتهم حلب الشهْباء كاملة لأهلها من أشداق ذئاب التكفير الداعشيّ، بعد أن تصدّوا للعدوان اللئيم، وسطّروا ملاحم الجهاد والبطولة، وهم يرابطون، في ساحات يقين كامل، كأنّك بينهم، تترنَّم معهم كما كنتم دائماً تفعلون: "وما النصر إلّا من عند الله، العزيز، الجبار...".
الكرامة.. مهرها دمك

والآن... عودٌ على بدء .
هل كان رحيلك غياباً؟؟
هاك شعور أبيك يجيب سائليه:
كُنتَ في ذكراكَ أكمَلَنا حضوراً.. كنتَ بدراً ساطعاً.. كُنتَ حبوراً.
كُنتَ فخر أمّة وأحبّة،
جاؤوا إليك يحملون شعوراً،
أنّ الكرامة يا شهيدي مهرها،
دمك التقيّ ولم يكن مهدوراً.

زفافٌ مبارك لكلّ شهيد، في عرسك السنويّ الأوّل يا... شهيدي.


(*) مهداة إلى الشهيد حسين كمال حمود، في عيد مولده 20/2/1995م. الذي استشهد دفاعاً عن المقدّسات، بتاريخ 30/11/2015م.
(1) الشهيد المجاهد خضر عصام فنيش. استشهد في جرود عرسال بعد سبع ساعات من استشهاد حسين.
(2) الشهيد علاء نجمة. كان صديقاً لولدي وقد استشهد في 5 محرم الحرام الموافق لـ19/10/2016م.
(3) الشهيد المجاهد السيد محمد إبراهيم إبراهيم الموسوي. استشهد في 20/5/2015م وعاد جثمانه الطاهر في 6/2/2016م. وحينها وفيت بوعدي لولدي بكتابة مرثية شهيده العزيز.


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع