قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

شهيد الدفاع عن المقدّسات وفيق علي حميّة (ياسين)

نسرين إدريس قازان


اسم الأم: غادة شداد.
محل الولادة وتاريخها: طاريا 9/6/1985م.
رقم القيد: 84.
الوضع الاجتماعي: خاطب.
تاريخ الاستشهاد: القصير 4/5/2013م.



"ينتهي العمر.. ولا ينتهي العمل". كلمات عابرة نردّدها جميعاً، ولكن وفيقاً كان يقولها ربطاً بالعبادات، وخصوصاً "الصلاة"، فقد وضع سجّادة صلاة في كاراجه لمن يكون عنده من الزبائن، فيدعوهم إلى الصلاة أوّل وقتها ويحثّهم على ترك كلّ ما في أيديهم لأدائها.

* صلاة جار المسجد في المسجد
أمّا هو، فمنذ صغره ألزم نفسه بحديث: "لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد"، ولا يفتأ ينصح مَن حوله أن يعطوا الصلاة حقّها بالتدبّر والتأمّل، وأن يهبوا لأنفسهم ساعات من الخَلوة مع الله، ويبحثوا عن الأمور التي تقرّبهم إليه عزّ وعلا، فليس هناك أثمن من هذا الوقت، فمصيرنا الوقوف بين يديه.

ولأنّ وفيقاً كان يقظاً مدركاً لحقيقة الحياة، تطوّع لخدمَة تغسيل الموتى وتكفينهم وتلقينهم الشهادة. فإلى جانب الأجر الإلهي الذي طمع به، كان يريد أن يتذكّر المصير الذي نسير إليه جميعاً بخطىً حثيثة، فلمْ ينسَ ذكر الموت طرفَة عين.

* روحٌ طيّبة نقيّة
هذا القلبُ القويّ النابض بالشجاعة، حمَل في جوانبه الطيبة والحنان والرقّة، فلا قسوة تدانيه إلّا في لحظات الحَملِ على الأعداء. وقد وضع وفيق روحه ذخيرة لهذه المسيرة، وهو الذي سُمّي "وفيقاً" على اسم عمّه شهيد الجيش اللبناني، الذي استشهد وهو يذود عن الوطن الذي ارتوى ترابه من دماء المجاهدين. وقد زار والدة وفيق في منامها، وأهداها سلاحاً، عندما كانت تحمل في أحشائها الشهيد "وفيقاً"، الذي توسّط إخوته، فسبقه للحياة ثلاثة ولحق به ثلاثة من إخوة وأخوات شكّلوا عائلة متحابّة متضامنة.

في بيت تضخّ شرايين ساكنيه بحبّ المقاومة ونَهجها، نشأ وفيق الذي تربّى على والديْن ملتزمَين، أخذ منهما القيم الإنسانيّة والمبادئ الإسلاميّة الصحيحة، وزاد على ما اكتسبه معرفة وثقافة. ولَكَم غبَطه والده على روحه النقيّة الصافية، فولدُه يغرف من الدين ما يزيده تألّقاً وبهاءً.

* النُّصح ميزة "وفيق"
تعذّر على وفيق إكمال دراسته الأكاديميّة، فأودعه والده في محلّ صاحبه لإصلاح السيارات، وكلّما سأل الأب صديقه عن حال وفيق، أجابه بأنّه يتقن المهنة بسرعة. وسرعان ما صقل وفيق مهاراته وخضع لدورة مهنيّة زادت من خِبرته حتى صار لديه محلّه الخاصّ. وقد جدّ كثيراً في العمل لأجل تسديد ثمن الآلات الباهظة التي اشتراها له والده.

"النّصح" هو ما تميّز به وفيق، فلم يؤخّر أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر. فساعة الموت لا تستأذن دقيقة واحدة، وكثيراً ما لفت مَن حوله بأسلوبه اللطيف بالانتباه إلى الغيبة، والابتعاد عنها. وقد نصح والده ورفاقه باستغلال أوقات فراغهم بقراءة القرآن وتدبّره، وهكذا يستغلّون الوقت أيّما استغلال.

* سندٌ للعائلة ومجاهدٌ في الميدان
كان وفيق جادّاً في الحياة، عاملاً كادحاً، بلّل أيام حياته بعرق جبينه. فبعد أن أوفى دَين محلّه، شيّد منزله الخاصّ، ولم يؤخّره التعب والكدّ عن مساعدة الناس، فكان يداً خيّرةً تساعد الجميع، وسنداً لأهله في الحياة، مادياً ومعنوياً؛ فقد كانت العلاقة بينه وبين والديْه متميّزة جداً، أما إخوته، فمن يكبره ومن يصغره، يستند إليه ويشكو له أحواله، ويشاطره أيّامه.

هذا الشاب الناجح في حياته، اختار منذ مراهقته طريقه الجهاديّ، فانتسب إلى كشافة الإمام المهديّ |، لينتقل بعدها إلى التعبئة العامّة ويخضع للعديد من الدورات العسكريّة. ومع الوقت صار مدرّباً أحاط عمله الجهادي بالسريّة التامّة والكتمان، فلم يكن يعرف عنه أحد شيئاً سوى أنّه في هذا الطريق.

* طريقكم أطول من طريقي
كان وفيق يقول دوماً لأهله: "طريقكم أطول من طريقي"، لكنّ أحداً لم يعرف ما يرمي إليه، "فواثق الخطى"، الذي يعرف ما يريده من هذه الدنيا بالضبط، كان يحاول اختصار طريقه قدر المستطاع.

في حرب تموز 2006م، كانت أولى مهامه، حيث بقي في القرية يساعد المجاهدين بعد أن نجا أهله من الغارات العشوائيّة. وكانت هذه الحرب هي بدايات مشاركاته، حتّى إذا ما بدأت الحرب في سوريا كان من أوائل المشاركين فيها من دون أن يسمح لأحد بدايةً بملاحظة غيابه الذي كان يبرّره دوماً ببعض الأعمال.

كان وفيق ينهي ترتيبات منزله الخاص لنقل عروسه، وبموازاة ذلك، كان أيضاً يحدّثها عن قرب رحيله، مثلما حدّث أهله كي لا يفاجئهم أيّ خبر. فقد حدث أن كان مع أمّه وأخته في عزاء، فطلب إليهما عدم السماح للنساء بالولولة والصراخ إذا استشهد. انقبض قلب الأم، وانهارت أخته من البكاء، ولكنّه صبّرهما وأوصى أمّه أن تُلزم الجميع بقراءة القرآن عوض النحيب والصراخ، وحينها أخبرهما أنّه سيكون في سوريا حينما يغيب.

لـم يـكن مـفاجئاً مــا عرفــه أهل وفيــق عــن التحــاقه بالـمجاهديـن لمحاربة التكفيريّين، فهم أدركوا أنّ القوم سيغزون بلادنا لينكّلوا بنا، وما الجهاد هناك إلّا دَرء للخطر عن هذه الأمّة.

صارت أمّه تساعده في تجهيز حقيبة الرحيل، وتدعو له بالنصر والحفظ، وما أن يمضي حتّى تتوقّع خبر استشهاده، فإن عاد التأم قلبها وضمّته إليه، ولكنّه عندما عاد آخر مرة، قال لها وهي ترتّب أغراضه: "الأسبوع المقبل سأستشهد...". لم تعرف بماذا تجيبه سوى بكلمة: "نعم".

* طيف الزهراء عليها السلام مع ركب العاشقين
هي "القصير"، ملحمة البطولة والفداء.. كرّ ولا فرّ.. صبر ولا تعب.. ووفيق مع رفاقه المجاهدين يتقدّمون، فإذا كان يوم جمعة، جلسوا عند الفجر يستريحون ليتحضّروا للجولة الجديدة، وإذ بوفيق يبتسم قائلاً: "هل ترون ما أرى؟"، استغرب الرفاق، وسألوه عمّا يرى؛ فدمعت عيناه قائلاً: "إنّه طيف مولاتنا الزهراء عليها السلام". قال ذلك وقد فاح عطر غريب حولهم، مع أنّ رائحة جِيَف المسلّحين المقتولين كانت تعبق في المكان.. وما هو إلا وقت قليل، ووفى وفيق بعهده، والتحق بركب العاشقين فداء لمولاته فاطمة الزهراء عليها السلام.

عريسٌ زفّ إلى جنان الخلد، فهنيئاً لمن عرف طريقه من أين وإلى أين.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع