قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

شباب: حُسين لا يكذب

ديما جمعة فوّاز


"أجل يا صديقي أنا في طريقي إليك.. بضع دقائق وأكون عندك.. لا تقلق سأصل على الموعد..". أقفل خليل هاتفه ورفع اللحاف الثقيل فوق رأسه وعاد إلى النوم مجدداً.. ليس الأمر مهمّاً، فصديقه رائد في انتظاره كما تواعدا بالأمس ولكن لا بأس ببعض التأخير!

استيقظ على صوت باب المنزل يُقفل بقوة. كانت أمّه قد عادت من السوق وهي تناديه: "ساعدني يا خليل في تغيير قارورة الغاز". انتفض من سريره مسرعاً وبدأ يرتدي ملابسه ويردّد بقلق: "تأخّرت يا أمي، لديّ موعد مع طبيب الأسنان ويجب أنْ أذهب فوراً..".

توجّه خليل نحو محلّ الإنترنت في الحيّ الآخر، وأمضى ساعات يدردش مع أصدقائه الوهميّين، فمرّ الوقت سريعاً، ولم يبالِ بعشرات الاتّصالات التي كانت ترِدُه من والده واعتبر أنّه يعرف سبب هذا الإصرار: "لا شكّ في أنّه يريد تذكيري بوعدي باصطحاب أختي الصغيرة إلى عيد ميلاد صديقتها". وبعد ساعات أرسل لوالده رسالة يخبره أنّه يدرس برفقة أصدقائه ولا يوجد إرسال جيد لتلقّي الاتصالات، وسيعود بعد صلاة المغرب.

لطالما تميّز خليل بسرعة بديهته في ابتكار إجابات لونها "أبيض" كما يردّد! وهذه "الموهبة" التي يتغنّى بها، تنقذه من ورطات مختلفة، رغم أنّها السبب الأساس في أغلب المشادّات الكلاميّة بينه وبين أخيه الأكبر حسين.

حسين الذي لا يَخدع، لا يجامل. صادق في وعوده، دقيق في كلامه.. كم يشتاق له، فقد غاب عشرات الأيام دون أيّ إمكانية للتواصل معه... وحين تذكّر خليل أنّ الليلة موعد عودته هرول مسرعاً ليصل قبل أخيه إلى المنزل ويكون في استقباله. ولكن.. حين وصل، صادف عند مدخل المبنى خاله ومجموعة من الشباب خارجين، وسرعان ما صمتوا حين رؤيته. نظر إليهم خليل بقلق، وهمس: "خير..". اقترب منه خاله واضعاً يده على كتفه: "هنيئاً لكم يا خليل، لقد نظر الله إلى هذه الأسرة الكريمة واختار منها شهيداً.. منذ ساعات يحاول والدك أن يتّصل بك ليخبرك أنّ أخاك حسيناً ارتحل اليوم صباحاً بعد صلاة الفجر في مواجهات مع التكفيريّين..". هزّ خليل رأسه مرتبكاً وقال: "ولكنْ حسين لا يكذب.." صمت لثوان، وصاح بصوت خنقته العبرات: "ولكنّ أخي حسيناً لا يكذب!". وقف الجميع مذهولين من كلماته وردّ فعله ولم يستطِع أحد أن يلْحق به. فقد فرّ خليل هارباً من تلك الحقيقة المؤلمة التي اكتشفها تواً: أخوه حسين كذب للمرة الأولى والأخيرة! توجّه مباشرة نحو تلك البقعة التي لطالما جلس فيها برفقة أخيه.. ارتمى أرضاً وبدأت الصور تتسارع في مخيلته..

كيف لحسين أن يكذب عليه؟ لطالما انتقد هذه الآفة واعتبرها تلوّث قلب المؤمن، لطالما ردّد أنّ الحقيقة لونها أبيض والكذب كلّه أسود.. هو يتذكّر تماماً أنّه حين طلب من أخيه أن يصحبه معه وأنّه أمسى شابّاً ويمكن أن يكون رفيقه في الجهاد، أجابه حسين بثقة: "حين أعود هذه المرة لن أتركك أبداً، سأعود لنذهب معاً، نقاتل جنباً إلى جنب..". ولكن.. مهلاً! حسين لم يعُد ولنْ يعود يوماً.. فهل كان يكذب؟

وفجأة، علقت تلك الدمعة بين جفنَي خليل، تسمّر في مكانه مترقّباً. لقد تذكّر أنّه بعد خروجه من المنزل بدقائق معدودة، رجع حسين متذرّعاً أنّه نسيَ "سبحته"، واقترب منه مودّعاً مرّة ثانية وقبّله برقّة على جبينه هامساً: "سأعلّمك حين أعود هذه المرّة أحد أهمّ أسرار الجهاد وستعرف كيف تكون تزكية النفس هي ممرّ العبور نحو ساحات القتال".

وارتسمت ابتسامة حزينة على شفتَي خليل، وشعر أنّه فَهم القصة كلّها.. حسين لم يكذب. لقد عاد.. عاد الليلة ولن يتركه أبداً.. حين ذهب كان طالباً للنصر ولكنّه رجع معلّماً للجهاد وقدوة للإيمان!
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع