أخلاقنا: بيوتٌ تحيا فيها المحبّــة(2)(*) بطّة الاستحمام.. خطر يهدّد الأطفال التخزين على الزجاج.. تقنيّة مذهلة من مايكروسوفت تطبيق يصحبك في "رحلة مجانيّة" إلى الأراضي المحتلّة ثقب الأوزون يتقلّص أخلاقنا: بيوتٌ تـحــيـا فيــها المحبّة(1)(*) من القلب إلى كلّ القلوب: نتاج بيت الوحي والرسالة احذر عدوك: أولادي في خطر (1) البرزخ بين ناجٍ وهالك برّوا موتاكم

أبو المجاهدين ونصير المحرومين

لقاء مع السيّد ياسر عبّاس الموسويّ
حوار: حسن سليم (*)



صحيحٌ أنّ الجيل الحاليّ لم يعاصره، ولكنّه أحبّه وعرفه عن ظهر قلب. لمس حنانه وأبوّته وهو يُطعم المجاهدين بيده. سمع صوته الشجيّ في دعاء الحزين، وشاهده بين جموع المواطنين يتفقّد أحوالهم ويستمع إلى مطالبهم. سماحة السيّد عبّاس الموسويّ (رضوان الله عليه)، أبو المجاهدين وحامل همّ المحرومين، كان لمجلّة "بقيّة الله" فرصة استعادة ملامحه وعطره وحضوره بين المجاهدين والناس، في حديث أُنس ودغدغة ذاكرة مع نجله السيّد ياسر الموسويّ.

•بدايةً، لنذهب إلى النجف حيث بدأت قصّة السيّد عبّاس هناك مع الشهيد الصدر قدس سره، ماذا تحدّثوننا عن تلك المرحلة؟
كان السيّد عبّاس تلميذ السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر قدس سره، ذلك المرجع الكبير، وكان من المقرّبين منه، وهذا ما جعله على لائحة الإعدامات من قِبل الطاغية صدّام حسين. وكان أيضاً حلقة الوصل بين السيّد موسى الصدر (أعاده الله بخير ورفيقيه) في لبنان والشهيد الصدر في العراق. وبدوره كان الشهيد الصدر يكنّ للسيّد عبّاس المحبّة، والودّ، والاحترام أيضاً، وكان يقول عنه: "السيّد عبّاس فلذة كبدي"، بكلّ ما تحمل هذه الجملة من معنى.

•بعد النجف، إلى لبنان وتأسيس حوزة الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف في بعلبك، ما هي ظروف تأسيسها ولماذا؟
عندما انتقل سماحة السيّد إلى لبنان، وهو يبلغ من العمر 25-26 سنة، أسّس حوزة الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف في مدينة بعلبك، وعاونه عدد من الإخوة العلماء؛ كالشيخ حسين كوراني رحمه الله، والسيّد عبّاس الموسوي (أبو علي)، وسماحة الشيخ محمّد يزبك. وقد جمعت هذه الحوزة شمل الإخوة اللبنانيّين ممّن أُخرجوا من العراق بالقوّة، فأكملوا مشوارهم الدراسيّ فيها، واليوم ثمّة مجموعة كبيرة منهم من الكوادر أو من صنّاع القرار في حزب الله، وجزء آخر منهم يعملون على مستوى الحركة الثقافيّة والجهاديّة في هذا التنظيم، وبعضهم أيضاً أصبح مبلّغاً خارج هذا الوطن، في دول عدّة.

وقد أخذ السيّد عبّاس مباركة الشهيد الصدر قدس سره ودعمه في تأسيسها، وهناك رسائل توثّق هذا الموضوع، مضافاً إلى مباركة عدد من العلماء اللبنانيّين.

وكان السيّد يؤمن بأنّ هذا المشروع هو مشروعٌ أُمميّ وليس مشروعاً محلّيّاً، وكان شعاره الدائم للمبلّغين: "أنا أريدكم مبلّغين، لا على صعيد لبنان فحسب، بل على صعيد الأمّة الإسلاميّة".

•كثيرة هي المشاهد مع المجاهدين، منها عندما كان يطعم الإخوة المجاهدين بالملعقة في أكثر من مشهد. حبّذا لو تحدّثوننا عن ترابيّة السيّد وتواضعه.
إنّ القيم الأخلاقية للسيّد لا حدود لها. فهو كان يتواضع بين الشباب المجاهدين اليافعين، ويخفض لهم الجناح، ويرى نفسه واحداً منهم، سواء بين العلماء أو المجاهدين، ويرى أنّ المطلوب من المجاهدين هو مطلوب منه أيضاً، لذلك، وعلى الرغم من حساسيّة موقعه كأمين عام، كان يحاول أن يشارك المجاهدين تنفيذ العمليّات العسكريّة قدر المستطاع، لكن القيادة العسكريّة كانت تمنع ذلك حمايةً لدوره ومسؤوليّته.

وكان (رضوان الله عليه) كثير الاهتمام بالمجاهدين وباحتياجاتهم، أذكر ذات مرّة، أثناء التحضير لإحدى العمليّات -كنت أبلغ من العمر 11-12 سنة- أراد السيّد الاطمئنان عما إذا كان المجاهدون قد تجهّزوا بشكل مناسب أم لا؛ لأنّ الطقس كان شديد البرودة. طلب معاينة الإخوة بنفسه، فقيل له: "لا داعي لتُتعب نفسك، فالعدد المشارك في العمليّة كبير وقد يُسبّب لك إرباكاً، وقد قمنا بترتيب الأمور كاملة، ألا تثق بنا؟"، قال السيّد: "أنا لديّ كامل الثقة بكم، ولكن أريد أن أعاين هذا الأمر بنفسي شخصيّاً، حتّى أطمئنّ على المجاهدين". وما كان منه حينها إلّا أن ذهب بنفسه إلى مكان تجمّعهم، وبدأ يتفقّدهم واحداً واحداً، لناحية اللباس العسكريّ والعتاد والمؤونة... إلخ.

•لماذا هذا الاهتمام الشديد؟
كان السيّد يريد التنبيه على مسألتين هنا، أولاً: التأكيد على أنّ المجاهد أمانة بين أيدينا يجب أن نحافظ عليها، حتّى لا نُسأل يوم القيامة عن أيّ تقصير تجاههم. ثانياً: أنّ حضور القائد شخصيّاً بين المجاهدين يرفع من معنويّاتهم بشكل كبير. وللسيّد منظار مميّز لهذه المسألة خاصّ به، فكان يقول: "عندما أتفقّد المجاهدين عن قُرب، أشعر بأُنس خاصّ، وأنّني واحد منهم. وعندما أعود إلى مكان عملي في بيروت، أشعر أنّني شُحنت بطاقة جديدة ومعنويّات مرتفعة". بينما المجاهدون كذلك كانوا ينظرون إلى أنّهم هم الذين يمتلئون بالطاقة عندما يرونه.

•ما سرّ العلاقة الخاصّة بين سماحته (رضوان الله عليه) والمجاهدين؟
سرّها التعاطي الأبويّ. فعندما كان (رضوان الله عليه) يرى مجاهداً مهموماً مثلاً، كان يقف على مشكلته، ويسأله عن أحواله، وعن أهله، وعن عياله. وكان يرى أنّ من يريد أن يكون بموقع المسؤوليّة، يجب أن يكون معنيّاً بهذه التفاصيل؛ لأنّها عندما تكون غائبة عن القائد، قد تترك أثراً سلبيّاً عند الفرد.

وقد أسّس المجموعات الجهاديّة الأولى، واحتضنها، وأدارها بشكل مباشر، وشارك في تجهيز المجاهدين، والتخطيط والإشراف على بعض العمليّات العسكريّة، وكان يتدخّل فوراً في تغيير بعض الخطط في الحالات الطارئة.

ففي إحدى العمليّات الجهاديّة، حصل ارتباك في صفوف المجاهدين بسبب كثافة نيران العدوّ الصهيونيّ، فما كان من السيّد إلّا أن تدخّل مباشرة عبر الجهاز، وبدأ يرفع من معنويّات المجاهدين ويقول لهم: أعر الله جمجمتك، وتوكّل على الله.

•التحدّيات والمصاعب في ذلك الوقت كانت كثيرة، والمجاهدون قلّة. كيف كان يتعاطى (رضوان الله عليه) مع هذا التحدّي؟
كنتُ أرافقه في إحدى الجلسات التي كان يتوجّه فيها إلى الإخوة بالقول: "أنتم الخلّص، أنتم من عرفتم ووعيتم بشكل أسرع من غيركم حقيقة الأمر، أنتم السابقون السابقون". فهو يشبّههم بمن دخل الإسلام قبل الفتح، وهم أفضل من أولئك الذين دخلوه بعد الفتح لسهولة الأمر والطمأنينة الموجودة.

وممّا قاله: "أنا مجاهد في المقاومة الإسلاميّة". وكان الإخوة يقومون بالعمليّات بشكل سرّيّ، بينما الآن، تبدّلت الأمور، وأصبح هناك طمأنينة وراحة كبيرة حيال هذا الأمر.

وكان يقول لهم أيضاً: "اصبروا، ففي المستقبل سيكون الناس جميعهم معنا، وسيأتون كلّهم إلى ركب المقاومة، وأنتم الآن وبقلّة عددكم، ربّان هذه السفينة، وستملكون الأرض وما عليها، فالله عزّ وجلّ سيسخّر لكم الأرض وما عليها؛ لأنّكم أخلصتم لله عزّ وجلّ، فكنتم خلاصة البشر".

•كان السيّد يقول: "لكي يرضى الله عنّا، يجب أن نكون في الساحات كلّها". لماذا ربط رضى الله بأكثر من العمل الجهاديّ؟
كان السيّد يعتبر أنّه إذا كنت تريد أن تبني، وأن تكون ابن هذه المقاومة، عليك أن تفكّر بعقليّة مؤسّساتيّة، وعليك أن تكون جزءاً منها، وأن تفكّر بالشأن العامّ وليس بالشأن الخاصّ فقط. وفي إحدى المناسبات، ألقى (رضوان الله عليه) كلمةً جاء فيها: "نحن يجب أن نكون في الساحات كلّها: الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة، والتربويّة، والإعلاميّة، والتنمويّة، والعسكريّة، ويجب أن لا نفضّل ساحة على ساحة أخرى. وحتّى يرضى الله علينا ويكون عملنا منتجاً ونافعاً، يجب أن نكون في الساحات كلّها على حدّ سواء". بمعنى أنّ نظره إلى رضى الله ليس مرتبطاً بالحركة الجهاديّة المقدّسة فحسب، بل وبخدمة الناس في الميادين والساحات كلّها.

•كيف عمل سماحته على ترجمة هذا الفكر على أرض الواقع؟
عمل (رضوان الله عليه) جاهداً عبر إجراءات وأعمال كثيرة، منها: تأسيس قناة إعلاميّة تنطق باسم المقاومة، وهي تلفزيون الفجر، الذي كان يُبثّ على صعيد البقاع، وبإمكانيّات متواضعة. وفيما بعد، طلب السيّد بشكل مباشر من الإخوة في الجمهوريّة الإسلاميّة المساعدة في إنشاء محطّة تلفزيونيّة للمقاومة الإسلاميّة، تُعبّر عن رأي جمهورها وتوثّق هذه المراحل، فكانت قناة المنار، التي انطلقت قبل استشهاده بأشهر في العام 1991م. والسيّد هو أوّل من أدخل تصوير العمليّات الجهاديّة "الإعلام الحربيّ" إلى العمل العسكريّ؛ لأنّ الإسرائيليّ كان دائماً يخفي الحقائق لرفع معنويّات جيشه. ولمواجهة هذا الكذب، طلب السيّد البدء بتوثيق العمليّات ضد العدوّ، وكانت هذه خطوة جريئة ومرحلة جديدة من المواجهة.

كما عمل السيّد على تأسيس مدارس إسلاميّة، كمدرسة الهدى، وفيما بعد مدرسة الإمام الرضا عليه السلام (وأصبحتا لاحقاً ضمن سلسلة مدارس الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف).

•للسيّد عبارة دقيقة يقول فيها: "كما قاومنا الاحتلال، سنقاوم الحرمان والإهمال". كيف سعى إلى تحقيق هذا الهدف عمليّاً؟
نحن اليوم نعيش مأزقاً اقتصاديّاً، ولو عدنا إلى الوراء، سنجد أنّ حزب الله هو أوّل من بادر إلى المطالبة برفع الحرمان والاستضعاف عن الناس، وطالب بالإنماء المتوازن بين المناطق كلّها.

وكان السيّد يقول دائماً: "نحن يجب أن نكون يداً بيد، وجنباً إلى جنب، وكتفاً إلى كتف لنواجه هذا الحرمان وهذا الإهمال". وكان يحكي باسم الوطن كلّه، ويتحدّث عن القرى المستضعفة في الشمال كما في الجنوب، وطالب بإعطاء الأولويّة لقرى المواجهة (الجنوب والبقاع الغربيّ)، لأنّه يجب توفير مقوّمات الصمود لأولئك الذين يتحمّلون ظلم العدوّ الإسرائيليّ وجيش لحد. وكان يطالب بالقضاء على مظاهر أحزمة البؤس في الضاحية. وله تسجيلات عدّة متلفزة لحضوره بين الناس في الأحياء والشوارع سائلاً عن احتياجاتهم ومعلناً اهتمام المقاومة بأمورهم وقضاياهم المعيشيّة. كان يطالب البلدية آنذاك بتوفير مساحات خضراء وملاعب للأطفال في الضاحية. نحن نتحدّث عن أوّل التسعينيّات.

•الآخر المختلف، كيف كان ينظر سماحة السيّد إلى وحدة الصفّ الشيعيّ خاصّة، والوحدة الإسلاميّة والوطنيّة عامّة؟
كان السيّد يرى أنّ وحدة الصف الشيعيّ هي من المقدّسات التي يجب الالتزام بها والمحافظة عليها؛ لأنّها كانت تُشكّل قوّة في وجه العدوّ الإسرائيليّ في تلك المرحلة، وكان يُحذّر من الفتنة السنيّة الشيعيّة؛ لأنّ العدوّين الإسرائيليّ والأميركيّ، والدول المتآمرة كلّها على هذه المقاومة، كانوا وما زالوا يعملون على إشعال الفتنة.

وكان السيّد يدعو مختلف الطوائف إلى المقاومة لمواجهة العدوّ الإسرائيليّ، وكان أوّل من بادر إلى طرح حوار إسلاميّ مسيحيّ بعد السيّد موسى الصدر، وكان مقتنعاً بسلطة الدولة اللبنانيّة على الأراضي اللبنانيّة كافّة من خلال الجيش، وأنّ المقاومة والجيش هما وجهان لعملة واحدة.

•كيف كان وقع شهادة السيّد على محبّيه؟
يمكن أن نلخّص وقع شهادته بذلك الفيديو الشهير الذي يظهر فيه رجل مسنّ من عامّة الناس يمشي في التشييع، وهو الحاج جنبلاط رحمه الله، كان السيّد يكلّفه مع بعض الوجهاء بإقامة صلحة هنا أو هناك، (وهو قد توفي بعد عام 2006م)، ولا تزال عباراته تصدح لغاية الآن: "يا رب تعوّض علينا بسيّد متل هالسيّد"، وأيضاً: "دخل محبّتك للإسلام يا سيّد".


(*) إعلامي في قناة الصراط.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع