مع إمام زماننا: ليلة الولادة.. سرّ ليلة القدر(*) لطائف الرحمن في شهر شعبان مناسبة: قصّة اكتشاف قبر الشهيد الصدر قدس سره حكايا الشهداء: أبو مهدي المهندس على لسان رفيقيه إنّا نرغب إليك في دولة كريمة.. بـيـعـةٌ بين الركن والمقام تغذية: معتقدات غذائيّة خاطئة آخر الكلام: مدينةٌ لم تُبنَ بعد أوّل الكلام: لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ مناسبة: حكاية شهادة

الجهاد رمز العزّة

الشيخ محمد توفيق المقداد

 



مما لا شك فيه أن الجهاد ركن من أركان الإسلام الأساسية، وقد ورد ذكره في القران الكريم وسنّة النبي ا وأحاديث المعصومين و بشكل كبير جداً، وبأشكال مختلفة، وصور متعددة، وقد جاء في خطبة الجهاد لأمير المؤمنين د في نهج البلاغة "أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه اللَّه لخاصّة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع اللَّه الحصينة وجُنَّتُه الوثيقة"(1).

* لا إكراه في دعوة الإسلام‏
على الرغم من هذه الأهمية والمكانة المميزة للجهاد، إلا أنه جزء من الصورة الكاملة للإسلام، ولا يمكن فصله عنها أو اقتطاعه منها، لأن ذلك سيؤدي إلى تشويه صورة الجهاد، بحيث يبدو وكأنه بقعة حمراء لا تفرز إلا الدم والقتل، بينما الحقيقة ليست كذلك أبداً. فالأصل الذي ننطلق منه في الإسلام أن هذا الدين هو دين للحياة بمعنى أن الإنسان عليه أن يؤمن بهذا الإسلام أولاً في العقل والقلب، ثم يعترف به باللسان على الملأ، ثم يعمل على تطبيق أحكامه في كل مجالات الحياة طبقاً للحديث: "الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان"(2)، وبهذه الأمور تتحقق الشخصية الإسلامية على مستوى الفرد، وعلى مستوى المجتمع. وهذا الإسلام هو الذي نعمل على نشره في العالم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولإنقاذهم من طرق التيه والضلال والانحراف والفساد والانحلال الأخلاقي والسلوكي، لأن اللَّه قد أمرنا أن ندعو إلى دينه بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ (النمل: 125)، وهذا يعني أن أسلوب الدعوة إلى اللَّه هو أسلوب حضاري راقٍ قائم على الحوار والإقناع، لا على القوة والإكراه. ومن هنا انطلق علماء الإسلام ومنذ أول عصور الإسلام بالدعوة إلى هذا الدين بالقول والكتابة، من أجل تسهيل وصول هذا الدين إلى الإنسان في كل مناطق تواجده في العالم. ومن هذا الأصل الذي ذكرناه دافع علماء الإسلام عن دينهم في وجه كل من عمل على التشكيك به، وأوردوا الأدلة العقلية والبراهين القوية على كل مفردة من مفردات عقائد الإسلام، سواء في الجانب الفكري أو الأخلاقي أو السلوك الفقهي القائم على الالتزام بفعل الواجبات وترك المحرمات، فضلاً عن المستحبات والمكروهات التي تزيد المؤمن الملتزم بهاءً نوراً واستقامة.

* وجوب الدفاع ورد العدوان‏
لكن بما أن الناس ليسوا كلهم مؤمنين بهذا الدين نظراً لتنوع العقائد والمذاهب والأديان، أمر اللَّه المسلمين بأن يعدُّوا العدَّة ويجهزوا أنفسهم بالطرق التي تساعدهم على الدفاع عن دينهم وأرضهم وأرواحهم في مقابل من قد تسوِّل له نفسه الاعتداء على المسلمين، وقد قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ (الأنفال: 60). وهذا الاستعداد ليس من أجل شن الحرب على الآخرين أو الاعتداء على الأفراد والشعوب الأخرى، بل هو تدبير احترازي وإجراء دفاعي للاستعمال عند الحاجة إليه لا غير، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (البقرة: 190). إلا أنه، عندما يحاول الآخرون من غير المسلمين من أي فئة كانوا، أن يعتدوا على كرامة المسلمين سواء لإجبارهم على ترك دينهم أو لفرض السيطرة والهيمنة وإخضاع المسلمين، فهنا نجد أن الإسلام يأمر المسلمين برد العدوان وإيقاف المعتدي عند حده، وقد قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير (الحج: 39).

هنا نجد أن اللَّه عزَّ وجلّ‏َ يجيز للمسلمين أن يقاتلوا دفاعاً عن دينهم وعقيدتهم ووجودهم وأرواحهم إذا كانوا مظلومين معتدى عليهم وغير ظالمين أو معتدين، وهذا القتال هو الذي نسميه بالجهاد العسكري في مواجهة الأعداء سواء أكانوا من المستكبرين في الأرض أو من غيرهم. وهذا الجهاد هنا واقع في محله لأنه وسيلة للحماية وسبيل للوقاية من غدر الأعداء ودرء لعدوانهم الظالم من غير وجه حق ضد المسلمين، والجهاد في هذه المرحلة هو الجزء المكمِّل لصورة الإسلام الكاملة، لأن الصورة بدونه ستكون ناقصة ومشوهة وغير قابلة للحياة والتطور، فالجهاد هو الذي يحمي ويصون ويقوي عزيمة المسلم وإرادته ويمنحه الاطمئنان النفسي والروحي، سواء عندما يمارس إسلامه في الحياة أو عندما يواجه المعتدين والظالمين والمتجاوزين. والجهاد في الحالة التي ذكرناها هو واجب لا مفرَّ منه، ولا يجوز للمسلم أن يتخلَّف عنه لأنه يكون من المرتكبين لفعل محرمٍ من الكبائر كما قال اللَّه في كتابه الكريم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير (الأنفال: 15 و16).

* وعد اللَّه بنصر المجاهدين‏
عندما يصبح الجهاد واجباً لرد العدوان، فإن اللَّه قد وعد المجاهدين بأن يكون معهم وإلى جانبهم، وأن لا يتخلى عنهم طالما أنهم لم يضعفوا ولم يجبنوا ولم يرضخوا لإرادة الأعداء مهما كانت قوتهم وكان جبروتهم، وقد قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (محمد: 7). وأما كيف ينصر اللَّه المجاهدين في سبيله فهذا النصر له أشكال عديدة ذكرها اللَّه في القران الكريم في العديد من الآيات، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (الأنفال: 17) وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (الأنفال: 12 و13)، وقال تعالى أيضاً تعبيراً عن وقوفه إلى جانب المجاهدين في سبيله ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (الأنفال: 43 و44).

ولا يمكن للإسلام أن يكون من دون أن يكون الجهاد جزءاً مهماً وأساسياً منه، لأن الجهاد رمز العزة والكرامة والشرف والرفعة والإباء، وبدون الجهاد سيكون الإسلام ضعيفاً في مضمونه أولاً، وفي دعوة الناس إليه ثانياً، وفي الدفاع عن نفسه في مواجهة المعتدين ثالثاً، لأن الذي سينتمي لهذا الدين الذي لا يدعو إلى الدفاع عن عقيدة المنتسبين إليه سوف يكون ضعيفاً ولقمة سائغة في مواجهة الآخرين، وخصوصاً أن هذا الدين ولد ونشأ في مجتمع عدواني، وقد توجهت إليه سهام العداوة والظلم منذ بداية انطلاقته. يقول الإمام الخامئني "دام ظله" في نص لافت للنظر "اعلموا يا أعزائي أن البعض يفزعه ذكر اسم الجهاد متصوراً أنه لا يتماشى مع نشوء الدولة، ومع إرساء أسس الحضارة في الحياة، ويتعارض مع التقدم المادي والمعنوي، ومع الرفاه المشروع لبني الإنسان، ولكن هذا خطأ فظيع، إذ بدون الجهاد لا ينال الإنسان شيئاً لا في دنياه ولا في آخرته، وبدونه لا يمكن مقاومة حتى ذئب في الصحراء مقطوع اليدين والرجلين، فما بالك بالذئاب الكاسرة في عالم السياسة والاقتصاد والبراثن الملطَّخة بدماء الملايين من الناس ممن افترستهم تلك الذئاب، وهل يمكن لشعب ما أن يرفع رأسه بدون الجهاد؟ وهل يمكن لشعب ما أن يذوق العزة بدون الجهاد؟ وهل يمكن لشعبٍ ما أن يتخذ له مكانة وشأناً بين شعوب العالم بدون الجهاد؟ أجل "إن الجهاد باب من أبواب الجنة" معناه نيل جنة الخلد في الآخرة، والراحة في هذه الدنيا".

* حذار من دعوة السلام المزيفة
الجهاد في الإسلام على ما ذكرنا ليس مطلوباً لذاته، ولا رغبة للإسلام في إشعال الحروب، بل ليس من عقيدتنا الإسلامية شن العدوان والحرب على الآخرين، لأن الإسلام هو دين الإنسانية والمثل والقيم والمبادئ الإلهية السامية، وهو دين الرحمة والعدالة والمساواة بين البشر أمام القانون الإلهي، ولذا يؤكد الإسلام أنه طالما أن البشرية تجنح نحو السلم وتريد أن تعيش بأمن وأمان وسلامة واطمئنان من دون جور وظلم وطغيان فئة على أخرى، ومن دون هيمنة وسيطرة واستكبار من شعب على آخر؛ فعلى المسلمين أن يلبوا الدعوة إلى السلام، بل أن يكونوا الداعين إليها قبل غيرهم، ولذا قال اللَّه تعالى في كتابه الكريم ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (الأنفال: 62).


فالدعوة إلى السلام التي يأمرنا اللَّه بالاستجابة لها هي دعوة السلام الحقيقي القائم على الاحترام المتبادل وعلى حفظ حقوق كل مجموعة بشرية إسلامية كانت أو غيرها، وأما إذا كانت الدعوة إلى السلام كاذبة ومزيفة ومجرَّد وسيلة للمكر والدهاء والخديعة كدعوة أمريكا في هذا الزمن الردي‏ء إلى الإسلام والأمن وهي تمارس الاستكبار والطغيان والظلم بأبشع صوره عبر التاريخ الإنساني الطويل، فمثل هذه الدعوة المجبولة بسمّ‏ٍ من جهة وعسلٍ من جهة أخرى يحذرنا اللَّه من الاستجابة لها لأنها فخ منصوب من جانب الأعداء لنعيش الدعة والسكون الخادعين حتى تسنح له الفرصة للانقضاض علينا وافتراسنا وأخذنا على حين غفلة عن الاستعداد والتهيؤ لما ينتظرنا من جانب أولئك المخادعين اللذين يريدون المكر بنا والغدر بأمتنا. لهذا كله نقول إن الجهاد واجب على الأمة الإسلامية عندما تتوافر ظروفه ومبرراته، وأما عند عدم وجود المبرر فلا يجب الجهاد وإن كان الاستعداد مطلوباً دائماً للبقاء على الجهوزية الكاملة لأنّ‏َ الجهاد هو رمز العزة والكرامة وهو الحصن الواقي من كل أذى ومكروه.


(1) نهج البلاغة، الخطبة 26.
(2) الري شهري، ميزان الحكمة، الجزء 1، حديث رقم 1262، انظر كنز العمال 2.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع