قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

دور الأهل في استدراك بعد العام الدراسي النتائج النهائية

الشيخ مصطفى قصير(*)

 



ينتهي العام الدراسي ويتجاوز أبناؤنا الأعزاء الامتحانات النهائية، إلاّ أنّ بطاقة العلامات لا تعكس النتيجة التي كنا نتمناها. بعض المواد لم يتمكن الطالب من الحصول على علامة النجاح فيها. بعضها حصل فيها على معدّل وسطي ضمن الحد الأدنى للنجاح، لكنّ مثل هذا المعدل لا يمكن الركون إليه في المستقبل لاختيار الفرع الذي يرغب به، أو على الأقل سوف يحدّ من فرص الاختيار لديه. ماذا نفعل نحن الأهل ؟

* هموم وشجون‏
هل نستسلم لهذا الواقع ونترك الطالب يرتاح ويتمتع بعطلة صيفية دون ضغوطات الدراسة وهموم المدرسة والكتاب؟
هل بإمكاننا الاستفادة من هذه المحطة (العطلة الصيفية) لاستدراك ما يمكن استدراكه من مكتسبات علمية ومهارات وقدرات لم يحصل عليها خلال العام الدراسي؟
هل نختار له معلّماً خاصاً يحوّل صيفه إلى مدرسة وأيام عطلته إلى أيام عمل ودراسة؟
هل نترك للطالب الحرية باختيار الأسلوب الذي يريد لاستدراك ما فاته ومعالجة الخلل لديه، واختيار الجدول الزمني الذي ينسجم مع رغبته؟
هل بإمكاننا تقديم المساعدة له؟ وكيف لنا ذلك ونحن لسنا من أهل الاختصاص في التربية والتعليم؟!
كل هذه الأسئلة وغيرها تدور في خلد أي واحد منا وهو يتصفح النتائج النهائية لابنه أو ابنته، ويتألم لأنّه كان يتمنى له أو لها النجاح بل التفوق، وكان يتمنى أن ينظر إليه بافتخار وهو يخطو خطوات ثابتة ومطمئنة على المسرح لتسلّم شهادة التخرج، بينما يرى النتائج بين يديه تحطّم هذه الأمنية وتشعره بالأسى والخيبة. وقد يتذكر الأهل في هذه اللحظات دفعات الأقساط المدرسية التي وفّروها للمدرسة بشقّ النفس.

* المعالجة باستدراك النقص‏
مهما يكن، فلا بدّ من الالتفات إلى أن العلامات المدرسية تمثّل مؤشرات على كمية المكتسبات التي تحققت لدى الطالب خلال العام الدراسي وفق معيار الأهداف والكفايات المحدّدة في المناهج. وبالتالي لا بدّ من النظر إلى العلامات على أنّها وسيلة قياس وليست هدفاً بحدّ ذاتها. وعليه فإنّ معالجة مشكلة الطالب الدراسية من خلال الضغط على المدرسة لترفيع الطالب دون استحقاق ومن خلال المطالبة بمنحه علامات استلحاق، ليس صواباً، وليس إنقاذاً للعام الدراسي كما يتوهّم الكثيرون من الأهل والطلاب، لأنّ المنهاج التعليمي والتربوي يعتمد على التراكم، أي تراكم المعارف والمهارات، وربما كان بعضها يترتب على البعض الآخر، مما يعني أن نقص المكتسبات في مرحلة يُفقد الطالب القدرة على تحقيق المكتسبات في المراحل اللاحقة. فليست المسألة مسألة طي سنوات دراسية وإنّما هي مسألة تشييد للبناء العلمي والعملي الذي لا بدّ فيه من أسس متينة وقواعد محكمة. وعليه، فالعمل على معالجة الخلل باستدراك النقص والحصول على المكتسبات الفائتة ضرورة لا غنى عنها. المناهج التربوية والتعليمية الجديدة تراعي هذا المبدأ عبر ما أطلق عليه اسم "الدعم المدرسي".

ولعل بعض أنواع الدعم هو ما يتلقاه الطالب في فترات العطل ولا يمكن تنظيمه أثناء الأيام المدرسية لأسباب ترتبط بحجم الخلل ونوعيته والوقت المتاح لمعالجته من جهة ومتابعة الدروس الاعتيادية من جهة أخرى. ولذلك لا نرى من بأس بقيام الأهل بمساعدة أبنائهم على تنظيم برامج دعم مدرسية خاصة في فترة العطلة الصيفية الممتدة لما يقرب من 90 يوماً. والتي تشكّل جبراناً للتقصير الحاصل خلال العام الدراسي المنصرم وتأسيساً للعام الدراسي القادم، خاصّة أنّ العام الدراسي في بلادنا لا يرقى إلى استثمار 50% من أيام السنة.

* دور الأهل‏
لا بدّ للأهل من القيام بعدة خطوات لمساعدة أبنائهم على تدارك الخلل في النتائج:

الخطوة الأولى: تحديد مواطن الخلل عند الطالب بدقّة. فالعلامات الواردة على البطاقة قد لا تظهر مكامن الخلل إلا بنحو إجمالي، فالعلامة المتدنية في الرياضيات أو في اللغة الأجنبية أو في التربية لا تعني أكثر من مؤشر على وجود خلل، لكن من الضروري تحديد مواطن الخلل بدقة، في أي مجال وفي أي من الأهداف، ما هي المهارة التي لم تتحقق وما هو المحور الذي لم يحصل فيه الطالب على المعارف الضرورية؟ وهكذا... ويمكن تحديد ذلك عبر طريقتين:

أ -مراجعة ملف المسابقات والاختبارات والامتحانات التي أجراها الطالب طيلة العام الدراسي، وتنظيم لائحة بالموضوعات التي أخفق الطالب في الإجابة على أسئلتها أو حل تمارينها، مع تحديد أسباب الإخفاق والتي تظهر في كثير من الأحيان من خلال الأخطاء التي وقع فيها.

ب - مراجعة المدرسة والاستعانة بمعلمي الطالب الذين يفترض بهم أن يكونوا قد رصدوا المشكلات عبر وسائلهم التربوية المعتمدة في المدرسة، وبالتالي بإمكانهم تحديد المجالات والكفايات التي ينبغي استدراكها. هذه الخطوة ضرورية جداً، وأهميتها أنّها تحصر الدعم في محل الحاجة مما يتيح فرصة أكبر لبرامج الدعم وتحول دون هدر الوقت والجهد في غير مواطن الخلل. الخطوة الثانية: تصميم البرامج المناسبة للدعم، وهنا يمكن لنا القيام بذلك بالاشتراك مع الطالب نفسه وتحديد الدروس التي ينبغي مراجعتها وإعادة تعلّمها وكيفية تحقيق ذلك، والجدول الزمني المطلوب، وبعبارة أخرى، يجب وضع خطة الدروس بما يتيح إمكانية إنجازها في الفترة الزمنية اللازمة، وبما يتيح لنا فرصة المتابعة والرقابة والتأكد من قيام الطالب بما هو مطلوب منه. في هذا المجال يمكن للأهل إذا كانوا لا يستطيعون تصميم البرامج المناسبة أن يستعينوا بأستاذ خاص، لكن مع التأكد من قيامه بوضع البرامج المناسبة، وقيامه بخطوات التقييم اللازمة. الخطوة الثالثة: المواكبة الصحيحة للطالب في استثمار وقته بشكل صحيح، ولا يعني ذلك منع الطالب من الاستمتاع بفترات استراحة، أو القيام بنشاطات ترفيهية، فربما كان ذلك مهمّاً وضرورياً لإكسابه القدرة على القيام بالواجبات الدراسية بشكل أفضل. فالمطلوب هو الحفاظ على نوع من التوازن، وإعطاء وقت مخصّص للترفيه أو الاستراحة، وأوقات أخرى للدراسة والتحصيل، على أن تُحترم هذه الأوقات وتُستثمر بشكل سليم. ومن المهم لمن يقوم بمهمة المواكبة والمتابعة أن يلتفت إلى أهمية الأسلوب وأن يعمد إلى التشجيع والإشادة والتنويه عندما يجد الطالب مجدّاً وعندما يحقّق نجاحاً في أي مسابقة أو اختبار، وأن يعمد إلى الإصلاح والمعاتبة والحث والتنبيه بالتي هي أحسن عندما يكتشف تقصيراً أو خللاً في تطبيق البرامج.

* معالجة الدافعية:
قد يكون السبب الأساس في تراجع النتائج التعليمية للطالب يعود إلى النقص في الدافعية للتعلم، إمّا من خلال عدم الاعتقاد بجدوى التعلّم أو من خلال الشعور بالعجز والإحباط. وعندئذٍ فإنّ المشكلة التي أدّت إلى خلل في الدراسة أثناء العام الدراسي قد تؤدي إلى خلل مشابه في نشاطات التعلّم الاستدراكي أثناء الصيف، وبشكل أشد وأقوى لأنّه يشعر هنا بأنه يضحّي بفرصة الراحة والترفيه التي يتمتع بها زملاؤه، مما يزيد من كراهيته للدرس والتعلّم. الأمر الذي يفترض بنا القيام بمعالجة نقص الدافعية أولاً بالأسلوب المناسب، وذلك بتغيير اعتقاده وموقفه من الدراسة، من خلال إقناعه بأهمية الدراسة أو أهمية المادة الدراسية التي لا يرغب بتعلّمها، ومن خلال إقناعه بأنّه غير عاجز عن الاكتساب والوصول إلى مراتب النجاح والتفوق، ومن المفيد هنا تجزئة الأهداف، حتى إذا حقّق أحدها أدرك قدرته على تحقيق هدف آخر خطوة خطوة. ومن خلال تدريب الطالب على طريقة الدراسة الصحيحة والوقت المناسب، وتدريبه على تنظيم وقته وترتيب أولوياته، وإشعاره بالرعاية والحنان. أحد العوامل التي تؤدي إلى موقف سلبي من تعلّم المادة علاقة الطالب بمعلّم المادة إذا كانت تعاني من خلل، هنا يجب على الأهل أو المربّين اكتشاف ذلك والقيام بإصلاح هذه العلاقة أو العمل على التفكيك بين نظرة الطالب إلى المادة ونظرته تجاه المعلّم لكي لا تتأثر الأولى بالثانية، ونستطيع مساعدته على بناء موقف إيجابي من المادة مهما كان الموقف من المعلّم.

هذه الطريقة من الاستدراك ضرورية ومهمة حتى إذا كان الخلل لا يؤثر على نجاح الطالب وترفيعه إلى صف أعلى، يمكن لنا أن نعمد إلى ذلك في كل مادة نجد الطالب يراوح متوسط علاماته فيها الحد الأدنى للنجاح، ومن المناسب أن نواكب هذه العملية منذ بداية العام الدراسي اللاحق، فنراجع كل مسابقة أو اختبار، سواء كان جزئياً أو كلياً، ونطلب من الطالب إعادة الإجابة على الأسئلة التي لم يوفّق فيها للإجابات الصحيحة، وإذا أخفق مجدداً نطلب إعادة تعلّم الكفاية أو الهدف ومساعدته في ذلك، لنصل في نهاية العام الدراسي القادم إلى نتائج مرضية لا تضطرنا لبرامج دعم صيفية ثانية.


(*) المدير العام للمؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم مدارس المهدي‏

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع