مع إمام زماننا: ليلة الولادة.. سرّ ليلة القدر(*) لطائف الرحمن في شهر شعبان مناسبة: قصّة اكتشاف قبر الشهيد الصدر قدس سره حكايا الشهداء: أبو مهدي المهندس على لسان رفيقيه إنّا نرغب إليك في دولة كريمة.. بـيـعـةٌ بين الركن والمقام تغذية: معتقدات غذائيّة خاطئة آخر الكلام: مدينةٌ لم تُبنَ بعد أوّل الكلام: لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ مناسبة: حكاية شهادة

عميد الفقهاء: ابن أبي عقيل العماني‏


السيد علي محمد جواد فضل اللَّه‏


لا شك أن العالِم الشيعي ابن أبي عقيل العماني يشكَّل مفصلاً أساسياً من مفاصل الفكر الإمامي في بدايات القرن الرابع الهجري ومحطة علمية لا بد من أن يتوقف عندها كل باحث في التراث المعرفي الفقهي لدى الشيعة الإمامية، حيث شكَّل بداية ونواة اتجاه فكري على صعيد الممارسة الفقهية.

فالمنهجية التي اعتمدها في أعماله والتي تعطي حظاً وافراً للعقل مع تقدير واحترام للنقل، هذه المنهجية شكَّلت منعطفاً على صعيد الممارسة الاجتهادية وبالتالي مدخلاً واسعاً لفتح أبواب مدرسة الاجتهاد بكل ما تعنيه هذه الكلمة من خروج عن دائرة المراوحة على النص وعدم الخروج عنه، إلى ولوج عالم الاستنباط والممارسة الاجتهادية الفقهية التي تنبثق من روح التشريع، وتحافظ على شروط وضوابط التقنين، والمتحررة من دائرة المعتاد والمألوف في النظرة الفقهية الشيعية آنذاك من عدم مغادرة النص والجمود عند كلماته ومحدداته، فكان هذا الخروج إلى عالم أكثر مرونة وتحرُّراً يتوافق ويتماشى مع متطلبات العصر وحاجات الناس، كان هذا الانسجام الفكري الذي قدمته لنا مدرسة ابن أبي عقيل بين النص والعقل، وبين التقيد التام بنص القرآن الكريم والحديث الشريف، وبين تأصيل أصول الفقه وتنظيم فروعه، ومن هنا كان هذا كله منعطفاً لحيوية فكرية كبيرة أعقبت عصر هذا العلامة وخاصة على يد الشيخ أبي عبد اللَّه المفيد وتلاميذه كالمرتضى والطوسي وغيرهما، وهكذا فقد أحدث ابن أبي عقيل عبر مدرسته حراكاً فكرياً كبيراً في المنهجية الفقهية والوسائل والأدوات التي ينبغي التوسل بها وتوظيفها في عملية الممارسة الفقهية واستنباط الحكم الشرعي عند الإمامية.

*نسبه:
هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي عقيل العماني من قدماء الأصحاب، ويعبر فقهاء الإمامية عنه وعن ابن الجنيد بالقديمين وهما من أهل المائة الرابعة. إلى هذا، فإن كتب التراجم قد اقتصرت في نسبه على ما ذكرناه، ولم يذكر أي منها اسم جد أبي عقيل ولا اسم عشيرته ويذهب بعض المحققين إلى احتمال نسبة (أبي عقيل) إلى (أزد) عُمان لأن أوساطاً كثيرة من (أزد) اليمن و(أزد) عُمان كانت معروفة بالولاء لأهل البيت عليهم السلام، منذ أن بعث النبي صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام إلى اليمن فتأثروا به وكانوا شيعة له ولأولاده الأئمة من بعده، وقد كان هناك العديد من الأزديين والفقهاء على مذهب أهل البيت عليهم السلام، ومن هنا فمن الطبيعي أن يكون ابن أبي عقيل العماني الذي عاش في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع من هؤلاء الأزديين أو من منطقتهم، ولم يذكر أحد من المترجمين خلاف ذلك إلا السيد بحر العلوم (ت‏1212) فرجح أن يكون أبو عقيل هو يحيى بن المتوكل الحذّاء المدني، نشأ في المدينة ثم انتقل إلى الكوفة، وهذا الترجيح مرده إلى الموافقة في الطبقة والكنية والصنعة، ويُحتمل تاريخياً انتقاله أو انتقال أولاده إلى عُمان. ولكن ما أفاده قدس سره لا يصمد أمام الدليل(!). موقعه العلمي وأقوال العلماء فيه:

لقد أجمع العلماء ومنذ القدم على مكانة ابن أبي عقيل في علم الفقه والكلام فاعتبروه من أعيان الفقهاء وأجلَّة المتكلمين. قال النجاشي في رجاله: " فقيه، متكلم، ثقة له كتب في الفقه والكلام منها كتاب (المتمسك بحبل آل الرسول)، كتاب مشهور في الطائفة، وقيل ما ورد الحاج من خراسان إلا طلب واشترى منه نسخاً. وسمعت شيخنا أبا عبد اللَّه (المفيد) رحمه اللَّه يكثر الثناء على هذا الرجل" (2). وقال الطوسي في فهرسته: " وهو من أجلّة المتكلمين...، فمن كتبه كتاب (المتمسك بحبل آل الرسول) في الفقه وغيره. وهو كبير حسن، وكتاب (الكر والفر في الإمامة) وغير ذلك من الكتب" (3). وذكره المحقق الحلي في كتابه المعتبر في معرض ذكره للفقهاء الذين استند إليهم في أخذ فتاويهم وعرض آرائهم فقال: " اجتزأت بإيراد كلام من اشتهر فضله وعرف تقدمه في الأخبار وصحة الاختيار وجودة الاعتبار، واقتصرت من كتب هؤلاء الأفاضل على ما بان فيه اجتهادهم وعرف به اهتمامهم وعليه اعتمادهم" (4). وترجم له السيد نور اللَّه التستري في (مجالس المؤمنين) ما تعريبه: " كان من أعيان الفقهاء وأكابر المتكلمين له مصنفات في الفقه والكلام منها: كتاب المتمسك بحبل آل الرسول، وذلك الكتاب له اشتهار تام بين هذه الطائفة الإمامية، وكان إذا وردت قافلة الحاج من خراسان يطلبون تلك النسخة ويستكتبونها أو يشترونها" (5). وأما الحر العاملي في كتابه (أمل الآمل) فيصفه بقوله: " عالم، فاضل، متكلم، فقيه، عظيم الشأن، ثقة" (6).

وقال صاحب الرياض: " الفقيه الجليل والمتكلم النبيل، شيخنا الأقدم المعروف ابن أبي عقيل والمنقول أقواله في كتب علمائنا، هو من أجلَّة أصحابنا الإمامية" (7). وعدَّه ابن إدريس في كتابه (السرائر): " من أجلَّة أصحابنا المتقدمين ورؤساء مشايخنا المصنفين الماضين ومشيخة الفقهاء وكبار مصنفي أصحابنا" (8). وأما السيد مهدي بحر العلوم فيقول عن ابن أبي عقيل في رجاله: " حال هذا الشيخ الجليل في الثقة والعلم والفضل والكلام والفقه أظهر من أن يحتاج إلى البيان، وللأصحاب مزيد اعتناء بنقل أقواله وضبط فتاواه خصوصاً الفاضلين ومن تأخر عنهما. وهو أول من هذَّب الفقه واستعمل النظر، وفتق البحث عن الأصول والفروع بين ابتداء الغيبة الكبرى وبعده الشيخ الفاضل ابن الجنيد وهما من كبار الطبقة السابعة. وابن أبي عقيل أعلى منه طبقة، فابن الجنيد من مشايخ المفيد، وهذا الشيخ من مشايخ شيخه جعفر بن محمد بن قولويه" (9). وأما السيد الخوانساري في (روضات الجنات) فيقول: " إن هذا الشيخ هو الذي ينسب إليه إبداع أساس النظر في الأدلة وطريق الجمع من مدارك الأحكام بالاجتهاد الصحيح...، وقد بالغ في الثناء عليه أيضاً صاحب السرائر وغيره، وتعرضوا لبيان خلافاته الكثيرة في مصنفاتهم، ومن جملة ما خالف فيه المعظم واشتهر بتفرد القول به القول بعدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة وإن صار هو في هذه الأواخر شايعاً بين جماعة الأخباريين بل ومن جملة ما يمتازون به عن طريق فقهائنا المجتهدين" (10).

وأما السيد الصدر في (تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام) فيقول عن ابن أبي عقيل: " شيخ الشيعة ووجهها وفقيهها، والمتكلم المناظر البارع، أحد أركان الدين المؤسس في الفقه، والمحقق في العلوم الشرعية، والمدقق في العلوم العقلية، له كتب كثيرة في كل الفنون الإسلامية، اشتهر بالفقه والتفريع..." (11). إلى ما تقدم فإن خلاصة الكلام في ابن أبي عقيل وموقعه الفكري ومدرسته الفقهية أنه كان صاحب منهج فقهي خاص يمثل الحلقة الأولى للفقه الاجتهادي الشيعي، فهذه المنهجية وإن استندت إلى القرآن الكريم والحديث وتحركت في اطارهما إلا أنها مارست عملية التفريع عن الأصول من خلال الاستعانة بالاستدلال العقلي واستخدام الفكر والاجتهاد والنظر.

هذا وقد مرَّ معنا أن ابن أبي عقيل يُعد من زمرة متكلمي الشيعة ويذهب بعض الباحثين إلى أنه في الحقيقة أول شخصية تدخل في تركيب المدرسة الفقهية للمتكلمين، وهكذا فأسوة ببقية المتكلمين فإن ابن أبي عقيل لم يعترف بالأحاديث الدينية غير الثابتة أو ما يطلق عليه من لغة علم الأصول بخبر الواحد ولم يعتبرها حجة. كما أنه يتضح من خلال آرائه وفتاواه أن منهجه الفقهي يقوم على أساس القواعد القرآنية الكلية والأحاديث المشهورة الثابتة، ومن هنا ففي الموارد التي يوجد فيها قاعدة كلية عامة في القرآن الكريم وفي المقابل كان هناك في الأحاديث تخصيص لتلك القاعدة، تراه يحفظ للقاعدة القرآنية عموميتها وكليتها ولا يأخذ بتلك الأحاديث إلا إذا كانت قطعية لا مجال للتردد فيها. إلى هذا، ولقربه من عصر حضور الإمام، فإن الكثير من الأحاديث والروايات كانت في عصره واضحة ومحددة، ومن هنا صار الكثير من الروايات التي ذكرها في كتبه منسوباً إلى الأئمة عليهم السلام موضع قبول من علماء الشيعة من بعده. وعلى كل حال، فقد حظي المنهج الفقهي لابن أبي عقيل باحترام وعناية العلماء من بعده وراحوا يشيدون به، كما أن آراءه الفقهية والحقوقية نقلت في جميع المصادر الفقهية المعتبرة (12).


(1) حياة ابن أبي عقيل العماني وفقههه، مركز المعجم الفقهي، قم، ط1، ص‏19.
(2) رجال السيد بحر العلوم، ص‏38.
(3) المصدر السابق، ص‏54.
(4) ج‏1، ص‏33.
(5) ج‏1، ص‏427.
(6) ج‏2، ص‏61.
(7) رياض العلماء، ميرزا عبد اللَّه أفندي، ج‏1، ص‏203.
(8) مهدي بحر العلوم، رجال بحر العلوم، ص‏211 223.
(9) م.ن.
(10) ج‏2، ص‏259.
(11) حسن الصدر، ص‏303.
(12) انظر: الحياة الطيبة، ج‏7 8، ص‏167 168.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع