مع إمام زماننا: ليلة الولادة.. سرّ ليلة القدر(*) لطائف الرحمن في شهر شعبان مناسبة: قصّة اكتشاف قبر الشهيد الصدر قدس سره حكايا الشهداء: أبو مهدي المهندس على لسان رفيقيه إنّا نرغب إليك في دولة كريمة.. بـيـعـةٌ بين الركن والمقام تغذية: معتقدات غذائيّة خاطئة آخر الكلام: مدينةٌ لم تُبنَ بعد أوّل الكلام: لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ مناسبة: حكاية شهادة

جعبة مقاوم‏: نحو الشهادة

أبو حسن

 



(مهداة لروح الشهيدين: الشيخ تيسير بدران، وغسان قبيسي).
كانت أولى قطرات المطر قد راحت تتساقط موهنة بساط الصمت الثقيل بنقرها على أوراق الشجر، وجعلت دغدغاتها المألوفة على رأسي تستثير ذكريات السير تحت المطر، فيما كنا نسير بين شخاريب صخرية ملأت حفرها الصغيرة مياه الأمطار في فائت الأيام.. وبين يدي كان السلاح لا يزال بارداً ورطباً، وتحت أقدامنا غدت الأرض، المفروشة بالأوراق، إثر السماء أكثر زلقاً. وصلنا نهاية حرش البلوط، حيث بدت أنوار كشَّافات الموقع تخترق السماء السوداء الحائلة اللون، وامتدت أمامنا إلى الأعلى التلة الجرداء الخالية إلا من بعض جبوب البلان وبقايا الأشجار المتقزمة المحترقة من أثر القذائف.


تقدمنا تفصل بين أحدنا والآخر أمتار عدة، وغذذنا السير بين الأشجار المحترقة دون توقف حتى اقتربنا من منبسط قمة الجبل حيث بددت كشافات الموقع بقايا العتمة، انتظرت حتى وصل الجميع، واخترت مكاناً لي، واسترقت النظر من خلف جب بلان فرأيت الموقع الضخم غارقاً في السكون، وكان المطر قد كف عن التهطال، فيما كانت المجموعات قد توزعت في أماكنها بانتظار الأوامر الجديدة. كانت مزق الضباب الشفيف تتراءى من خلل أنوار الكشافات، والريح الباردة تعبث بها، وفي هدأة من النسائم الباردة استقرت كتلة مركومة من الضباب حول دشمة كبيرة. وبدأت قذائف مدفعيتنا المتمركزة خلفنا في التلال تدك الدشم، فيما تقدم اثنان من المقاتلين وأحدثا ثغرة في الأسلاك الشائكة وحقول الألغام بواسطة «البنغالور» المتفجر، وتوقف قصف مدافعنا على دشم الموقع، فوضعت قائمتي الرشاش على كثيب صغير ورحت أطلق النار بغزارة على كل شي‏ء تحرك خلف شبابيك الدشمتين المقابلتين والممر الفاصل بينهما، ثم تقدمت مجموعة الهجوم متسلقة الساتر الرملي وملقية القنابل اليدوية داخل الدشم ثم اقترب المجاهدون منها وأطلقوا نيران رشاشاتهم نحو الداخل وتابعوا تقدمهم حتى أشرفوا على ساحة الموقع وراحوا يطلقون النار يميناً ويساراً ثم أبدلوا مخازن رشاشاتهم ودلفوا نحو الساحة وغابوا عن الأنظار تحت وابل من الرصاص ودوي انفجار القنابل، وشيئاً فشيئاً وبعد هدوء أزيز الرصاص تبددت نتف الظلام وغدا الموقع تحت السيطرة وعلت هتافات الله أكبر من داخله.. وساد صمت خلف رائحة البارود التي سدت مسام الهواء وتداعت مع النسائم الباردة ذلك الصباح.

وسط تلك البرهة من الهدوء سمعت من جهة الموقع صوت صرير باب حديدي، كان ثمة ما يشبه باب دبابة علوياً يفتح داخل الدشمة التي إلى يسارنا ثم أطل جندي برأسه وأطلق زخة رصاص نحو ساحة الموقع، فعاجلته بصلية رصاص أرجعته إلى داخل الدشمة مجندلاً، تلا ذلك صفير خمس قذائف لم تلبث أن انفجرت داخل الموقع.. لقد بدأ إسناد العدو.. ثم أبصرت المقاتلين ينسحبون من الموقع ركضاً عبر الساتر.. لقد نقص عددهم، رحمتك يا رب.. وانهالت القذائف حول الساتر الرملي دون توقف لتنثر غباراً دخل عيني وأنفي وأذني، وغدت الرؤية شبه معدومة في محيط الموقع. ورحت أطلق النار على الدشمة اليسرى التي بدت من خلال الغبار والدخان. عناصر الدعم.. الإنسحاب بعد قوة الهجوم. لقد أتت الأوامر الجديدة. حملت رشاشي الذي غدا خفيفاً بعد فراغه من الرصاص، ولحقت بشباب الهجوم الذين دلفوا خلف تموج خفيف في التلة..

كانت القذائف لا تزال تصفر ثم تنفجر مدوية ثم تتناثر شظاياها محدثة أزيزاً في الهواء ومقطعة بعض الأغصان، هل سنستشهد الآن؟ لا إنه يومنا لقد انتصرنا، لن يهزمونا اليوم.. لم أصب بعد وثيابي ليس عليها دماء، تابعت السير ولم أر أحداً من شباب الهجوم الذين سارعوا إلى اللجوء إلى حرش البلوط احتراساً من وصول الطائرات المقاتلة ذات القذائف الضخمة، فيما كان شباب الدعم من مجموعتنا موزعين على زوايا التلة فدلفوا باتجاه طريق آخر. آه.. ها.. هاه. ما هذا الصوت؟ نظرت إلى يميني، إلى اليسار، كان غسان على الأرض والدماء تسيل من فمه على وجهه وملابسه، هرعت إليه وأمسكته بيده ورفعته، كان لا يزال، بجثته الرياضية وقامته الممشوقة، مسيطراً على أعصابه، بعد أن دخلت الرصاصة من جانب وجهه الأيمن وخرجت من الأيسر، وسالت الدماء بغزارة ولحم خديه متفلت يهتز كلما تحرك.. ألقيت بندقيتي على ظهري وعلقت رباطها برقبتي وأمسكته من يده ودلفنا صوب الحرش. يا أخ.. من؟.. يا أخ.. كان الشيخ طارق هو الآخر واقفاً مستنداً إلى شجرة ماداً يديه إلى الأمام وعيناه قد حال بياضهما أحمر داكناً، أوقفت غسان إلى جانب شجرة عريضة الجذع، وهرعت إلى الشيخ طارق، اقتربت منه وأمعنت النظر في وجهه على عجل، كانت عينه اليسرى مصابة بشظية صغيرة غير أن الدم قد سال عليها وغطاها، واليمنى من غير إصابة لكن الدم قد جمد فيها.. قال لي حين شعر باقترابي: يا أخ.. من أنت؟ لا تتركني هنا.. رجاءاً لا تتركني.. من أنت؟

أبو حسن، ما بك.. وهل سأتركك.. ماذا تقول؟! لقد مروا من هنا ولم يروني..! كانت قذائف الهاون والميدان لا تزال تتساقط لكنها ابتعدت نحو الحرش الكثيف، وراحت تنهال على أسفل الوادي بغزارة. أمسكت بيده ومشينا بتؤدة، ثم اقتربنا من غسان الذي بدا شاحباً ومتعباً متهالك الخطو، فقربته مني برفق شديد، ووضعت ساعده على متني.. ومشيا على مهل يتحسسان الخطى.. تحت وابل المطر الذي لم يعد يكف عن التهطال.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع