مناسبة: حكاية شهادة قضايا فكرية: الثورات الملوّنة تقرير: مستشفى "الشفاء التخصُّصيّ" لاصق طبّيّ "ثوريّ" عربات الأطفال أكثر عرضة للهواء الملوّث رغم العقوبات الجائرة.. صناعات إيران تنمو 10% أخلاقنا: بيوتٌ تحيا فيها المحبّــة(2)(*) بطّة الاستحمام.. خطر يهدّد الأطفال التخزين على الزجاج.. تقنيّة مذهلة من مايكروسوفت تطبيق يصحبك في "رحلة مجانيّة" إلى الأراضي المحتلّة

القائد أبو حسن سلامة: رجل غفت القدسُ في كفيه‏

نسرين إدريس

 



* مناضل في الكوفية الفلسطينية:
عندما اختار الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات اسم "خضر سلامة" (أبو حسن) للشاب اللبناني علي ذيب، حمل ذلك مضامين عديدة وخطيرة، فأبو حسن سلامة من أهم واخطر الرجال الفلسطينيين العسكريين الأمنيين الذين تعرضوا للتصفية على يد الموساد الإسرائيلي في قلب العاصمة بيروت عام 1979، وعلي ذيب، شاب من بلدة كونين الجنوبية، حمل البندقية قبل بلوغه الرابعة عشرة من عمره عام 1970، وأجاد استخدامها، وخاض العديد من المعارك العسكرية ببسالة قل نظيرها جنباً إلى جنبٍ مع الفدائيين، دفاعاً عن فلسطين والأرض العربية، فالانتفاضة التي كان وجهاً أساسياً من وجوهها هي انعكاس لانتفاضة زخرت بقلبه الذي حمل هدفاً واحداً هو المقاومة حتى قتل آخر صهيوني على أرض لبنان وفلسطين. لم يتعلّم أبو حسن سلامة درسه الأول للرفض على يد الفدائيين، بل رآه بأم عينيه عندما كان صغيراً، وهو يهرب مع أهله بعد نجاتهم بأعجوبة من المجزرة التي قامت بها قوات الاحتلال الإسرائيلي في قريته "كونين"، فتلك اللحظة بكل ما حملته من مشاعر عبقت فيها رائحة الدماء حفرها في ذاكرته، وأضافها إلى السجل الصهيوني الحافل بالمجازر والقتل والتدمير..

في عام 1978 كان الاجتياح الصهيوني الأول لجنوب لبنان، وأبو حسن المناضل الذي لا يهدأ والشجاع المتفاني في سبيل قضية آمن بها؛ قضية الأرض المسلوبة غصباً؛ والحق المهدور في اتفاقيات السلام؛ والقدس الحبيبة التي سكنت أعماق قلبه؛ يتنقل من مكانٍ إلى آخر، بلا كلل أو ملل، مكبداً العدو الإسرائيلي خسائر فادحة بالأرواح والعتاد...

* مبايع للثورة الإسلامية:
في خضم الحرب السياسية والعسكرية والأمنية والتطورات المتسارعة في لبنان، والتي أدت إلى خلط الأوراق وعدم وضوح الخيارات اتجاه ما يقوم به العدو الصهيوني من تجاوزات، كان الإمام الخميني قدس سره يقود أعظم ثورة في القرن العشرين، وبيده المحمدية التي أرعبت أمريكا وإسرائيل، رفع الستارة عن شعبٍ آمن بالله سحقت الدبابات جسده، وانتصر.. أشرقت يدُ الإمام الخميني قدس سره على وجه أبي حسن سلامة، وأدفأت في نفسه صقيع الغربة التي مدت ثلوجها مُذ بدأ بعض الرجال يتركون صف القتال.. وجد أبو حسن نفسه يركن إلى النهج الذي اختطه الإمام قدس سره، وقد صارت القدسُ قضية مفصلية، وبوصلة المصير، ومع البندقية المحشوة بالرصاص، خشعت الروح في محراب الصلاة، وذرفت عينا الأسد الدموع للمرة الأولى في استكانتها بين يدي الله... صار للجهاد لون آخر، وللدم رائحة حياة جديدة، وأبو حسن الرجل الأساس في الحياة العسكرية بالنسبة للعديد من الفصائل المسلحة، يدرب الشباب، ويؤمن السلاح، ويخطط للعمليات العسكرية.

* أبو حسن سلامة في مثلث الموت:
تراجعت العديد من الفصائل أمام العدو الإسرائيلي الذي يتقدم ناحية العاصمة، بطائراته ودباباته وبوارجه الحربية، بمؤازرة عملائه في الداخل في عام 1982. الضحايا المدنيون والجرحى بالمئات، وسحابةٌ سوداء تحوم كالغربان فوق لبنان، وثلة من الرجال أبوا رمي السلاح، وقلبوا طاولة التفاوض لبيع الوطن على كل من سولت له نفسه أن يقبض الثمن، وعلى طول الحدود الجنوبية للعاصمة بيروت، توزعوا مجموعاتٍ مسلحة بالأسلحة الخفيفة، وعند مثلث خلدة، كان أبو حسن سلامة يقود المجموعة التي تصدّت للدبابات الإسرائيلية في معركة غير متكافئة عسكرياً، ولكن أبا حسن سلامة الذي خَبِر القتال، أوقع العدو الصهيوني بفخٍ لم تحسب له "القوة العُظمى" حساباً، والتقدم الذي كان من المفترض أن يُنفذ في ساعات، سيطر عليه ضبابٌ لم ينجلِ إلا وأبو حسن يقفُ فوق الدبابة الإسرائيلية وفي يده خوذة جندي صهيوني، وفي الأخرى البندقية، تلك التي لم تستشعر يوماً التعب من اليد التي ظلتّ تمسك بها بقوة.. عاد أبو حسن سلامة بغنيمة المعركة الأولى، وانكفأت اسرائيل مهزومة للمرة الأولى.. تنقل أبو حسن من معركة خلدة، إلى معارك معمل الزجاج بالقرب من بشامون، إلى محور كنيسة مار مخايل، وساهم في صدّ جميع محاولات الدخول إلى الضاحية التي سقط على أطرافها العديد من الشهداء، ونجحت أجساد الشهداء وقبضات المجاهدين في دفع العدو الصهيوني إلى إعادة قراءة الوضع اللبناني ، على أساس معطيات جديدة: "وجود قوة رافضة".. وعلى مدى ثلاثين عاماً اعتبر ابو حسن سلامة مسؤولاً عن "إهراق الكثير من دماء الاسرائيليين في جنوب لبنان"، فوضع اسمه في أول لائحة المطلوبين، ولكنه بذكائه العسكري الوقاد، وحسه الأمني العالي المستوى أضنى العدو طوال تلك السنوات ونجا من ست محاولات اغتيال أبرزها كان في حرب نيسان 1996.

* أبو حسن سلامة: القائد والمجاهد
قلة من الرجال الذين يقرأون المتغيرات السياسية والعسكرية والأمنية بالدقة والسرعة التي يقرأها أبو حسن سلامة، وقلة من يستطيعون اتخاذ القرار المصيب في اللحظات الحرجة.. فهو صاحب البأس الشديد، والمواقف الصلبة في ساعات الشدة، والشجاع الذي لم يعرف للخوف معنى بل التسليم المطلق لله. القائد القوي يبكيه أن يضيع مجاهد من مجموعته العسكرية في قلب الأودية التي حفظها كباطن كفه، وبلحظة ينطلق في الحقول المزروعة بالألغام غير آبه بالطائرات والكمائن، والمدافع الموجهة، بل همه إيجاد المجاهد، وشفتاه تطلقان النذورات (المالية والأذكار). وعندما صارت مهماته الجهادية تقتصر على التخطيط والتنظيم بعيداً عن خطوط المواجهة المباشرة، كان يتابع أدق تفصيل في العمل، حتى تنتهي المهمة بنجاح. هذا التعاطي الأبوي مع المجاهدين كان يقابله أبو حسن بالتعاطي كقائد مع ولديه اللذين رباهما منذ نعومة أظافرهما على أن يكونا مجاهديَن، وفى أحدهما بعهد الشهادة قبل والده بأشهر.. بالرغم من أنه المطلوب الأول من العدو الصهيوني إلا أنه كان مطمئناً دائماً، ففي إحدى المرات كان أبو حسن مع عشرين مقاوماً في شقة استهدفها الطيران الإسرائيلي بشكل مباشر، فأخطأت الصواريخ الهدف بطابق واحد، وفي لحظة أخلى الجميع المكان، ما عدا أبا حسن سلامة الذي كان يبحث بهدوء عن "حذائه" لينتعله، والطيران الحربي يستهدفه.. هذا الاطمئنان هو جعبته الوحيدة طوال حياته، وعرف كيف يزرعه في نفوس تلامذته.

كان حراً ومتمرداً تضيق به الأماكن والأزمنة، ومتواجداً في قلب الخطر، متناسياً أن ثمن رأسه مدفوع سلفاً من العدو الإسرائيلي، فعندما أُبلغ باستشهاد سماحة الأمين العام السيد عباس الموسوي، انطلق بسيارته إلى تفاحتا وكأن الذي تعرض للعديد من محاولات الاغتيال رجلٌ آخر، ولم يقبل وهو من أهم قادة المقاومة الإسلامية أن يرافقه عناصر حماية، ولم يتحمل يوماً أن ينظر إليه أحد من المجاهدين على أنه "مسؤول"، وكان يسارع إلى خدمة الأخوة، وقضاء حوائجهم دون أن يعرف أحد بذلك، ويذكر كل من عمل معه كيف كانت زوجة الحاج أبي حسن تطهو لهم يومياً، كما يذكر أنه كان يضع كل ما يملك من مالٍ وعلاقات اجتماعية وسياسية في خدمة المقاومة..

* يوم ثُكلت فلسطين بولدها:
أدار أبو حسن سلامة ظهره ك"حنظلة" ناجي العلي لكل الانقلابات السياسية والعسكرية. بعض رفاق الدرب من الفدائيين غادر الجبهة إلى كرسي السياسة، وظل هو على العهد الذي قطعه منذ كان فتىً يافعاً، وفلسطين زهرة تورق بين كفيه. لم تغير المسؤوليات الجسام هويته الحقيقية، ولا الملاحقة الإسرائيلية الدائمة له وجهة سيره، لم يتردد ولو للحظة قبل أن يقوم بما هو مقتنع به حتى لو كان الثمن حياته، ولم ير أحد دموع الحسرة التي عجنت روحه، أو التعب الذي ضيق الخناق عليه، ولكنه لم يبدل شيئاً في روحه الوثابة. حركته الدائمة طالما سببت الرعب للعدو ولم تنفع محاولات الاغتيال في أن تحيّده عن الطريق التي اختلط ترابها بدمه المبارك إذ اغتيل في عبوة على طريق عبرا صيدا بتاريخ 17 7 1999. ارتاح صاحب القلب الكبير، والمسامح الذي كلما أوذي ازداد صبراً وحلماً، هزم الصهاينة حتى في طريقة اغتياله، لقد واجههم وجهاً لوجه طوال عمله، وهم قتلوه بعبوة في طريق طالما سلكها باطمئنان وهدوء... استشهد أبو حسن سلامة وقد: "آن لجسد أبي حسن أن يرتاح ولروحه الوثابة أن تهدأ، وآن للعاشق أن يصل (..) ليس مفاجئاً أن يستشهد أبو حسن وإنما المفاجئ أن يبقى حياً إلى مثل هذا اليوم" (السيد حسن نصر الله).

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع