مناسبة: حكاية شهادة قضايا فكرية: الثورات الملوّنة تقرير: مستشفى "الشفاء التخصُّصيّ" لاصق طبّيّ "ثوريّ" عربات الأطفال أكثر عرضة للهواء الملوّث رغم العقوبات الجائرة.. صناعات إيران تنمو 10% أخلاقنا: بيوتٌ تحيا فيها المحبّــة(2)(*) بطّة الاستحمام.. خطر يهدّد الأطفال التخزين على الزجاج.. تقنيّة مذهلة من مايكروسوفت تطبيق يصحبك في "رحلة مجانيّة" إلى الأراضي المحتلّة

الفاتح حيدر...من "خيبر" إلى "خيبر"

علي أرسلان‏

 



في الرابع والعشرين من رجب، من العام السادس للهجرة، وبعد نقض اليهود للإتفاق والهدنة، وبعد تكرّر تعدّياتهم على كرامات المسلمين وحرماتهم، قرّرت قيادة الإسلام متمثّلة برسول اللَّه صلى الله عليه وآله توجيه ضربة لليهود، وإيقاف مشروعهم المتمادي في شبه الجزيرة العربية... واختير للمهمة "حيدر عليه السلام" ليقتحم بشخصه "حصن خيبر"، مقرّ الحاكم العسكري "مرحب"، ويسطّر نصراً للإسلام وهزيمة نكراء لليهود... بعد 1400 سنة تقريباً (1403/1/25 هـ)، وفي ظروفٍ مماثلة، وفي الحادي عشر من تشرين الثاني من العام 1982م، وبعد تفاقم انتهاك اليهود للإتفاقات الدولية والهدنة، زيادة عن احتلالهم فلسطين، وبعد استباحتهم كرامات اللبنانيين، قررت قيادة المقاومة الإسلامية، توجيه ضربة لليهود، وإيقاف مشروعهم في لبنان والمنطقة العربية...

واختير الفتى "حيدر" (أحمد قصير)، ليقتحم بشخصه مقرّ الحاكم العسكري "فيغل" في صور، في عمليّة "خيبر" ويسطّر نصراً تاريخيّاً للمقاومة، وهزيمة تاريخية لإسرائيل، ويفتح عصراً إستشهادياً فريداً... إنّه "حيدر"... من "خيبر" إلى "خيبر". إنّه العامليّ أحمد قصير ابن الثمانية عشر ربيعاً، فاتح عهد الاستشهاديين، منفذ عملية "خيبر" الإستشهادية ضد مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في جل البحر في مدينة صور، والممهد لهزائم إسرائيل المتلاحقة حتى التحرير في أيار 2000م... إنه البطل الحسينيّ الذي وجه أعنف ضربة للصهاينة في تاريخ صراعهم مع العرب، وحقق أحد أعظم انتصارات دم المستضعفين على سيف المستكبرين... أحمد... الفتى المحبوب المتواضع، الذي نشأ على تعاليم الإسلام منذ نعومة أظفاره، في عائلة جنوبية مؤمنة، التزم بالصلاة والصوم قبل بلوغه سنّ التكليف.... وبسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة، اضطر لترك مدرسته باكراً ومساعدة والده في إعالة العائلة المؤلفة من 8 أفراد... ولم يمنعه ذلك من إكمال مسيرة تعلّمه في مدرسة الإيمان والتقوى.

عام 1982، وكغيره من الشباب، قصد السعودية بهدف العمل، لكنّه سريعاً ما عاد بعد 3 أشهر فقط، لم يستطع خلالها إخماد حرارة دافعيته للذود عن أهله وقتال الصهاينة على أرضه التي ترعرع فيها وبين أهلها، والذين وصلته أخبار معاناتهم وعذاباتهم... عاد أحمد إلى لبنان... وقف على حواجز العدوّ لساعات، واضطر لانتظار تصريح المرور كي يصل إلى قريته المحتلة آنذاك "دير قانون النهر"... وخلال فترة وجيزة جداً، إلتحق العائد بأعمال الجهاد. عمل أحمد مع أبيه في محل لبيع الفواكه والخضار، وكانت صور مقصده اليومي لتأمين بضاعته، وخلال مشواره اليومي، كان يمرّ ذهاباً وإياباً من أمام مقرِّ الحاكم العسكري في صور ويراقبه بدقة، ويطبع في ذهنه صور المبنى والعساكر والآليات والمدخل والخيم المحيطة به، ويرسم سيناريوهات مختلفة لاقتلاعه من الجذور... من الوجود... ونقل أحمد ما يجول في عقله من مخطط إلى رفيقه الشهيد رضا حريري، فطلب الشهيد رضا منه كتم فكرته، وأخبر قيادة المقاومة بالأمر... تعرّفت القيادة على الفتى اليافع، ولفتها طمأنينته وروحيته العالية، وابتسامته العريضة الواثقة التي لا تفارقه... كانت قيادة المقاومة تنوي توجيه ضربة قاصمة للمحتل، وكان أمامها عدة خيارات وأهداف، وقرّرت بعد دراسة معمقة اختيار عمليّة نسف مقر الحاكم العسكري في صور... وشرعت بتدريب "أحمد" الذي نجح في كل الإختبارات النفسيّة والميدانية. بلغ "أحمد" أهله، بعد توديعهم للمرّة الأخيرة، أنه ذاهب إلى بيروت، لكنّه في الحقيقة كان في قرية مجاورة مدّة 15 يوماً، أذاع الأهل فيها اسم ابنهم كمفقود في إحدى الإذاعات المحليّة... 15 يوماً وحيداً في أحد المنازل، وكلما زاره الإخوة وجدوه منقطعاً إلى ربّه بالعبادة، يستعجل الموعد لتنفيذ العمليّة، في أجواء مناخية صعبة وقاسيةٍ ببردها، وانقطاع تام للكهرباء.... تقرّر الموعد يوم الأربعاء في1982/11/10، لكن استخارة أجلته لليوم التالي، وتبين بعدها أن معظم القوة الإسرائيلية كانت متجمعة خارج المبنى وفي الخيم، وفي وقت متأخر من تلك الليلة هطلت أمطارٌ غزيرة بفضل اللّه، ما اضطر من كان خارج المبنى إلى أن يلتجى‏ء إلى المبنى... كانت ساعات الليل تتجه متلهفة نحو صباح 11/11، ومشهد الهدف يكتمل بالتجاء الجنود الهاربين إلى الطبقات الثمانية... كانت عقارب الساعة تتقدّم نحو السابعة... وكان أحمد يركب سيارته البيضاء ويتقدّم نحو جل البحر في صور ويصل إلى مقربة من هدفه، حتى إذا ما اتجه صوبه، ابتعدت وبلطف إلهي سيارة كمنكار عسكرية عن المدخل، ليخترق أحمد البوابة بكل سرعته، ويقتحم صارخاً "اللّه أكبر" مفجراً نفسه بالمبنى الذي تهاوى أرضاً على رؤوس من فيه...

كان ذلك عند السابعة وعشر دقائق تماماً بتوقيت القدس المحتلة. لحظات بسيطة، أدخلت دماغ الكيان العبريّ في غيبوبة، ونزف فيها تشكيلة كبيرة من ذوي الوزن النوعي الخاص كما عبّرت صحيفة "هموديغ" الإسرائيلية...وهلوس بتفسيرات عدّة: انهيار ناجمٌ عن تسرب غاز وخلل في المبنى... ولاحقاً، عبواتٌ ناسفة تحت الأعمدة أدّت إلى الانهيار... ثمّ: إنه عمل محترف جداً جداً... الصدمة الأولى لإسرائيل... إنها مجزرة... اختفى المبنى ودُفن أبناؤنا تحته... استفاقت "إسرائيل" ولسانها يكيل نعوت الفشل إلى وزير الحرب آرييل شارون وحكومة العدو، ويدعونهم إلى الخروج من لبنان بأسرع وقت ممكن... 141 قتيلاً و10 مفقودين بحسب صحيفتي "هآرتس" و"دافار" بينما اعترف الناطق العسكري ب 75 قتيلاً و28 جريحاً... عمليات البحث استغرقت 3 أيام بلياليها. حداد رسمي ليوم واحد في الكيان الصهيوني، وذهول في المجتمع الصهيوني دام أياماً وشهوراً وسنوات... أمّا هآرتس فلقد لخصّت الدرس بالتالي "هذه الكارثة الكبيرة يجب أن تعلّم كل عباقرة الاستراتيجيا في حكومة إسرائيل أن حرب سلامة الجليل لم تحل أي مشكلة".. وفي الردود الخارجية، اعتبرت وكالة "تاس" السوفياتية الانفجار عملاً شجاعاً للمواطنين اللبنانيين والفلسطينيين، أدى إلى نشر الفوضى بين الإسرائيليين. ورغم عمليات الترهيب والقمع فإن المقاومة الشجاعة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي لا تزال تتزايد. وفي نيويورك، وصفت وكالة "الأسوشيتدبرس" العملية بأنها أنجح ضربة توجه إلى القوات الإسرائيلية منذ بداية "الصراع الإسرائيلي الفلسطيني" قبل عشرات السنين". العملية التي تبنتها أطرافٌ عدّة، لم تكشف الجهة الحقيقية مسؤوليتها عنها إلاّ بعد مرور سنتين وسبعة أشهر من العملية، فبتاريخ 1985/5/19 أعلنت المقاومة الإسلامية مسؤوليتها وكشفت هوية منفذها أحمد قصير "حيدر".

أمّا أسباب تأجيل الإعلان فكان أهمها:
عدم تمكين العدو من الإمساك بأي خيوط تقود إلى المجموعة المساعدة.. خشية على أهله المقيمين تحت الاحتلال آنذاك. وصيته التي طلب فيها عدم الإعلان عن اسمه إلاّ بعد تحرير الجنوب. انتظار ردّة فعل العدو في ظلّ غياب أي معلومات عن مدبري العملية. 1982/11/11 الساعة 10: 7 استيقظت أم أحمد ونادت فجأة: أحمد... أحمد، وعندما أبلغوها، قالت: "كنت حاسّي إنو هوي اللي عمل العلمية... ولما خبروني بعدين... قلتلهن أنا كنت عارفة.. عارفة من ساعتها، هيدا أحمد... هيدا أحمد...". 1982/11/11 يوم عزٍّ خلد في ذاكرة التاريخ المقاوم إلى الأبد... 1982/11/11 يوم الشهيد الرسمي لأمة المقاومة الإسلامية في لبنان. 11/11 دربٌ رسمه أحمد قصير، وسار خلفه إستشهاديو المقاومة الإسلامية... وآخرون ممن ينتظرون وما بدلوا تبديلاً. فسلام اللّه على أحمد وعلى كل الشهداء وعلى عائلاتهم المباركة، حيث يتناولهم السيد القائد الخامنئي فيقول: "هؤلاء الشهداء، هم هدية الأنبياء لأهل الأرض ومنهم اقتبسوا نورهم، فسلام على الأسر التي كانت مهداً لتربية هؤلاء الأعزة، وعلى الأمهات والآباء الذين تربّت في حجورهم الطاهرة مثل هذه الجواهر الزاهرة الثمينة، وقدموهم وهم في ريعان الشباب إلى مذبح الشهادة، وصبروا على هذه التضحية الفريدة".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع