مع إمام زماننا: ليلة الولادة.. سرّ ليلة القدر(*) لطائف الرحمن في شهر شعبان مناسبة: قصّة اكتشاف قبر الشهيد الصدر قدس سره حكايا الشهداء: أبو مهدي المهندس على لسان رفيقيه إنّا نرغب إليك في دولة كريمة.. بـيـعـةٌ بين الركن والمقام تغذية: معتقدات غذائيّة خاطئة آخر الكلام: مدينةٌ لم تُبنَ بعد أوّل الكلام: لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ مناسبة: حكاية شهادة

أخلاقنا: بيوتٌ تـحــيـا فيــها المحبّة(1)(*)

آية الله الشيخ حسين مظاهري


بعد أن تعرّضنا في العددين السابقين إلى العوامل التي تدمّر المحبّة بين الزوجين، سوف نتطرّق في هذا المقال إلى ما يساهم في تعزيز الرحمة والمحبّة داخل البيت الواحد.

•معزّزات المحبّة
1- الحبّ في الله
صعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منبره يوماً وسأل من كان في مسجده عن أوثق عُرى الإسلام، أي ما هي المسائل التي توجب نجاة البشر، فقال أحدهم: الصلاة يا رسول الله، وقال آخر: الصوم، وقال ثالث: الزكاة، وأجاب رابع: الجهاد في سبيل الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أوثق عُرى الإسلام أن تحبّ في الله، وتبغض في الله"(1).

فالذي يحبّ امرأته في الله ناجٍ لا محالة، وهو ليس كالذي يحبّها من أجل إرضاء شهوته؛ لأنّ مثل هذا الحبّ ليس من الرجولة في شيء، وهو حبّ حيوانيّ، وإنّ إرضاء الشهوة هو إحدى الفوائد الصغيرة في تشكيل الأسرة.

فالرجل عليه أن يحبّ زوجته، هذا إذا اعتبر نفسه مسلماً، وكذا المرأة ينبغي لها أن تحبّ زوجها في الله إذا كانت تدّعي الإسلام؛ فالمرأة يجب أن تفتخر إذا كان زوجها مجروحاً بسبب دفاعه عن الإسلام، وتفتخر إذا استشهد في سبيل إعلاء كلمة الله جلّت صفاته، أو استشهد ابنٌ لها على هذا الطريق الصائب.

أمّا بالنسبة إلى الرجل، فيجب عليه أن يفتخر إذا كانت زوجته تصلّي وتصوم وتنفق في سبيل المولى تعالت أسماؤه.

2- المعاملة كما يحبّ أن يُعامل
إنّ من علائم المؤمن أن يحبّ للآخرين ما يحبّ لنفسه، ويكره لهم ما يكرهه لها.
عن الإمام الباقر محمّد بن عليّ عليه السلام: "قولوا للناس أحسن ما تحبّون أن يُقال لكم، فإنّ الله يبغض اللعّان السبّاب الطعّان على المؤمنين، الفاحش المتفحّش، السائل المُلحِف، ويحبّ الحيي الحليم العفيف المتعفّف"(2).

3- التعاون والمساعدة
إنّ الحضانة مسألة ليست بالهيّنة، وإذا أردت أن تطمئنّ لما أقول، فلا بأس عليك -أيّها الرجل- في أن تجرّب ذلك مدّة ساعة أو ساعتين لترى بنفسك صعوبة المسألة.

إنّك لا تستطيع أن تقوم بدور الحاضن في البيت مدّةَ يوم كامل، وإذا ما كانت دارك فيها بعض السلالم، فستصعد يوماً مائة مرّة لتهيئة الطعام أو لترتيب وضع الأطفال، وهذا ما تفعله زوجتك يوميّاً!

وإذا كان لا بدّ لنا من قول، فسنقول لكَ: عليكَ بمساعدة زوجتك في المنزل، وإذا رفضت ذلك فسنقول لك: هل أنت أفضل من أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين عليّ عليه السلام الذي كان يعين الزهراء عليها السلام في أعمال المنزل؟ والدليل على ذلك تلك الرواية التي جاء في مقدّمتها أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل دار أمير المؤمنين عليه السلام فرآه ينقّي عدساً، بينما كانت ابنته البتول عليها السلام تمارس عملاً بيتيّاً آخر(3).

وكان الرسول الأكرم محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم يحلب الشاة، ويخبز الخبز، ويساهم في أغلب أعمال المنزل، وهذا ما أثبتته الأخبار والروايات المتواترة.

4- الرحمة والبشاشة
إنّ المنزل يحتاج إلى من يصرف عليه. وإنّ الرجل يخرج صباحاً إلى عمله ليلتقي بهذا وذاك، ويتعامل مع الناس ويداري نفسيّاتهم ليحصل في نهاية المطاف على مقدارٍ من المال يصرفه على أسرته. وعند رجوعه في المساء إلى المنزل، يتوقّع أن يحصل على قدرٍ كاف من الراحة والهدوء، ليديم عمله في اليوم التالي، فإذا ما كنتِ -أيّتها السيّدة- عابسة الوجه، غاضبة، غير متبسّمة، تشكين إليه هذه وتلك، فسوف يزداد تعباً مضافاً إلى تعبه الذي جاء به إلى البيت.

وأنتَ أيّها الرجل، إذا ما رأيتَ زوجتك على حال كهذه، تبسّم في وجهها على الرغم من مشاكلك وتعبك وعنائك، فمثلما لا تحبّ أن تراها عابسة الوجه، فهي الأخرى تكره أن تراك غير باسم، فما تحبّه من غيرك عليك أن تعمل به أوّلاً حتّى تحصل عليه، فإن فعلت ذلك ملأت البركة دارك، وأصابتك رحمةٌ من الله واسعة، وغشيتك الرأفة الإلهيّة في الدنيا والآخرة، إن شاء الله تعالى.

5- النظافة والطهارة
إنّ إحدى المسائل التي أكدّ عليها الدين الإسلاميّ الحنيف هي مسألة النظافة. فالفرد المسلم يجب عليه أن يكون نظيفاً أينما حلّ، سواء في الدار أو في الشارع أو المجامع العموميّة.

وإنّ الشخص الذي يختلط بالناس ورائحة العرق تفوح منه، مضافاً إلى قميصه الذي غدت ياقته سوداء من كثرة الاستعمال، لا يمكن أن يُنظر إليه نظرة طبيعيّة، فلو تحدّث شخص إليكم وكانت أسنانه صفراء، وكانت رائحة فمه نتنة، وكان شعره شعثاً قذراً، ماذا يمكن أن تقولوا عنه؟ فقد يعدّ بعضهم نفسه ضمن دائرة حزب الله، وجواربه تزكم الأنوف، وإذا ما سألت أحدهم عن السبب، أجابك بأنّها مسائل لا ينبغي الاهتمام بها، وما دام القلب طاهراً تهون بقيّة المسائل!

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسواك مع كلّ صلاة"(4)؛ فالذي يدّعي أنّه من حزب الله، يجب عليه أن يهتمّ بمظهره أوّلاً، وأن يراعي مسائل النظافة والطهارة؛ لأنّ الباري تعالى يحبّ النظيف الطاهر، ويمقت القذر الشعث، ومن يفعل ذلك فهو من حزب الشيطان ولا علاقة له بحزب الله أبداً. والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "النظافة من الإيمان"(5).

إنّ الإسلام العظيم لا يطلب منك شراء ما غلا ثمنه من الملابس، ولكنّه يقول: عليكم بالنظافة والترتيب والنظم، فالناس تحبّ النظافة، وتتودّد إلى النظيف. إن بعض المتديّنين ينظر إلى مسألة السواك، ومسألة نظافة حذائه على أنها مسائل تافهة وصغيرة وحقيرة، ولكن الأمر غير ذلك؛ لأنّها كبيرة إذا ما أمعنت النظر فيها، وأنها تقلّل من أهميّة الفرد إذا تركت، فكيف لك أن تتحدث للآخرين ورائحة فمك نتنة؟ ألا تخجل من ذلك؟ ألا تستحي من نفسك؟

إنّ هذا الكلام الذي يتوجّه إلى الناس عامّة، يُعنى به الزوجان بشكلٍ خاصّ؛ لأنّه لو تساهَل أحدهما بمسائل النظافة هذه، فيستولّد لدى الطرف الآخر نفور كبير، وعدم القدرة على التحمّل، وما يحمله هذا الأمر من مشاكل لا تُحمد عُقباها.


(*) الأخلاق البيتية، آية الله مظاهري، الفصل الخامس (بتصرّف).
1.كنز العمّال، المتقي الهندي، ج1، ص43.
2.الأمالي، الصدوق، ص326.
3.انظر: بحار الأنوار، المجلسي، ج101، ص132.
4.الكافي، الكليني، ج3، ص22.
5.بحار الأنوار، (م.س)، ج59، ص291.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع