مناسبة: حكاية شهادة قضايا فكرية: الثورات الملوّنة تقرير: مستشفى "الشفاء التخصُّصيّ" لاصق طبّيّ "ثوريّ" عربات الأطفال أكثر عرضة للهواء الملوّث رغم العقوبات الجائرة.. صناعات إيران تنمو 10% أخلاقنا: بيوتٌ تحيا فيها المحبّــة(2)(*) بطّة الاستحمام.. خطر يهدّد الأطفال التخزين على الزجاج.. تقنيّة مذهلة من مايكروسوفت تطبيق يصحبك في "رحلة مجانيّة" إلى الأراضي المحتلّة

جعبة مقاوم‏: في لحظةٍ طال انتظارها: لن أعود أبداً

أبو حسن

 



دنا المساء الثالث داخل الشريط الحدودي ولما نصل بعد. كان أسامة بقامته المديدة وبنيته الرياضية الهادرة، لا يزال صامداً بخطواته الطويلة المعهودة... أما جعفر فقد أنهك اللهاث المتقطع طاقته شيئاً فشيئاً، وربما لم يُبقِ منها شيئاً للعودة... مضينا نقطع القعر المعشوشب مع تنهد الربيع تعزلنا عن العالم تلال متلاحقة، وبدت أمامنا، في البعيد، تلة متشامخة شق وسطها اليهود طريقاً يبتعد بهم عن عبوات المقاومين.

استرحنا للصلاة تحت أشجار الليمون المزهرة، وضعت الحقيبة تحت رأسي وتمددت والبندقية بين يدي، توضأ أسامة ثم جعفر وجاء دوري، ووسط ذاك السكون الموصول كانت زيزان الليل تنق ثم تغفو، فكنا نشعر أن كلمات الصلاة تبقى معلقة في الهواء قبل أن تصل إلى مسامعنا... ولاحظت أسامة يغرق في سجود طويل قبل أن نعاود السير على أنغام صوت الشجر المتحرك مع النسائم المتأرجحة. غدا الحذاء جزءاً من جسدي وتصاعدت من ملابسي رائحة التعب، وعندما قاربنا تلك التلة المشرئبة راح العرق ينحدر من شعري إلى جبيني وعيني ويسيل من وجنتي إلى فمي: هلا ارتحنا لبعض الوقت. أنزلت العبوة عن ظهري وأنا أردد في قرارة نفسي على كل حال سوف تكونين من حظ أحد المجرمين، ولو أن ثقلك مضجر إلا أنك لست سيئة، سأحملك إلى حيث تنتظرين صهيونياً أشعث الوجه لتستقبليه فتاتاً نثيراً وجلست على صخرة على هيئة مقعد صغير، وقد تناثرت حولنا أشجار البلوط الصغيرة والمتشابهة.

بعد قليل رحنا نغذ السير، تنغرز في التراب أقدامنا تحت وطأة الثقل وتلامس رؤوسنا أغاصين البلوط، ومشينا محدودبي الظهور في تلك التلة الصعبة، وأحسست، مع كل خطوة بالعبوة تزداد وزناً. كان الوقت يمر بطيئاً والثواني يعدها اللهاث، وتعثرنا وسط الظلام، مرات ومرات إلا أننا تابعنا السير. مشينا ساعة حتى تكشفت الأحراش وتباعدت الأشجار متناثرة بين الصخور، وسال نور القمر على تلك الفسحة فبدت بيدر قمح في غسق فجر صامت، توقفنا قليلاً فحدقت في الأشجار التي بدت تتحرك تحت النور، ثم تقدم أسامة، فهمست في أذن جعفر: انتظر حتى يقطع المسافة الجرداء.

مضى أسامة دون أن يتوقف، تقدم خطوات وئيدة_ معدودة... واخترقت ناموس الصمت الثقيل زخة رصاص عنيفة الأصداء، وقعنا في كمين انتشر جنوده بين الأشجار المحيطة بالفسحة على بعد أمتار عدة، فكان وابل الرصاص الموصول يحصد الأشجار والصخور والهواء... فهرعت تحت وابل الموت وأنا أطلق النار يمنة ويسرة حيث لاحت شرارات بنادقهم وجثوت خلف صخرة صغيرة، ورأيت أسامة يطلق النار في كل اتجاه متمدداً خلف كثيب صغير وجعفر من خلف شجرة بلوط... صرخت: أسامة... انسحب سنحاول أن نغطيك! هيا بسرعة. لن أنسحب... ومن بين لعلعة الرصاص سمعته يزأر: إنها اللحظة التي انتظرتها طوال عمري... إلى أين أنسحب؟ أطلقت زخة رصاص وصرخت ثانية: انسحب هيا... هيا... انسحبوا أنتم أنا أغطيكم هيا... أنا لن أذهب... لن أعود أبداً.

صرخ جعفر بصوت لا يكاد يسمع وسط الاشتباك العنيف: أسامة... هيا... لن نستطيع البقاء، ستنفد الذخيرة. يا زهراء... ومضى يصليهم بنار رشاشه. كان الرصاص لا يزال يمطرنا من كل مكان لا يتوقف لحظة، لم يكونوا أقل من ثلاثين جندياً، ورحت أبدل المشط تلو الآخر، حتى وضعت آخر ما لدي، ورميت قنبلة يدوية تبع انفجارها المدوي صوت صراخ واستغاثات العدو، وصرخت: أسامة... هيا! يا أسامة ينبغي أن نعود... هيا... لن نستطيع الاستمرار لم يعد لدي ذخيرة. هيا يا أسامة. ولم أعد أراه وسط الغبار الكثيف، إذ كان الجنود قد ركزوا نيرانهم على البقعة التي كان فيها، إلا أنني سمعت صوته: لن أعود أبداً... انتظرت هذه اللحظة طويلاً... لن أعود أبداً. وظل رشاشه يهدر. وصرخت تحت أزيز الرصاص بجعفر: لننسحب، لم يبق معي رصاص. ومضينا نهرول ونتطلع بين الفينة والأخرى إلى الوراء حيث كان أسامة يغيب تحت نور القمر، فنتعثر بالأرض المنحدرة والصخور والأشجار، وكان صوته يعلو كل الصخب يتردد في أذني: لن أعود أبداً...
 


(1) وئيدة: مندسَّة في التراب‏

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع