مناسبة: حكاية شهادة قضايا فكرية: الثورات الملوّنة تقرير: مستشفى "الشفاء التخصُّصيّ" لاصق طبّيّ "ثوريّ" عربات الأطفال أكثر عرضة للهواء الملوّث رغم العقوبات الجائرة.. صناعات إيران تنمو 10% أخلاقنا: بيوتٌ تحيا فيها المحبّــة(2)(*) بطّة الاستحمام.. خطر يهدّد الأطفال التخزين على الزجاج.. تقنيّة مذهلة من مايكروسوفت تطبيق يصحبك في "رحلة مجانيّة" إلى الأراضي المحتلّة

قراءة في كتاب: الإمام جعفر الصادق عليه السلام في محنة التاريخ

إعداد: محمود دبوق‏



الكاتب: عايدة عبد المنعم طالب.
الناشر: دار الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله - دار المحجّة البيضاء.
"حدَّثني جعفر بن محمد" عبارة رددها آلاف العلماء الذين تخرَّجوا من جامعة الإمام الصادق عليه السلام في مجالات العلوم المختلفة بعدما زحفوا إليه جماعات ووحداناً واقبلوا عليه وفوداً من كل الأمصار ليقفوا تحت منبره وليتلقفوا من بحور علمه وليستفيضوا من نور مدرسته وهو الذي بزغ في قلب التاريخ مناراً للهداية ومنطلقاً لثورة الفكر والمعرفة وأضحى محطاً لأنظار علماء الغرب والشرق على السواء بما حقّقه من خدمات جليلة لتقدم مسيرة العلم والمعرفة والتي يشتمل هذا الكتاب على ذكر تفاصيلها ضمن الحديث عن سيرة الإمام الصادق عليه السلام لتكون في متناول العلماء والعامة كما تعبِّر كاتبة الكتاب.


* الولادة والنسب الشريف:
جدّه الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، وأبوه هو الإمام محمد الباقر عليه السلام والأم هي أمُّ فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، ومرضعته هي فاطمة بنت عبد اللَّه بن إبراهيم، أما ولادته فقد اختلف فيها ومن المشهور أنها في 17 ربيع الأول في نفس تاريخ ولادة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وكانت في سنة 83 هجرية في عام الجحاف (عام أتى سيلٌ بمكّة فغرقت بيوتها وبلغ السيل الركن فسمِّي بعام الجحاف). أما شهادته فكان له من العمر 65 عاماً وقد أقام مع جدّه خمسة عشر عاماً ومع أبيه بعد جدّه تسعة عشر عاماً، ومن هنا تنطلق الكاتبة في الفصل الثاني بعد الأول، ليأتي الحديث إلى ذكر زوجاته، أما أولاده فهم عشرة وقيل أحد عشر، 7 ذكور و4 إناث وكان له من الموالي عشرة، ثم يأتي هذا الفصل على ذكر ملامح الإمام عليه السلام فيقال إنه كان: "ربع القامة (متوسط الطول) أزهر اللون، حالك الشعر، جعد، أشم الأنف، أنزع، رقيق البشرة، على خدّه خال أسود، وعلى جسده خيلان حمرة، وذكر به بعضهم أن لونه عليه السلام أسمر وقيل أبيض". ثم ينتهي الفصل بالحديث عن سبب تسميته بجعفر وعلّة تختُّمه ونقش خاتمه.

* مدرسة الإمام الصادق عليه السلام:
يتأكد للقارئ من خلال الشروع في الباب الثاني، مدى السهولة العملية في تناول مطالب هذا الكتاب وعمق معناها، وقد تفرّعت عنه أربعة فصول تمّ فيها تناول علوم الإمام الصادق عليه السلام وتنوعّها والنبع المحمّدي العلوي الذي كان مصدرها وينبوعها، علاوة على أن الأئمة المعصومين عليهم السلام كانوا محدَّثين كما يقول الإمام الكاظم عليه السلام: "وهو قذفٌ في القلوب ونقرٌ في الأسماع وهو أفضل علمنا ولا نبيٌّ بعد نبيّنا"، ويتضمّن الفصل الأول بعضاً من الإضاءات على علم الإمام ومنها: علم الفلسفة والكلام والطب والكيمياء واللغات حيث يقول عليه السلام: "إني أتكلم على سبعين وجهاً، لي من كلّها مخرج". إضافة لعلم الجفر والرؤيا وعلم النبات وعلوم اللغة والفقه والحديث، كما ذكرت الكاتبة أسماء عددٍ من العلماء الذين تتلمذوا على يد الإمام الصادق عليه السلام وكلٌّ قد أعطاه في اختصاصٍ معيّن ومنهم:

1- جابر بن حيّان في الكيمياء.
2- أبان بن تغلب، وزرارة بن أعين في الفقه.
3- مؤمن الطاق والمفضل بن عمر، في الكلام وعلم التوحيد.
4- هشام بن الحكم، في العقائد والإمامة.
5- حمزة بن الطيّار في الاستطاعة والفقه والكلام.
6- حمران بن أعين، في علوم القرآن.

وهكذا ما بين الفصلين الثاني والثالث يفضي بنا الكلام إلى الحديث عن مدرستي الإمامين الباقر والصادق عليه السلام والترابط بينهما، ثم يأتي الحديث عن مشكلة تدوين الأحاديث الشريفة والتي مرّت في مراحل صعبة من إحراق أحاديث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ليبرز بعدها دور الإمام الصادق عليه السلام في إعادة الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة إلى ربيعها وحقيقتها بعد محاولات طمسها بشعارات وحجج غير مقبولة نهائياً. أما الفصل الرابع فعرض لحرّية البحث العلمي والذي أعطاه الإمام الصادق عليه السلام بُعداً مختلفاً، إلى تصدّيه للانحرافات العقائدية خصوصاً ومنها المجبّرة والمفوّضة، والتصدي لمفسري القرآن بالرأي والعمل بالقياس إضافة للردّ على الوضّاعين، والغلاة، فيقول الصادق عليه السلام عن آبائه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: "لا ترفعوني فوق حقّي، فإنَّ اللَّه تعالى اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً" والردّ أيضاً على القول بقدم القرآن وحدوثه، وموقف أهل البيت عليهم السلام من محنة خلق القرآن.

* رعاية الإمام للأمة:
إن الدور الأساسي للإمام المعصوم، هو هداية البشرية، وهذا هو ما أطلَّ عليه الباب الثالث من الكتاب في فصله الأول، وعلى عادة الأئمة المعصومين عليهم صلوات اللّه، وبالرغم من قيام المنصور بوضع الإمام الصادق عليه السلام في الإقامة الجبرية إلا أنه عليه السلام كان يظهر شفافيته وحبّه لشيعته بوجه أو بآخر، وحتّى أثناء تهجيره من المدينة إلى الكوفة إلا أنّ الناس هناك قد تهافتت نحوه، فأرجعه المنصور إلى المدينة، وقد عبر الإمام الكاظم عليه السلام عن علاقة الأمّة والموالين بالأئمة عليهم السلام من خلال قوله لهارون الرشيد "أنت إمام الأجساد وأنا إمام القلوب". وفي اشتداد حمّى الظلم في العصر الأموي وأوائل الحكم العباسي اضطَّر الإمام الصادق عليه السلام لإكمال مسيرته بالخفاء، فبيَّن وأرسى معالم التقيّة التي لا تعني أبداً ما نعت به الشيعة بالباطنية، فكان للتقيّة حدوداً بما لا يسمح للمشتبهين أو محبّي الدنيا عن الاعتذار والتبجّح بعدم الالتحاق بركب الجهاد ونصرة الدين وهكذا كان الإمام عليه السلام يبني إرادة الأمّة لرفض الظلم والجهاد لإقامة الدين، كان يؤسّس للجهاد ضد أعداء الإسلام عند أول فرصة ملائمة. وأما رعايته عليه السلام لأصحابه: فقد رعاهم، كما يرعى الأب المسؤول ولده، في كل جوانب الحياة الاجتماعية والروحية والمالية والعاطفية وكان له أساليبه في تربيته لشيعته.

* وسائل الإمام التربوية
في الفصل الثاني تتوسع الكاتبة في وسائل الإمام التربوية ومنها، الوصايا والرسائل والحكم والكلمات القصار إضافة للدعاء، الذي لا يعني فيما يعنيه من أمور الحياة مثلاً أن يقعد الرجل في بيته دون سعي للمعاش ثم يقول "يا رب ارزقني فيقول له: ألم آمرك بالطلب"؟! كما جاء في كلام للإمام عليه السلام يحذر فيه أهل الإيمان من بعض المسائل في فهمهم الخاطئ أحياناً للدعاء. وأما الفصل الثالث فتتحدث فيه الكاتبة عن مكانة الشعر حيث لم يشأ الإمام الصادق عليه السلام الإخلال بهذه الطاقات والمواهب الشعرية أن تُهدر، بل حوّل مجراها إلى شعر ملحمي حسيني، مما تستفيد منه الأمّة الإسلامية وخصوصاً الشيعة على مدى التاريخ، ومما نُسب للإمام عليه السلام من الشعر:
 

لو كان حبكّ صادقاً لأطعته‏

تعصي الإله وأنت تظهر حبّه‏

إنَّ المحبَّ لمن يحب مطيعُ

هذا لعمري في الفعال بديعُ‏



* الموقع القيادي والدور السياسي للإمام عليه السلام:
بحكمة الإمام المعصوم ينطلق الإمام الصادق عليه السلام في دوره القيادي للأمّة، وتظهر الكاتبة في الفصل الأول من الباب الرابع والأخير للكتاب، الميزة التي ساهمت في نجاح دور هذا الإمام العظيم، الدعوة الصامتة، واتجه الإمام عليه السلام نحو الأمة فوحَّد صفوفها، والكتلة الشيعية خصوصاً، وقال عليه السلام: "المؤمن أخو المؤمن، عينه ودليله لا يخونه، ولا يظلمه، ولا يغشّه، ولا يعده عدة فيخلفه". ثم تأخذنا الكاتبة إلى الأخلاقية القيادية للإمام عليه السلام وفيها عفوه وصفحه، وكرمه، وعمله، وسيرته مع ضيوفه. ثم تنتقل إلى أساليب اتصاله بالقواعد الشيعية، عبر الرسائل والوصايا ثم تتحدث عن إجازته لبعض مقرّبيه في البقاء مع أجهزة السلطة وأدوارهم كعلي بن يقطين وهو كمؤمن من آل فرعون، وغيره، ثم إلى الفصل الثاني لتستعرض الكاتبة حياة الإمام الصادق عليه السلام وحكام عصره من حكام الجور والتسلّط والبغي من بني أميّة إلى بني العبّاس وفي استعراض سيرتهم ما يدمي القلب ويحزن المرء لتسلّم مثل هؤلاء المنحرفين لمقاليد الحكم والدولة الإسلاميَّة فيما يحرم المسلمون من أرقى نماذج القيادة حكماً وحكمة ومعرفة وهداية نحو اللَّه عزَّ وجلَّ وهم محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله، وبهذا تذهب الكاتبة لتبيان موقف الإمام عليه السلام من الحكام وكيف عمل هؤلاء بوسائل شتى لإبعاد الناس عنه صلوات اللَّه عليه.

* الإمام والقتال لإسقاط حكّام عصره:
انطلاقاً من كون المذهب الشيعي هو حركة نضالية، فقد كان الإمام يؤيد الحركات الثورية المخلصة، لكنه أبقى ذلك أمراً سرّياً ليتبناها غيره، لكنه يؤيدها ويحث عليها ولم يكن يرضى بأن تنسب إليه كي لا يكون انهيار الثورة محسوباً على خط الإمام، وقد مجَّد عليه السلام ثورة زيد بن علي، لأنها كانت ثورة إصلاحية وبكاه الإمام عند مقتله وقال: "أما الباكي على زيد فمعه في الجنّة، وأمّا الشامت فشريكٌ في دمه". وبهذا تصل الكاتبة إلى الفصل الثالث والأخير من الكتاب، لتتحدَّث عن رؤيته عليه السلام في القتال لإسقاط بني العباس وبني أمية وموقفه سلام اللَّه عليه من الحركات غير الشيعية المعارضة "كالحرورية" وهم طائفةٌ من الخوارج فقال عليه السلام: "كما ورد في الكتاب": إن خرجوا على إمام عادل أو جماعة فقاتلوهم وإن خرجوا على إمامٍ جائرٍ فلا تقاتلوهم، فإنَّ لهم في ذلك مقالاً، وكان كما أخبر عليه السلام فإنهم استبسلوا في قتال بني أميّة، واجتمع معهم خلق كثير حتى روي أن أنصارهم كانوا 120 ألف مقاتل. ثم ينتهي الفصل بالحديث عن موقفه عليه السلام عند حمل بني الحسن وموقفه بعد شهادتهم في ذلك وفي ثورات أخرى تفاصيل كثيرة تجدر مطالعتها. الكتاب يقع في 437 صفحة، ويستحق الجهد والمطالعة لمن أراد أن تشمل قراءته حياة الإمام الصادق عليه السلام بما توفّر منها، وهي ليست بالقليل في هذا الكتاب.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع