الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟ أوّل الكلام: بدرُ سامرّاء مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد

اعرف عدوك‏: أميركا الإسرائيلية أم إسرائيل الأميركية؟!

حسن زعرور

 



تقول نكتة إسرائيلية أنه "عندما تصاب أميركا بالزكام تعطس إسرائيل"، وتلك نكتة تُظهر جانباً من أوجه العلاقات الأميركية مع دولة العدو، علاقات عميقة، متشعبة، قوية، وذات أبعاد، يصعب فصلها أو تغييرها، أيّاً يكن موقف الآخرين منها، ومن يراهن على عكس ذلك عليه أن لا يخدع نفسه وشعبه، وأن يعيد حساباته من جديد.

* الوهم واللاوهم‏
يقول الكاتب الأميركي إدوار تيفنان "إن قلة من السياسيين الأميركيين يمكنهم أن يحلموا بالوصول إلى مراكز عليا من دون التطلع إلى المال اليهودي". هذا هو جوهر العلاقات الأميركية الإسرائيلية، شبكة من المصالح المشتركة بين الدولتين وقيادتيهما، ترابط يفرض نفسه بقوة على حركة الطرفين، بحيث أنه "كائناً من كان رئيس الولايات المتحدة الأميركية، فسوف يكون مؤيداً لإسرائيل"(1)، كما يقول الكاتب "ناتان غوتمان" دون مواربة، لأن الرئيس الأميركي يخضع لاحتساب أرباحه كفرد وليس لعواطفه، ولمصالح حزبه الذي أوصله للرئاسة أكان جمهورياً أم ديمقراطياً، ولمجموعة الشركات والمؤسسات (مالية، صناعية، تجارية) التي تدعم الحزب مالياً، ولقوى النفوذ المالي والسياسي والعسكري المهيمنة على الدولة. هذه القوى مجتمعة ترتبط بشكل أو بآخر بالمال اليهودي وبالتالي بإسرائيل، وأي قرار سياسي عليه أن يخضع تلقائياً لحركة هذه القوى ومصالحها وبالتالي للمصلحة المشتركة مع دولة العدو، يدل على ذلك "مبدأ جونسون" الذي يعتبر "أن الإبقاء على إسرائيل قوية يحفظ الاستقرار في الشرق الأوسط" أي استقرار المصالح المشتركة، وقول كلينتون "إن إسرائيل صديق قوي وحليف يمكن الاعتماد عليه" لحماية هذه المصالح، وكلام وزير الخارجية الأميركي الأسبق جورج شولتز من أن "إسرائيل مهمة لنا في السعي وراء الحرية والديمقراطية كشعب يشاركنا مثلنا وحليف إستراتيجي لنا"(2)، وتأكيد آل غور "أن إسرائيل أفضل أصدقائنا وأقوى حلفائنا في العالم". هذه الثوابت الأميركية تؤكد وكما يقول الرئيس الأميركي ريغان "أن إسرائيل وحدها هي الركيزة الإستراتيجية التي تعتمد عليها أميركا" وهي ركيزة تتحكم بمسار السياسة الأميركية التي تنطلق من خلالها وليس العكس، ويؤكد رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي توماس مور أنه "لم يرَ رئيساً أميركياً حتى الآن يستطيع أن يقف بوجه الإسرائيليين"(3)، وفي هذا دلالة على عمق وقوة سيطرة المصالح هذه. ربّ قائل أن الرئيس الأميركي ايزنهاور أجبر إسرائيل على الانسحاب من سيناء عام 1956 والأمر صحيح، يومها كانت دولة العدو متحالفة مع فرنسا وبريطانيا ومصالحهما في الشرق الأوسط، وكانت تعمل مع الروس سرّاً لتزويدها بالأسلحة التشيكية والمهاجرين اليهود(*).

* الاحتيال اليهودي‏
قدمت أميركا لدولة العدو حتى اليوم ما مجموعه 100 مليار دولار، ومبلغاً موازياً له على شكل أسلحة وهبات وقروض غير مستعادة وتبرعات وإعفاءات ضريبية على السلع الإسرائيلية... الخ. إن قسماً من الشعب الأميركي متعاطف مع إسرائيل، ولكن العاطفة وحدها لا تصنع المعجزات، وبالتالي قبول المجتمع الأميركي ككل حرمانه من هذه الأموال وإعطاءها لإسرائيل ما كان ليكون لولا فهم القيمين على هذا المجتمع وثقتهم أن ما يقدمونه لها إنما هو فائدة مقنّعة عن حماية مصالحهم وانتشارها ودور المال اليهودي فيها. إن الخوف من إسرائيل دفع بعالمنا العربي كله إلى أحضان أميركا إتقاءاً لشرها، وبات السوق العربي بكل أشكاله خاضعاً لحركة الشركات الأميركية ومصالحها المتسعة، وعليه فلو لم يكن هناك إسرائيل لإرهاب العرب لما بلغ حجم التعامل الاقتصادي العربي الأميركي هذا المستوى في ظلّ قرب السوق الأوروبية المشتركة منه. ثم أن إسرائيل قامت بإعداد برنامج مساعد لأهدافها والمصلحة الأميركية تحت اسم "برنامج استقطاب وتجنيد القادة في العالم" وعملت به مستخدمة المال اليهودي في استقطاب العديد من الجشعين الطامحين والمتعطشين للمال والسلطة في بلادهم بأي ثمن، من تجار ومحامين ومصرفيين ومهندسين ومدراء بنوك وشركات وإداريين في الدولة ومسؤولين حزبيين كلاً في مجاله، وتم إيصال هؤلاء بالمال والوقت إلى مراكز قرار مفصلي فاعل في بلدانهم من دون إظهار عمالتهم يوماً من الأيام، إذ أن الهدف الموضوع لهم هو وأد العداء لإسرائيل في بلدانهم وتحريفه عن طريق خلق مشاكل بديلة لشعوبهم، والتقارب مع المصالح الأميركية. إن انعدام حوافز المواجهة مع إسرائيل في بلداننا العربية والتهاء شعوبها بمشاكلها الخاصة المستحدثة لها واتساع السيطرة الأميركية يعود فضله لهؤلاء المتعاملين إن في الأقطار العربية أو في بقية أنحاء العالم(**).

* المصالح الأمنية
يعتبر الباب الأمني أكثر الأبواب فائدة لكيان العدو، ومن خلاله استطاعت إسرائيل التغلغل والسيطرة على "توجيه القرار السياسي" في معظم بلدان العالم بما في ذلك عدداً من الدول العربية. إن التنسيق المعلوماتي وتبادل الخبرات الأمنية تحت حجة مواجهة الإرهاب يسمح للإسرائيليين بالتغلغل داخل القيادات وتعريضها لإغراءات شتى (مالية نفعية) وبناء مصالح مشتركة معها يمنعها لاحقاً من إتخاذ أي قرار يؤدي لمواجهة ما مع الإسرائيليين حفاظاً على مصالحهم الأمنية والشخصية. إن معرفة قادة العالم برعاية إسرائيل للإرهاب الدولي لا يقدم أو يؤخر بسبب ارتباط المصالح معها، وقد بات مؤكداً أن إسرائيل وعن طريق عملاء لها تقدم الأسلحة والمتفجرات للإرهابيين الدوليين بهدف دفع البلدان المستهدفة لإقامة علاقة معها "كان الإرهاب وسيظل سلاحنا الفعال، ومع ذلك لا يمكن لنا الاعتراف به وسوف ننكر أي صلة لنا به وغايتنا شق صفوف أعدائنا وتخويفهم وزرع الكراهية"(4).

هذا الدخول الأمني الواسع النطاق للمخابرات الإسرائيلية في الدول العربية أو الغربية جعل من إسرائيل "دجاجة تبيض ذهباً" للأميركيين نظراً لحجم وكم المعلومات التي يقدمها لهم الإسرائيليون عن تلك الدول، وهو ما يفسر سبب سكوت الولايات المتحدة الأميركية عن اكتشاف ما لا يقل عن 120 شبكة تجسس إسرائيلية تعمل في أميركا، وتغاضيها عن "قيام الإسرائيليين بقتل 34 بحاراً أميركياً على متن السفينة الأميركية ليبرتي"(5)، وقيام منظمة "لكام" الإسرائيلية من مقرها بنيويورك بسرقة آلاف الوثائق الأميركية السرية وبينها أسرار طائرة الرادار "ايواكس" والتي صنعت إسرائيل شبيهة لها من تلك الوثائق، وسرقة 1200 خارطة من فرنسا تعود لطائرة ميراج 3 وصنعت إسرائيل نسخة عنها هي طائرة "الكفير" وزوارق شيربورغ الفرنسية وآلاف الوثائق السرية من دول أخرى(6). إن معظم الأسلحة الإسرائيلية هي نسخ مطورة مسروقة عن صناعة الدول الغربية للسلاح ومع ذلك رضخت تلك الدول نظراً لتداخل الخدمات والمصالح مع إسرائيل، حتى أن طوني بلير رئيس الوزراء البريطاني سمح للإسرائيليين وبموافقة ال ام إي 5 (المخابرات البريطانية) بإقامة مركز لمخابراتهم في مطار هيثرو مؤخراً تحت اسم "إسرائيل الصغرى" كما أن هولندا سمحت بإقامة مركز مماثل يدعى "شيبول" في مطارها الدولي رغم معرفتها بقيام الإسرائيليين بسرقة كميات كبيرة من جوازات السفر الهولندية لاستعمالها في عمليات الموساد.

ثم إن علماء يهوداً من أصل روسي طوروا لصالح الولايات المتحدة غازات سامة منها "طابون" و"سارين" و"سومان" (استعمل في محاولة اغتيال خالد المشعل في الأردن) لأن أميركا لا تستطيع انتاج مثل هذا الغاز في بلادها مخافة افتضاح أمرها. وأميركا على معرفة تامة بأن عمليات تطوير هذه الغازات السامة تتم من خلال التجارب التي يقوم بها الإسرائيليون على هذا الغاز عن طريق حقن المقاومين الفلسطينيين به ممن يؤسرون خلال العمليات لصعوبة تتبع أثرهم من ذويهم أو قيادتهم. وفي عام 1992 سقطت طائرة "العال" وعلى متنها 114 طناً من صواريخ "سايد وندر" الأميركية واثنا عشر برميلاً من مادة "دي ام ام بي" أحد مكونات غاز السارين (لا طعم ولا لون ولا رائحة له) وكانت تُنقل من شركة "سولكاترونيك" لإنتاج المواد الكيماوية في نيوجرسي (أميركا) إلى معهد الأبحاث البيولوجية قرب تل أبيب.

* التنسيق المالي المشترك‏
"نحن لا نعطي سوريا ثلاثة مليارات دولار من أموالنا بل نعطيه لإسرائيل، وعليه نحن مسؤولون عن القتل والاضطهاد والتمييز العنصري الموجود في الأراضي المحتلة باسم إسرائيل"(7). هذه المثاليات الفردية لا تحجب الحقيقة البينة عن تطابق مسلكي تام أميركي إسرائيلي في الحفاظ على مصالحهما المشتركة بتخطيط وتنفيذ مشترك. إن إشاعة الفوضى في الدول والمديونية العامة والاستدانة )صندوق النقد العالمي البنك الدولي( والثورات وقلب الأنظمة وفساد القادة وشراء الضمائر عمل مشترك بين المصالح الأميركية والمال اليهودي، وهو ما أظهرته الفضيحة الروسية عام 1995 "كنا نريد إعادة انتخاب يلتسين التابع لنا ولم يكن يهمنا إذا كان انتخابه ذاك فاسداً أم لا"(8) لتحسين مواقع الاستثمارات والعائدات في معظم الدول وبالتالي اتساع المصالح الأميركية والعائدات المالية اليهودية. واللعبة بين الطرفين متفق عليها حتى أصغر الخطوات ونرى كيف تتصلب إسرائيل في المواقف تارة فتنحني أميركا بحجة عدم قدرتها على الضغط أو تتصلب أميركا فتنحني إسرائيل، وفي كلتا الحالتين لا تقوم أميركا أو إسرائيل بأي تنازل، ونتنازل نحن دائماً أمام المطلب الأميركي بحجة تخفيف التصلب الإسرائيلي معتقدين عن جهل أن حاجة مصالح أميركا لأسواقنا تُلزمها بتبني قضايانا المحقة، أي قضايا؟ إنما نحن سوق استهلاكي لبيع البضائع والمثاليات الأميركية، يديره يهودي حذق، والفضل للمدير الذكي وليس للسوق، إذ لولا ذكاء المدير لما كان للسوق وجود ولما كانت "إسريكا"!


(1) صحيفة هآرتس، عدد 2004 - 8 - 2.
(2) بول فندلي، الخداع، ص‏259.
(3) المصدر السابق، ص‏127.
(4) جاك تايلور، أوراق الموساد، ص‏71.
(5) ستيفن غرين، مساومات مع الشيطان، ص‏21.
(6) غوردن طوماس، انحطاط الموساد، ص‏147.
(7) مايكل موور، رجال بيض أغبياء، ص‏208.
(8) غريغ بالاست، أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها، ص‏156.
(*) مراجعة مذكرات بن غوريون حول الموضوع.
(**) العمالة العربية بتوسع في كتاب "أوراق الموساد المفقودة" تأليف جاك تايلور ترجمة إلياس توفيق صادر عن دار الأستاذ نادر للترجمة والنشر، مدينة أوكسفورد، المملكة المتحدة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع