الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

قصة العدد: بكاء الشجر..

نسرين إدريس

 



وأزاحت نخلات العراق تشابك الزمن من تحت كتفيها في ذلك الليل البهيم. كم كانت عينُ القمر ساحرة في الليلة الأولى لدخوله العراق بعد نفي دام ضعفي عمره المرير، والآن ها قد عاد يحمل حقيبة ثيابه وأوراقاً تضم بقايا ذكريات.عَبَرَ الطرقات الضيقة كدهاليز السجون المظلمة إلى بيتٍ يغفو على حافة نهر الفرات تسكنه بوم الوحشة.. دخله من بابه المشرّع للريح، ورنّت أصداءُ ضحكات ساكنيه الذين غادروه. جال ببصره على الحطام، على الجدران الطينية المتعبة؛ "كم أنبتَ الهجرُ من أعشاب الغربة!" همس للصمت، ودون أن يزيل التراب عن الأرض جلس عليها كأنه يريد في لحظة أن يستحيل تراب المكان.. لم يعرف كم مّر من الوقت عليه وهو يحدقُ بالفراغ، ولكنه انتبه إلى وشاح القمر المتسلل من بين سعف النخيل، فأزاح عن نفسه رداء الضياع وخرج إلى الفلاة ليتوضأ من نور القمر وليصلي صلاة العاشقين.. كانت مياه النهر باردة، والليلُ خاط انتصاف ساعته، اقترب من الضفة ورمى بنفسه في المياه ليُطهر روحه من عذابات البُعد، وليسقي عطشه للحياة .. "هنا العراق" صرخ لليل وصفقت الشجيرات بأغصانها.. "هنا العراق" واختنقَ النهرُ بدمعةٍ مُرة، والعراقُ غابات من نخيلٍ عاقر وأدت تحت جذورها أجنّة الأحلام والآمال، وغابَ عنها الغدُ في قارب النسيان، واستسلمتْ لليأس قبل حينه..

قدماه الحافيتان تخطّان على اليباس الطين، وهو يسير على غير هدى، سوى أن القمر مده بأرجوحةٍ أوصلته إلى أطراف بلدة أهلها نيام. "ألا يزالون نيام" همس بسره! "خمسة وعشرون عامًا ولا يزالون نيام"!.. اقترب من نوافذهم، هي نفسها تلك الستائر القاتمة تغطي غرفهم، لم يفتحوها يومًا للشمس، منذ خمسة وعشرين عامًا عندما اجتاح الجيش العراقي بأمر مباشر من صدام حسين قريته ليبيد أهلها عن بكرة أبيهم، كان هو واحداً من عشرة بقوا، أخذه أبوه في قارب الليل ورماه للنهر، قال له: "مياه النهر يا ولدي ستحميك من زماننا العقيم"، وحمله النهر من ضفة لأخرى، ومن قارب لسفينة، ومن وجه لآخر، حتى صارت العراق بعيدة جدًا عنه بعد أن كانت بين الجفنين.. أموات قريته لن يعودوا، لكنه يتذكر كل فرد منهم، يحفظ تقاسيم وجوههم العنيدة، يشعر بهم يحيطون به في كل مكان يرددون وجراحهم تنزف: "يا علي.. يا علي.."، ويعيشُ في صدره صوت ناي حزين كان والده يتنفسُ في جوفه آلام الأمة المقهورة. طرقَ على نافذة أحد البيوت، لم يسمعه أحد.. أعاد الكرة، صرخ بهم: "رحل الطاغيةُ قوموا واغسلوا وجوهكم من وحول الخوف".. لكن الستائر بقيت مسدلة، ربما حاكت العناكب بيوتها عليها، فعاد ليتركها نائمة.. خمسة وعشرون عامًا من الغربة، وها هو في العراق.. تناهى إلى سمعه أذان الفجر ففتح عينيه من هلوسات غربته ليجد نفسه مرميًا على أرض بقايا منزله، تفقد ثيابه الناشفة من حُلمٍ حمله إلى الفرات وإلى القرية المجاورة، ثم قام ليتوضأ ويُصلي صلاة الصبحِ..

بقيتْ ثيابه في الحقيبة، وبحثَ بين حطام السنين عن مسامير ليصلح باب الدار، ثم كنس الأرض بسعف نخلة يابسة، هكذا كانت تفعل أمه التي رآها من بعيد وهي تسقط بالرصاص فوق جثة والده، وبين غبار الزمن المتطاير وفد عصفور إلى داخل البيتِ، ورآه وهو يختار زاوية ليبني عليها عشه.. كانت لحظات من حنين إلى الركون في حضن أمه ليغفو مرة واحدة، تلك التي جعلته يتقلب بين الجدران باكيًا بأسى.. ونشر الليل جنحه على وجهه، وقفَ خارجاً وبالقرب منه حقيبته الصغيرة ليقفل الباب بسلسلة صغيرة بعد أن أوصده جيداً، "سأعود" تمتم بوعدٍ لمنزله، فيما حمل حقيبته ليلتحقَ بركب المناضلين في سبيل تحرير العراق من الاحتلال الأمريكي، وسمع وهو يعبرُ غابات النخيل بكاءَ الشجرِ الملّوحة أغصانه بالوداع، واهتزتْ الأرض وربتْ بعد عجافٍ طوال، وأنجبَ الحلمُ فتيةً آمنوا بربهم فزادهم اللَّه هدى. استدار صوبها وهدأها بأهداب عينيه وصرخ بأعلى صوته: أنا العراق!

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع