الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

أبو فراس الحمداني: شاعر في الأسر

فيصل الأشمر

 



يعتبر الشاعر أبو فراس الحمداني المولود في الموصل سنة 932م والمقتول في حمص سنة 968م خير ممثل ومصور لحالة شاعر في أسر العدو. وقد ترك لنا قصائد عديدة تصور حاله أسيراً في أيدي البيزنطيين وهي القصائد التي عُرفَت بالروميات. أما سبب سجنه فيروي التاريخ أن أبا فراس قلَّده ابن عمه سيف الدولة الحمداني ولاية منبج، وهي ثغر من ثغور المسلمين على حدود الإمبراطورية الرومانية، وفي أحد الأيام خرج أبو فراس في مجموعة من الفرسان للصيد فصادفوا ابن أخت ملك الروم مع عدد كبير من فرسانه وأراد أصحاب أبي فراس الهرب في حين أبى هو ذلك وبقي يقاتل إلى أن جُرح وأُسِر.

والشاعر في أسره يصور لنا، كما سنرى، بعضاً من الحالات النفسية التي تلمّ بالأسير المعتقل، فنراه متعلقاً بإبائه مكابراً مباهياً سجانه مفاخراً بنسبه وشجاعته أو مشتاقاً لأهله متألماً من فراقهم أو متوجعاً مستجدياً مَن يفديه من الأسر. يقول أبو فراس من قصيدته المعروفة التي مطلعها "أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبر" ذاكراً أسرَه ومفاخراً أنه لم يهرب عند لقاء العدو مفضلاً الموت على الفرار:

 

ولا فرسي مُهر ولا ربه(2) غَمرُ(3)

أُسرتُ وما صحبي بعُزْلٍ لدى الوغى(1)

فليس له بَر يقيه ولا بحرُ

ولكن إذا حُمَّ القضاء(4) على امرئٍ

فقلت : هما أمرانِ أحلاهما مرُّ

وقال أصيحابي: الفرارُ أو الردى(5) ؟

وحسبُك من أمرين خيرهما الأسرُ

ولكنني أمضي لما لا يعيبني‏


ويقول مخاطباً أميره سيف الدولة الحمداني طالباً منه مفاداته من الأسر:

 

فكن خير مدعوٍّ وأكرمَ منجدِ

دعوتك والأبواب تُرتج(6) دوننا

ومثليَ مَن يُفدى بكل مسوَّدِ(7)

فمثلك من يُدعى لكل عظيمةٍ


ولما ثقلت عليه جراحه أرسل إلى أمه أبياتاً يقول فيها:

 

وظني بأن اللَّه سوف يُديلُ(8)

مصابي جليلٌ والعزاء جميلُ‏

أرى كل شي‏ء غيرهن يزولُ

وأسرٌ أقاسيه وليلٌ نجومه‏

وفي كل دهرٍ لا يسرُّك طولُ

 تطول بيَ الساعات وهْي قصيرةٌ

إلى الخير والنُجح القريب رسولُ‏

 فيا أمتا لا تَعدمي الصبرَ إنه‏

على قدَر الصبر الجميل جزيلُ‏

ويا أمتا لا تخطئي الأجرَ، إنه‏



ويبلغ أبا فراس أن أمه ذهبت إلى سيف الدولة لتكلمه في مفاداته فردها خائبة فيقول:

 

آخرها مزعجٌ وأولها

يا حسرة ما أكاد أحملها

بات بأيدي العدى معللها(9)

عليلةٌ بالشام مفردةٌ

يا واسع الدار كيف توسعها

إلى أن يقول مخاطباً سيف الدولة:

يا ناعم الثوب كيف تُبدلُهُ؟

ونحن في صخرة نزلزلها؟

نحمل أقيادنا وننقلها

ثيابنا الصوفُ ما نبدلها


وحين يبلغه وهو في الأسر خبر موت أمه يقول:
 

بكرهٍ منك ما لقيَ الأسيرُ

أيا أم الأسير سقاك غيثٌ‏

إلى من بالفِدا يأتي البشيرُ؟

أيا أم الأسير سقاك غيثٌ‏

أتتك ودونها الأجل القصير

أيا أمتا كم بشرى بقربي‏

إذا ضاقت بما فيها الصدور؟

إلى مَن أشتكي ولمن أناجي‏

بأي ضياء وجهٍ أستنير؟

بأي دعاء داعيةٍ أُوَقَّى؟



ويطول الأسر على شاعرنا ولا رفيق ولا مؤنس له، ولا يجد غير حمامةٍ يسمعها تنوح على شجرة قرب سجنه فيخاطبها قائلاً:
 

أيا جارتا هل تشعرين بحالي؟

أقول وقد ناحت بقربي حمامةٌ

ولا خطرت منك الهموم ببالِ

معاذَ الهوى، ما ذقتِ طارقة(10) النوى(11)

ويسكت محزونٌ ويندبُ سالِ(12)؟

أيضحك مأسورٌ وتبكي طليقةٌ

ولكن دمعي في الحوادث غالِ

لقد كنتُ أولى منك بالدمع مقلةً


ويقول أبو فراس مفاخراً عقب مناظرة جرت بينه وبين الدمستق الوالي الرومي:

 

فأبصرَ صيغة(13) الليث الهُمامِ‏

تأملني الدمستق إذ رآني‏

بأني ذلك البطل المحامي‏

أتنكرني كأنك لست تدري‏

يعرّفني الحلال من الحرامِ

أما من أعجب الأشياء علجٌ(14)


وهكذا تقلبت حالات أبي فراس في سجنه الذي طال لعدة سنوات إلى أن جاء اليوم الذي خرج فيه إلى الحرية شاعراً أميراً لم تنل من عزيمته القيود .

* أخطاء شائعة
رموش العين: جرت العادة على إطلاق كلمة رموش على أشعار أجفان العين، والأصح أن يقال: أهداب، وهي الجمع لكلمة هُدْب أو الهُدُب، أما كلمة رمش فتعني في العربية الفصحى: الطاقة (أي الحزمة) من الريحان، كما ورد في المنجد في اللغة أن الرمش تأتي بمعنى الجفن. زُغلول وزَغلول: يطلق بعضهم على صغير الحمام اسم: زَغلول، في حين أن الصحيح أن يقال: الزُغلول.
 


(1) الوغى: الحرب.
(2) ربه: صاحبه.
(3) غمر: جاهل غير مجرب.
(4) حم القضاء: قُضيَ القضاء.
(5) الردى: الموت.
(6) ترتج: تغلق.
(7) مسود: شريف.
(8) يديل: يغير من حال إلى حال.
(9) معللها: مواسيها.
(10) طارقة: داهية ومصيبة.
(11) النوى: البعد.
(12) السالي: الذي زال همه.
(13) صيغة: هيئة.
(14) العلج: الكافر من العجم.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع