الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

مجتمع: معتقدات بين الناس: هل لها أساس؟

تحقيق: نبيلة حمزي


دخلنا القرن الواحد والعشرين وما زال كثير منّا يؤمن بالخرزة الزرقاء، ويتفاءل بـ"سكب القهوة" ويتشاءم من القطّ الأسود. ويطول الحديث عن قائمة الأمور التي تبعث على التفاؤل أو التشاؤم. من هنا، نبدأ حكاية المعتقدات الشعبيّة، وكيف نكسر هذا الوهم!

•أصل الحكاية
عند الحديث عن أصول هذه المعتقدات، نلاحظ انتشارها في المجتمع ككلّ. والإنسان يتعامل معها على أساس الترميز؛ لأنّ الموروثات عبارة عن رموز لمعانٍ تمثّل حدثاً ما أو موقفاً ما. وعمليّة الترميز هذه هي عمليّة قديمة، وكلّما قلّت التفسيرات العلميّة زادت احتمالات الاعتقاد الرمزيّ للأمور. والأشخاص بطبعهم يميلون إلى البحث عن قوى خارقة، ويعتقدون أنّها تأتي من الغيب.

•أحداث الحكاية
إنّ الأحداث التي تتحوّل إلى رموز في حكاية هذه المعتقدات كثيرة، وهي حاضرة بقوّة في المخزون الثقافيّ للشعوب. لذا، سنسرد أكثر المعتقدات شيوعاً:

أ- "صبيّ أو بنت": تكثر التأويلات والتفسيرات عن المرأة الحامل، ويجتهد الجميع في تحديد جنس المولود، فإذا ازدادت المرأة الحامل جمالاً فيؤوّلون ذلك بأنّها ستنجب فتاة، وأمّا إذا بدَتْ مُجهدةً ومُتعبة، فهذا يعني أنّها ستنجب صبيّاً. ومن المعتقدات أنّ المرأة الحامل إذا صادف أن وقعت على ركبتيها تلد صبيّاً، أمّا إذا وقعت على ظهرها فتلد فتاة. أمّا بعد الولادة فيسرع الأهل إلى تعليق خرزة زرقاء على صدر المولود؛ وذلك لمنع الحسد و"صيبة العين".

ويتحوّل حبوُ الطفل، الذي بات يمشي، إلى إشارةٍ إلى ضيوفٍ محتومين سيزورون العائلة.

ب- "سكب القهوة خير": تُفسّر السيّدة ف. ديب (70 عاماً) هذا المعتقَد قائلة: "اشتهرت شخصيّة رجل عند البدو الرحّالة يُدعى (خير)، بأنّه سكب القهوة على الأرض أثناء تقديمه إيّاها للضيوف. وبات كلّ من يسكبها خطأً يلقّب بـ(خير)، وشيئاً فشيئاً انتشر معنى (خير) على هذا الفعل، وانتشرت (القصّة). والمعتقد بها لا يشبه حقيقتها أبداً".

كما يرتاح الناس عندما تنكسر إحدى الأواني الزجاجيّة، فيقولون: "انكسر الشرّ". ومن يأكل من أول رغيف مخبوز يُرزق سبع بنات بعد زواجه، أمّا الذي يودّ أن يُرزق سبعة صبيان، فعليه أن يشرب أوّل كوب شاي. وبالحديث عن الكوب، فعند سكب الشراب أو الماء في كوف الضيف إلى أعلاه يسارع المُضيف مفسّراً الموقف: "قلبي طافح منك محبّة"، وليس حقداً، كما هو متعارف.

ج- للحيوانات نصيب: يتشاءم الناس من البوم، سواء شاهدوه أو سمعوه. وعند مصادفته يردّدون: "الله يكفينا شرّك". وهذا ينطبق أيضاً على الغراب؛ نتيجة قبح صوته وشكله، ويبتعد الناس أيضاً عن النظر إلى القطة السوداء؛ خوفاً من الشؤم الذي تحمله باعتقادهم.

د- أدوات في المنزل: يبرز "المقصّ"، الذي يشيع الاعتقاد بضرورة عدم فتحه، كذلك فتح الشمسيّة داخل المنزل "غير مشكور أبداً"، و"فال مش مليح". هكذا يعبّر المعتقدون بها. أمّا خياطة الثوب وهو على بدن صاحبه فهي "مخيفة" تشبيهاً بالكفن الذي يثبت على بدن الميّت، فيما يتجنّب الناس توجيه "فوهة الإبريق" تجاه شخص؛ ربطاً بالميّت الذي يُغسّل بالإبريق.

هـ- الله يبعد عنّا الموت: تُلاحق هذه المعتقدات الناس حتّى إلى الموت، على الرغم من كونه قضاءً محتوماً على كلّ إنسان. فعند مرور الجنازة أمام منزل ما، يعمد صاحبه إلى سكب الماء على العتبة كي لا "يُعتّب" الموت داره. ويسود معتقد بأنّ "الجبّانة ما بتسكّر إلّا على سبعة أشخاص"، يصرف النظر عن تحقّق الناس أو لا، لكنّه يُهيمن أحياناً على بعضهم.

كذلك، يُخشى من عينـيّ الميّت "إذا بـــقـــيتـــا مفتـوحتـــين، فهذا يــعــني أنّــه سيـأخذ معه العديد مـن الأشخاص".

•الصراع
ما بين المؤمن بهذه المعتقدات والمهووس بها، نطرح السؤال: "هل هذه المعتقدات جديرة بأن نلتفت إليها أم أنّها مجرّد أقاويل حاكتها ألسنة الناس؟".

هدى (20 عاماً) لا تؤمن بهذه المعتقدات على الرغم من حدوث الكثير منها معها، لكنّها تقول أيضاً: "هناك معتقدات لم تصب أيضاً". يخالفها محمود (30 عاماً) الرأي قائلاً: "على العكس، أنا أؤمن بهذه المعتقدات، وهي إرث عن الأجداد، ولو لم تكن حقيقة لما استمرّ ذكرها حتّى اليوم". بينما تعترض مريم (50 عاماً) وبشدّة على الإيمان بهذه المعتقدات، فهي تعتبر "أنّها مجرّد استعدادات نفسيّة لدى الشخص المؤمن بها، كما أنّ حدوثها مجرّد صدفة لا أكثر. والإيمان بالله والتوكّل عليه هما أساس كلّ اعتقاد وقناعة".

•وهم أم حقيقة؟
يؤكّد سماحة السيّد بلال وهبي أنّ التشاؤم والتفاؤل لا يعدوان كونهما أمرَين نفسيّين لا حقيقة خارجية لهما، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "الطِّيْرَة(1) على ما تجعلها، إن هوّنتها تهوّنت، وإن شدَدتها تشدّدت، وإن لم تجعلها شيئاً لم تكن شيئاً"(2). مشيراً إلى أنّه "لا بدّ من الإقرار أوّلاً أنّ للتفاؤل والتشاؤم أثراً بالغاً على النفس الإنسانيّة، وتأثيراً هامّاً جدّاً على اندفاع الإنسان في الحياة أو تراجعه، وعلى فشله أو نجاحه". وينبّه سماحته إلى أنّ "الإنسان جاهلٌ بالغيب من جهة، وباحثٌ عنه من جهة ثانية، ويتأثّر بما سيحدث له مستقبلاً من جهة ثالثة. لذلك، يعمد بعض الناس أحياناً إلى محاولة استشراف الغيب باللّجوء إلى مثل هذه الأمور. وهذا أمر نفسيّ لا أثر حقيقيّاً له في الخارج".

وفي هذا الإطار، تجيب المختصّة في علم الأنثروبولوجيا الأستاذة "زينب بصل" أنّ الوضع النفسيّ للشخص يُؤثّر في تفسيره لكلّ ما يحدث معه أثناء يومه: "فإذا كان الشخص متفائلاً سيؤدّي به الأمر تلقائيّاً إلى أن يتعامل مع الظروف بكلّ رويّة، أمّا إذا كان متشائماً فسوف يتعامل مع الأمور بطريقة من يتوقّع السيّئ، بل الأسوأ".

وتابعت: "إذا كانت الرموز معيقة للحركة والإنتاج والتواصل في المجتمع، فهي بالتأكيد سلبيّة. من جهة أخرى، أثبتت الدراسات العلميّة وجود الحافز الوهميّ. في المقابل يمكن أن يكون الرمز ذاته جيّداً بالنسبة إليّ وسيّئاً بالنسبة إلى غيري".

•نظرة الدين إلى الخرافات
"إن التتبّع الجادّ للنصوص الدينيّة الشريفة يفيد أن لا أصل لهذه الأمور وتفسيراتها المتفائلة والمتشائمة، بل نجد النهي عن ذلك صريحاً"، بحسب السيّد وهبي. ويضيف: "وبالنسبة إلى الشخص الوسواسيّ في هذه المعتقدات، فإذا تشاءم وبنى على هذا التشاؤم فرجع من سفر يريده، وأبطل صفقة كان يزمع عقدها، أو ترك أمراً من الأمور بسبب تشاؤمه فذلك كاشف عن قلّة يقينه بالله وسوء ظنّه به، وعدم توكّله عليه، وهذا ما عبّرت عنه الروايات بأنّه شرك". ويُبيّن سماحته الحالة الصحيّة لهذه الحالات بقوله: "ممكن أن يتشاءم الإنسان أحياناً، ولكنّه إن لم يستسلم لتشاؤمه، بل قدّم الأسباب المنطقيّة لأعماله، وتوكّل على الله، فلا يؤاخذه الله تعالى؛ لأنّ التشاؤم والتفاؤل حالة نفسيّة تلقائيّة موجودة عند جميع البشر، فلا مؤاخذة عليها مع عدم البناء عليها. ولهذا، رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (رُفع عن أمّتي تسعة أشياء: [منها] الطيَرة والتفكّر في الوسوسة في الخلوة ما لم ينطقوا بشفَة)(3)".

•كيف ندفع الوهم؟
تقول الأستاذة "زينب بصل": "إنّ كسر معتقد واحد وتحدّيه سيدفعنا إلى كسر وتحدّي باقي القيود. فإذا تشاءمنا من رمز معيّن، فعلينا أوّلاً تجاهل هذا التشاؤم، وإن حصل صدفةً ما نخشاه، علينا تحويله إلى فرصة لتصحيح النتيجة مرّة أخرى، وبذلك نتعلّم من أخطائنا، لا من المعتقدات هذه".

وهنا، ينصح السيّد وهبي بأن "يتوكّل الإنسان على الله تعالى، فإنّه لا يُقدِّر لعبده إلّا الأصلح له والأكمل. ولهذا السبب، حثّ الدين على التفاؤل الدائم وحسن الظنّ بالله تعالى، فقد روي عن الإمام عليّ عليه السلام أنّه قال: (تفاءل بالخير تنجح) (4)، مضافاً إلى ترسيخ الإنسان كائنٌ مختار ويحاسَب على خياراته وأعماله، ولهذا دخالة كبيرة في مسار قدره، في حين أنّ تلك المعتقدات لا تتدخّل ولا تؤثّر في مصيره".

ويعطي فضيلته نصيحة أخيرة للمتشائمين:
"ومن أوجس في نفسه من الأشياء التي يتشاءم بها شيئاً، فقد ورد في الروايات توجيهٌ أن يقول: (اعتصمت بك يا ربّ من شرّ ما أجد في نفسي"(5).

إذاً، هي معتقدات وموروثات شعبيّة، ورموزٌ تبقى موضوعاً يذكّيها فضول الإنسان تُجاه الغيب، والأهمّ دائماً هو التفاؤل بالخير ليس أكثر، والتوكّل على الله سبحانه وتعالى، الذي جعل قدر الإنسان نتيجةً لعمله، مسدّداً بكثير من ألطافه تعالى.


1.الطِّيْرَة: هي ما يُتشاءم منه. لسان العرب، ابن منظور، مادة (طار).
2.روضة الكافي، الكليني، ص197.
3.مهذّب الأحكام في بيان الحلال والحرام، السبزواري، ج16، ص282.
4.ميزان الحكمة، الريشهري، باب الفأل، ح15581.
5.الكافي، الكليني، ج8، ص315.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع