مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

تحقيق‏: أسئلة موجهة إلى الأهل وأخصائيو التربية يجيبون

منهال الأمين‏

 



عادة ما يكون الأعزب بين رفاقه المتزوجين، إما غابطاً أو مغبوطاً، فهو يغبط رفاقه على ما يعتبره نعمة يحيون بها، الزوجة، الأولاد، الاستقرار... وهم يرون أنه لا زال حراً من قيود المسؤولية التي تأخذ منهم كل الوقت والجهد. ولكنهم بالطبع في قرارة أنفسهم يشعرون أنهم قد حققوا هدفاً سامياً، إذا ما بحث الإنسان عنه فلن يجد أفضل من الحياة الزوجية مصداقاً له، لأنه يساهم بشكل كبير في ضبط الفوضى في حياة الشاب، ووضعه على سكة الصواب. ومن الطبيعي أن تنقل هذه الحالة الشاب، من موقع العبث والفراغ إلى موقع المسؤولية والكد في سبيل بيته وأولاده لتأمين لقمة العيش وهذا أيضاً ينطبق على الفتاة التي تنتقل إلى موقع الأمومة التي تجسد كل معاني الحب والعطاء. ولكي يكون أباً مثالياً أو تكون أماً مثالية، لا بد أن ينتقيا لأبنائهما (ولأنفسهما) منهجاً يسيران عليه في الحياة. وأهم ما في الأمر أن يحملا ثقافة التربية الحقيقية والصالحة.

* هل تعرف ولدك؟
في مسألة معرفة الأهل بأولادهم وخاصة بالأطفال منهم، لا بد أن يحددوا أين هم من أبواب هذه المعرفة ويعملوا على تطويرها ومعالجة نقاط الضعف وتحفيز نقاط القوة فيها. سمير(33 عامًا) يقول عن معرفته بابنته (7 سنوات) وهي المولود الأول: "كنت أشعر بأنها صورة طبق الأصل عني في شخصيتها نتيجة للشبه الكبير بي بالشكل والتصرفات" أما بالنسبة للصبي (3 سنوات) فيرى سمير أنه اكتشف "بعض ملامحه"، ولكن بقي جزء من شخصيته "غير مكتمل الصورة بالنسبة لي، فبينما كنت أعتقد في عامه الأول أنه سيكون ليناً ومطيعاً، فإنه تحول فيما بعد إلى شخصية عنيدة". وترى الأم أنه "كان يجب أن نتنبه لما يتأصل في داخل كل منهما من عادات يصبح العمل على تغييرها فيما بعد صعباً جداً". حسان (40 عاماً، أب لثلاثة أولاد) رأى أنه بعد تجربة البنتين وما رافق ذلك من مشاكل وهموم: "جاء الصبي ليقلب كل مفاهيمي حول التربية"، لأن البنت برأيه رغم ما تكتنفه من أسرار، إلا أن صفاتها لا تتقلب كثيراً كالصبي: "البنت الأولى كانت هادئة أغلب الأوقات، أما أختها فإننا سرعان ما اكتشفنا فيها ملامح "العصبية" والحساسية الزائدة وتعاملنا على هذا الأساس معها، ما كرس هذا الأمر في نفسها". ولكن ألم يكن حسان يطّلع على رأي العلم وخبراء التربية؟ يقول حسان: "اطلعت متأخراً على كثير من الكتب التربوية والنفسية وقد استفدت كثيراً منها في التعامل مع الصبي الذي على الرغم من أنه يختلف كثيراً عن أختيه، إلا أنني كنت أواجه مشاكله بما حصّلته من تجارب ونصائح علمية". أما علي (50 عاماً. أب لأربعة أولاد) فيقول: "ما أعرفه عن أولادي بنظري يبقى بسيطاً أمام ما يجب أن أعرفه عنهم، ذلك أن الولد في مختلف المراحل العمرية التي يمر فيها يشكل "لغزاً" لأهله بما يطرأ عليه من متغيرات وتقلبات وخاصة في مرحلة الطفولة والدخول إلى المدرسة". لا شك أن الأهل تقع على عاتقهم مسؤولية تنشئة أبنائهم تنشئة صحيحة والسعي لبنائهم بناءً نفسياً متيناً، وذلك يستدعي بالضرورة المعرفة والفهم الصحيح للأولاد ولطباعهم وللتقلبات التي يتعرضون لها في مراحل حياتهم.

وحول هذا الموضوع يعلّق السيد خضر الموسوي: "فهم الأهل ومعرفتهم بأبنائهم هو حجر الزاوية في التربية السليمة، وما هو قائم اليوم يبين أن هناك كثيراً من الممارسات الخاطئة من الأهل تجاه أبنائهم نتيجة عدم المعرفة والجهل بالمتطلبات والحاجات الأساسية لدى الأبناء. ومن أخطر مظاهر هذا الجهل نجد ما يلي:

1- غياب لغة الحوار مع الأبناء وانعدام المشورة.
2- دلال زائد أو حرمان قاسٍ وتحقير وتأنيب مستمر.
3- رقابة شديدة أو ترك الحبل على الغارب.
4- صد الأبناء وعدم الإجابة على أسئلتهم والصراخ في وجوههم.
5- الاهتمام بالشكليات (مأكل ملبس...) وإهمال الجانب النفسي والاجتماعي.

بناء على ما تقدم نرى أن بناء علاقة تربوية سليمة مع الأبناء يتطلب من الأهل فهماً ووعياً لهم بشكل جيد ورعايتهم باتباع الخطوات التالية:
1- توطيد الثقافة الإسلامية المركزة لمعرفة الحدود الشرعية وترسيخ نظرة الإسلام لعلاقة الولد بأهله وولاية الأهل على أبنائهم.
2- تحصيل ثقافة تربوية عميقة من خلال الاطلاع على رأي العلم والدين والنظريات العلمية ولا بأس بحضور المحاضرات والندوات في علم النفس والتربية لتحصيل المعرفة بالطفل والطبائع البشرية بشكل عام.
3- اتباع لغة الحوار وتفهم مشاكلهم المتنوعة كل بحسب عمره أصدقاء زواج دراسة... والإجابة عن تساؤلاتهم.
4 الاهتمام بالبناء النفسي للأبناء لأنه العمود الفقري في تحديد شخصية الولد وتوجيه الانفعالات والعواطف منذ الصغر لوقايته من الانحرافات والاضطرابات النفسية.
5- السعا دائماً لحل مشاكل الأبناء وتدريبهم شيئاً فشيئاً على حلها بأنفسهم والاطمئنان المستمر إلى درجة كفاءتهم في التعامل مع مختلف قضايا الحياة".

* من يربي ولدك؟
لا تكفي المعرفة وحدها في عملية تربية الأبناء بل يتطلب الأمر أيضاً إلماماً بالطبائع البشرية والحاجات النفسية للطفل من يومه الأول وحتى يبلغ أشده على خير ما يرام، وذلك يستدعي أن يكون الأبوان من أهل الثقافة والوعي لكي ينتجا أولاداً أصحاء على المستوى النفسي والأخلاقي وحتى الجسدي. وإن إطلالة سريعة على واقع العلاقة بين الأهل وأولادهم توضح مدى خطورة أن يكون الأب والأم غير مطلعين على تلك الحاجات والمشاكل لا بل يجب أن يكونا متابعين ومراقبين لأدق التفاصيل مهما كانت المشاغل والمسؤوليات خارج المنزل، إذ إن نجاح بعض الناس في الحياة العامة يكاد يبدو هزيلاً إذا ما اطلعنا على سلوك أبنائهم السي‏ء وهذا ثمن باهظ "للنجاح". يقول غسان (30 عاماً، أب لولدين): "وجودي المتقطع في البيت فرض علي الاتكال بشكل كبير على زوجتي في شؤون المنزل والأولاد، وعلى الأب في حالتي هذه أن يسعى جهده ليكون دوره متكاملاً مع زوجته وليس متفرجاً وإن كان الطرف الآخر أهلاً للثقة". من يربي ولدك؟ سؤال كبير يجب أن تكون إجابته واضحة لدى الأهل بنظر الحاج مصطفى (44 عاماً) الذي يعتبر أن للمدرسة دوراً مهماً في عملية التربية ولكن "ليس بمعزل عن الأهل، والدور بين المدرسة والأهل هو دور تكاملي. فحرصنا على تسجيل أولادنا في المدارس الإسلامية لا يكفي لذا ألزمت نفسي بأن أكون متابعاً ومراقباً يومياً لأولادي، ومتيقظاً "للمشاركين" معي ومع زوجتي في التربية: المدرسة، التلفزيون، الإنترنت، الرفاق، الجيران، الأقارب"... بينما يبدي سمير موظف، 35 عاماً عجزه أمام هذا الأمر معتبراً أنه يتبع أسلوب "أعطِ الخبز لخبازه، لأني جربت مرة أن أتحمل عن زوجتي هم الأولاد يوماً كاملاً تقريباً، فكانت تجربة صعبة جداً". ولكن هل يُترك الخبز كله للخباز، يجيب: "نعم بكل تأكيد ولو أكل نصفه أيضاً".في مقابل سمير، تجد سعيد (طبيب، 44 عاماً) أكثر جلداً ومتابعة مع اعترافه بأن زوجته الخبيرة التربوية تتولى المهمة بكل قوة وجدارة، "إلا أن ذلك لا يبرر غياب دوري كأب، فأنا متابع بدقة رغم الوقت المحدود الذي أقضيه معهم" .

خليل (50 عاماً، أب لخمسة أولاد بين ال10 و25 سنة) تتنافس معه في تربية أولاده عوامل عدة برأيه "المدرسة والرفاق والإعلام". وعن دور الأهل مع هؤلاء "الشركاء" يقول خليل: "يلعب البيت دوراً أساسياً لا بل ضرورياً في وجه هذه المؤثرات وفي تصويب تعامل الولد معها". وعن هذا الموضوع يقول د. محمد رضا فضل اللَّه مدير دائرة الإشراف التربوي في مدارس المصطفى صلى الله عليه وآله: "ما قبل ثورة الاتصالات كانت صياغة شخصية الولد تخضع لمؤثرات الأسرة والمدرسة والمجتمع... القادرة إلى حدّ ما على ضبطه وتحصينه من كل ما يساهم في انحرافه وتجاوزه للحدود المرسومة. ولكن مع إطلالة القرن الحالي ودخول التقنية الحديثة في عالم الاتصالات والفضائيات والانترنت وما يحمل من ايجابيات وسلبيات تبعاً لطبيعة الاستخدام... تضاءلت قدرة الأهل على الإحاطة أو السيطرة على مجمل نشاطات أولادهم وبالتالي علاقاتهم وهواياتهم وما يمكن أن يقتبسوه من قيم ومعارف مشبوهة، بحيث أثارت قلق الآباء، وأربكت خطط المدرسة، وجعلت الأولاد يعيشون حالة الصراع بين قيود قيمية وضوابط أخلاقية وروحية معتمدة أو مقدسة، وبين تحرر وانفلات تجاه إغراءات قد تستجيب لها الغرائز والميول بعيداً عن الضوابط والقيود.

على هذا الأساس ومن خلال التوجيه القرآني الذي يحمّل التربويين مسؤولية تحصين الأبناء "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة..."، نتوجه إلى كل أب أو أم أو مربٍ باعتماد الأساليب الوقائية التي تخلق الرادع الداخلي الذي يقاوم كل انحراف، والتي نذكر منها:

فهم حاجات الولد والاستجابة لها بالشكل الذي ينسجم مع نموه وتطوره حتى لا يعيش حالة الظلم والحرمان. منح الولد ما يكفيه من المحبة والعاطفة والثقة والاحترام، لتأكيد ارتباطه الوجداني بأهله ومربيه. توثيق علاقته باللَّه تعالى ليمتثل بعفوية إلى كل ما يأمر وينهى ويلتزم بالضوابط التي تحميه من الانحراف. اختيار المدرسة الصالحة التي تؤكد في ذاته القيم الأخلاقية والروحية من جهة، والتي تجعله يعيش عصره بكل تقنياته حتى لا يشعر بالغربة من جهة ثانية، ومن جهة ثالثة تسهر على تربية الحس النقدي تجاه كل ما يُعرض عليه من معارف وطروحات. التواصل الايجابي بين المدرسة والأهل للاتفاق على معايير مشتركة في إطار تربية ومراقبة سلوك الأولاد. الدخول في حوارات موضوعية لمعالجة كل المؤثرات والشبهات التي تصادف الأولاد. إيجاد البدائل المرغبة والمشوقة التي تملأ حياتهم بكل ما يُفرح وينفع. وأخيراً أن نعيش حالة طوارئ من خلال المواكبة المدروسة، لنقف من بعيد على بدايات الانحراف، إذا ما حصلت، قبل أن تستفحل وتتأصل في شخصية أولادنا وفلذات أكبادنا".

* كم تعطي من الوقت لولدك؟
تحت وطأة المتطلبات اليومية التي لا تنتهي، يقف المرء حائراً أمام الأولويات، ففي ظل سعيه وراء اللقمة يضيع الوقت بين ما يلح "الآن" على حساب ما يلح دائماً وهو رعاية الأولاد وتنشئتهم تنشئة صالحة وإعطاء الوقت الكافي لهم. يقول جمال: "يكاد الوقت المخصص للأولاد بالنسبة لي لا يتعدى الساعتين يومياً باستثناء أيام العطلة". ولكن ما هو رأي رشيد في هذا الأمر وهو وزوجته يعملان، فإنهما كما تقول الزوجة سمية قد لجآ في البداية إلى الحضانة والتي احتضنت أطفالهما تباعاً منذ الشهر الأول، وبعدما كبرت العائلة كانت الشركات المتخصصة قد ابتكرت الحل للناس: "الخادمة، وهي تخفف عنا الكثير من الأعباء" وإلا فإن الحل البديل أن تترك الأم عملها وتتفرغ لأولادها، يعلق رشيد على كلام زوجته: "للأسف أولادي أصبحوا متعلقين بالخادمة أكثر من أمهم ويكتسبون منها الكثير من العادات والمفاهيم التي نعاني بعض الأحيان من تأثيراتها السلبية". كم تعطي من الوقت لولدك؟ "قليلاً للأسف الشديد"، يجيب عدنان محمّلاً "المسؤولية" للعمل الذي يضطره للتغيب عن البيت لفترات طويلة، "في حين أن الجزء البسيط المتبقي من الوقت أحرص على تمضيته قرب أطفالي وزوجتي، وأستغل أي فرصة أو إجازة من العمل لكي أعوض هذا النقص الحاصل". وعن كيفية استغلال هذا الوقت "المسروق" يقول عدنان: "أحاول قدر الإمكان الاستفادة منه، فجزء للعب وجزء للتعليم وهو شي‏ء أساسي في بناء شخصية الولد الذي يطمئن لمجرد وجود أبيه في البيت".

فاطمة، أم لولدين (صبي وبنت) تقول: "كنت طالبة حوزة فيما مضى ولكن بولادة البنت لم أعد أستطيع التوفيق بين ولديّ والحوزة، واضطررت لتجميد الدرس للتفرغ لهما بشكل أفضل، خاصة وأن زوجي يغيب كثيراً عن البيت وإن كان سعى في البداية للتعاون معي، حيث كان يهتم بالولدين في وقت الحوزة والدراسة، ولكن ظروف العمل حالت دون ذلك أيضاً". وهنا يجب أن نشير إلى أن ظروف الحياة في هذه الأيام واضطرار الأهل، أماً وأباً، للعمل جنباً إلى جنب في شتى الميادين المعيشية، وذلك بفعل المتطلبات الملحة، يجعل الوقت الذي يقضيه الأهل مع أولادهم قصيراً حكماً وغير كافٍ بلحاظ الكم، فيبقى المعول عليه هو الكيف. وفي هذا يرى الحاج علي يوسف مدير الإعداد والتأهيل في المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم: "أن مسألة الكم في تحديد ما يقضي الأب أو الأم مع الولد ليست بأهمية الكيف، لأن هذا الوقت قد يطول بلا جدوى، وقد يقصر فيكون مجدياً. والأحرى أن تتساءل كيف تقضي ما تقضيه من وقت مع ولدك؟ أي بماذا تملأ هذا الوقت؟ إن تحديد الوقت الذي يقضيه الأهل مع الولد يتعلق بالمهمة النمائية الخاصة بكل مرحلة من عمره:

ففي مرحلة الرضاع (2 -0) يلزم الأم من الوقت ما يكفي لإرضاع الولد وتنظيفه ورعايته صحياً وعاطفياً، وعدم الاتكال على الإرضاع الاصطناعي أو المربيات والخادمات، لأنها بذلك تحرمه ما هو بأمس الحاجة إليه وهو الحنان والعطف الذي لا يعوضه شي‏ء. ثم في مرحلة لاحقة يلزمها من الوقت لمساعدته على النطق وتعلم المشي والكلام. أما في مرحلة الطفولة الباكرة (6 - 3)، فيلزم الأهل من الوقت ما يجب لضبط نظافته الشخصية وتعليمه بعض المهارات كالركض والقفز وركوب الدراجة... وفي هذه المرحلة يكون الطفل جاهزاً للتلقي، ولاكتساب بعض السلوكيات والإنصات للقصص الهادفة، ويتعود أيضاً ترتيب هندامه وسريره وتنظيف البيت مع أمه مثلاً. أما في مرحلة الطفولة المتأخرة (12- 7) فإن الأهل يلزمهم من الوقت ما يكفي لمساعدته على تنمية المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب وتنمية الضمير الأخلاقي والمدني والديني وإدراك معنى النظام والتعود على الاستقلالية والاعتماد على الذات والتعايش مع الرفاق والتنافس والتعاون معهم". ويؤكد يوسف على أن الشرط الأساسي لنجاح الأهل في هذه المراحل المختلفة يكمن في معرفة المهمات النمائية للولد والاستعداد لبذل الوقت اللازم لمساعدته على انجازها. ولكن هذا لا يكفي: "إذ على الأهل أيضاً التعرف على الحاجات المعنوية للولد، كالحاجة إلى المكانة والمحبة والدف‏ء من الأهل، وتفهم هذه الحاجات والعمل على ترسيخها وتخليصها من الشوائب. وكان رسول صلى الله عليه وآله: "يطيل السجود كي لا يزعج ولديه الحسن والحسين إذا امتطى أحدهما ظهره"، فهل يستكثر الأهل، حتى المرهقون منهم في العمل، أن يجدوا راحتهم ومتعتهم مع أولادهم".

* كيف تكونان أبوين ناجحين؟
بطبيعة الحال فإن أي أبوين يطمحان لأن يكونا أبوين ناجحين ولكن ماذا عساهما يفعلان لترجمة ذلك على أرض الواقع، أو ماذا يبذلان من جهد لكي يضعا نفسيهما على درب النجاح. والآية القرآنية تختصر الموقف كما يعبر ماهر (45 عاماً، أب لأربعة أولاد): "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة..." مشدداً على أن الإسلام خط للناس درب الخلاص لهم ولذرياتهم. كيف تكونان أبوين ناجحين: "الإجابة عن هذا السؤال محيرة لأكثر من سبب"، يقول محمد (35 عاماً) ويردف: "أولاً ليس هناك من أب وأم إلا ويريدان أن يكونا أبوين ناجحين، ولكن لا يضعان خطوطاً عريضة للوصول إلى هذا الهدف، وإنما يتركان الأمور للفعل ورد الفعل"، وعن منهجه في ذلك يقول محمد: "الأساس أن يتعاون الأب والأم في كل تفاصيل الحياة اليومية ليتكامل دورهما فلا يلغي أحدهما الآخر أو يتكل عليه تاركاً الحمل الأكبر له". مازن (38 عاماً( يعتبر أنه لا يكفي أن يجعل الأهل من أنفسهم قدوة صامتة لأبنائهم، بمعنى أن يتكلوا على ما يقدمونه لهم من أفعال وصفات حسنة ليتعودوا على الاقتداء بهم، بل المطلوب أن يتوجهوا إليهم بطرق تخاطب العقل حتى ترسخ المفاهيم في أنفسهم وتتجلى عملياً على أرض الواقع. وتعتبر سميرة أن الضرب في التربية له موقع حساس قد يكون أحياناً مطلوباً ولكن يجب أن يمارس "بتفنن" حتى يؤدي غرضه ولا ينقلب على الأهل والأولاد بمردود سي‏ء. ويوجه صالح (55 عاماً) نصيحة لمن يصفهم أصحاب الأمانة الإلهية وهم الأهل بأن يضعوا الحديث المأثور نصب أعينهم: "إن النفس لتفسد بفساد الغذاء" ويعتبر أن الغذاء له تفسيران، الأول مادي يتضمن الأكل والشرب، والثاني معنوي يرتبط بما يتلقاه الولد من أخلاق وأدبيات تساهم في بناء الشخصية.

إن الأبوة والأمومة مهمتان جسيمتان وتزداد خطورتهما إذا نظرنا للأمر بأنه يتعلق بإعداد الطفل ليكون خليفة اللَّه على الأرض، وكان ذلك هدفاً نصب أعيننا، ولكن في الوقت نفسه فإن الأمر سيكون ممتعاً جداً إذا أخلصنا في أداء المهمة كأهل وحرصنا على التزود بالمعارف والمهارات الضرورية للقيام بها على أكمل وجه. ويضع الشيخ علي سنان (مدير عام جمعية التعليم الديني الإسلامي) "خطة عمل" لكل زوجين يطمحان لتحقيق النجاح في حياتهما كوالدين، إذ عليهما مراعاة ما يلي:

"أولاً: تحمل المسؤولية: إن تحمل المسؤولية ليس على عاتق الزوج أو الزوجة كل بمفرده بل عليهما القيام بها وتحملها التزاماً بحديث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله "ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته...".

ثانياً: تجسيد القدوة: يحتاج الإنسان في حياته إلى شخصية رسالية يقتدي بها "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" وعلى الوالدين تعريف الأبناء بالأسوة الحسنة التي يمثلها النبي محمد صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام ومن بعدهم العلماء الربانيون.

ثالثاً: الحفظ والوقاية: يأمرنا اللَّه تعالى أن نحفظ أنفسنا وأهلنا من عذاب يوم القيامة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ وبيّن الإمام الصادق عليه السلام التطبيق العملي للحفظ للأهل شارحاً للآية القرآنية بقوله عليه السلام "اعملوا الخير وذكّروا به أهليكم وأدِّبوهم على طاعة اللَّه...".

رابعاً: إعطاؤهم العلم والأدب: على الوالدين أن يحرصا على تزويد أولادهما بالأدب والعلم النافع ليكونا سبباً لدخولهم الجنة فعن الإمام الصادق عليه السلام: "لا يزال المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتى يُدخلهم الجنة جميعاً...".

خامساً: تحسين الاسم: من حقوق الأبناء التي ينبغي الإهتمام بها هي اختيار أسمائهم، فقد ورد أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال يا رسول اللَّه ما حق ابني هذا؟ قال صلى الله عليه وآله: "حسِّن اسمه وأدبه وتضعْه موضعاً حسناً".

سادساً: الإعانة على البر: من موارد الرحمة الإلهية أن يعين الآباء أولادهم على برهم فقد ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله "رحم الله والداً أعان ولده على بره".

سابعاً: تعليم القرآن الكريم: تعليم القرآن الكريم أساسي في التربية وحق من حقوق الأبناء فعن الإمام علي عليه السلام: "وحق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويحسن أدبه ويعلمه القرآن".

ثامناً: تعليم الصلاة والطهور: ونحن معنيون كأهل على تدريب أولادنا على العبادات ففي الحديث: "أدِّب صغار أهل بيتك بلسانك على الصلاة والطهور".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع