مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

قصة العدد: هزت العالم بيسارها

نسرين إدريس‏

 



مدت يديها إلى الملابس الصغيرة المتعددة الألوان، وراحت تنتقي بين زهريٍ وأزرق، وتضبط نفسها من معانقة تلك القطع لتلامس روحها فتنتشي رئتاها من أريج الفرحة الفواحة من حيث يسكنُ جنينها... إنه ولدها الأول... كم انتظرت أن تصبح أمّاً... أماً حقيقية تحملُ طفلاً وتسير به تناغيه وتلاعبه، ترسمُ بأصابعها حدود بشرته الرقيقة، وتعبثُ بشعر رأسه الذي بالكاد تستطيع الإمساك به، وتضحك معه، تضحك من كل قلبها وهي تسمع صوته رنيناً عوض الكلمات المتقطعة التي كانت تنطق بها لعبتها في صغرها... لن تنسيها فرحتها به الساعات العصيبة التي ستمر على كليهما، فالطفل لا يكبر كقلبِ صفحة إثرَ أخرى، ولكنها ستحاول أن تكون على قدر المسؤولية...

مشت في طريقها وفي يدها يلوح كيس ملي‏ء بالثياب، وبين فينة وأخرى تمرر يدها على بطنها إثر حركة قوية قام بها جنينها الشقي، فتبتسم ابتسامة خاطفة خشية أن يراها أحد المارة... ها قد رأت طفلاً في الرابعة من عمره يتعلق بيد والده ويسيران على الرصيف أمامها، كانت تسترق دون قصد حديثهما المتناهي إلى سمعها، والطفل يسأل ويسأل، حتى يعجز والده عن الإجابة... ثم لمحت أماً تحملُ طفلاً حديث الولادة وتضمه إلى صدرها برفق... أي عالم هي الأمومة؟ سألت نفسها وهي تحاول ترتيب صور طفولتها في ذاكرتها، ولفت حنينها إلى الماضي كيف كانت تحضن لعبتها الصغيرة وهي في عمر السابعة بكل رفق وحنان، وتسرّح لها شعرها، وتخيط لها الثياب، وتطهو لها طعاماً وهمياً، إنه الشعور الأول من الأمومة، يولد مع كل الفتيات، ودندنت بصوت خافت وهي تدلفُ في زقاق ضيق باتجاه بيت والدتها: "ربي سألتك باسمهن، أن تفرش الدنيا لهن"... وتنهدت وهي تدعو اللّه أن يمدها بالإيمان والحكمة لتربي طفلها تربية تنجيه وتشفع لها يوم القيامة... غريب هذا التلاصق بين الطفل وأمه، ثمة علاقة لا أحد يستطيع أن يفسرها، أو أن يتحدث عنها، ولا شك أن كل فرد منا يشعر بها ويختصرها: "الدنيا أم".

شعرت في تلك اللحظة أنها بحاجة إلى الارتماء في حضن أمها لتشكرها على كل ما قدمته لها طوال عمرها، أن تقول لها كم هي أم عظيمة... كانت طرقاتها متسارعة على الباب الخشبي الذي ما أن انفتح حتى برزت ملامحُ وجه أمها، فانهالت عليها تقبيلاً، وحضنتها دون أن تفضي لها بما يجول في فؤادها... كان صوت التلفاز عالياً، ولكن ضجيجها ولهفتها في أن تفرش الأرض بملابس طفلها لتريها لوالدتها طغى عليه، وحملت ثوباً صغيراً، وهي تمسك بيد أمها لتمهر عليها قبلة الوفاء... أتمنى أن أكون مثلك، أماً عظيمة.. لمعت دمعة في عيني أمها، ونطق صمتهما بتناهي صوت مذيع الأخبار إليها يعيد نبأ عاجلاً: "وقد أفادت المقاومة الفلسطينية أن منفذ العملية الاستشهادية هي امرأة اسمها ريم الرياشي وهي أمٌ لطفلين...". تركت أمها تتفحص الثياب بهدوء وتوجَّهت صوب الشاشة التي بدأت بعرض صور للعملية الاستشهادية وفي يمينها ثوب لطفلها... كل شي‏ء أشلاء؛ وقع الثوب أرضاً، واحتضنت أصابعها الخمس حركة سريعة لجنينها، وانهمرت دمعة على خدها... أي قلب عظيم حملته في صدرها وأي إيمان عميق... بماذا كانت تشعر قبل أن تنسل من بين طفليها لتزنر بطنها الذي أنجبهما بالقنابل، ولتهديهما حياة كريمة... أي حبً تحمل لهما؟! وهل أطعمتهما قبل الرحيل؟ هل قبلتهما؟ هل نظرت إلى عيونهما نظرة أخيرة؟ وماذا قالت؟ وضاعت في أسئلة لن تجد لها جواباً وصورة الاستشهادية ريم الرياشي مبتسمة في حجابها الأبيض؛ إنها ولا شك تعشق ولديها عشقاً ليس له مثيل.... إنها هي... أجل هي ريم الرياشي الأم التي هزت المهد بيمينها وهزت العالم بيسارها...

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع