مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

من أذاه حرّمت عليه ريح الجنة..الجار

هنادي سلمان‏



"ما دام جارك بخير إنتَ بخير"، مقولة توارثناها وحفظناها من جيل إلى جيل. ولئن تبعها أناس وتخلف عنها آخرون، نظراً لاختلاف الطبائع، فلا تُخفى أهمية هذه المقولة التي تحوي نظاماً اجتماعياً هاماً يحافظ على حسن العلاقات المتبادلة بين الجيران.

* الإسلام وحقوق الجار:
يقول اللَّه تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ (النساء: 36). إن التوحيد العملي الذي أراده اللَّه سبحانه وتعالى هو إتيان الأعمال الحسنة طلباً لمرضاته وابتغاءً لثواب الآخرة، ومن جملة هذه الأعمال الإحسان إلى الجار. والمراد في الآية من "الجار ذي القربى" هو الجار القريب داراً والجار الجنب هو الجار البعيد داراً(1). والإسلام إنما يريد غرس المفاهيم السامية في نفوس المسلمين الذين يشكلون أفراداً في مجتمع أراده أن يبنى على روح التعاون والتآزر والإحسان ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (المائدة: 2). وكان من ذلك ترغيب المسلمين بحسن الجوار ورعاية الجار لينشئ من المتجاورين جماعة متراصة ومتعاطفة تتبادل اللطف والإحسان وتتعاون على كسب المنافع وتحاشي المضار، ليستشعروا بذلك الرخاء والقوة على المشاكل والأحداث(2).

* ما هي حقوق الجار؟
حسن المداراة: إن للجار حقوقاً كثيرة يجب الإتيان بها، وخلاصتها أن يُعامل الجار باللطف وحسن المداراة "والمداراة قريبة من الرفق في المعنى لأنها ملاءمة الناس وحسن صحبتهم وقد ورد في مدحها وفوائدها الدنيوية والأخروية أخبار كثيرة كقول الرسول صلى الله عليه وآله: "المداراة نصف الإيمان" وقوله: "أمرني ربي بمداراة الناس كما أَمرني بأداء الفرائض". وقال الإمام الصادق عليه السلام: "جاء جبرائيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول: دارِ خلقي"(3). ومن حسن مداراة الجار: "ابتداؤه بالسلام وعيادته في المرض وتهنئته في الأفراح وتعزيته في المصائب وعدم التطلع إلى حرمه والإغضاء عن هفواته وكف الأذى عنه وإعانته مادياً إذا كان معوزاً... ونصحه إذا زاغ وانحرف عن الخط المستقيم"(4). وحق الجوار قريب من حق الرحم، إذ الجوار يقتضي حقاً وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام، فيستحق الجار المسلم ما يستحقه كل مسلم وزيادة فمن قصر في حقه عداوة أو بخلاً فهو آثم(5). ومن حقوقه أيضاً تحمُّل أذاه وأخذه بالنصح والارشاد والسعي في قضاء حوائجه خصوصاً إذا كان من الفقراء. عدم التجسس على العيوب واظهارها: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا (الحجرات: 12) لأن من يتبع عيوب الآخرين ويظهرها بين الناس، هو من أسوأ الناس وأخبثهم ويستوجب العذاب الإلهي ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ (النور: 19). وعن الرسول صلى الله عليه وآله: "من أذاع فاحشة كان كمبتدئها ومن عيّر مؤمناً بشي‏ء لم يمت حتى يرتكبه"(6) وقد أراد الإسلام منا أن نستر العيوب التي قد نعلمها عن غير قصد وقدّم لذلك ثواباً وأجراً، فعن الرسول صلى الله عليه وآله: "لا يستر عبد عيباً إلا ستره اللَّه يوم القيامة"(7). وكذلك أوصانا بعدم افشاء الأسرار "فالحديث بينكم أمانة"(8).

* حسن الظن:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ (الحجرات: 12). إن أسرار القلوب لا يعلمها إلاّ علاّم الغيوب وليس لأحد أن يعتقد في حق غيره سوءاً إلا إذا انكشف له بعيان لا يقبل التأويل، إذ حينئذٍ لا يمكنه ألاّ يعتقد ما شاهده وعلمه. وأما ما لم يشاهده ولم يعلمه ولم يسمعه وإنما وقع في قلبه فالشيطان ألقاه إليه فينبغي أن يكذبه لأنه أفسق الفسقة ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ (الحجرات: 6). وقال أمير المؤمنين عليه السلام: "ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً"(9).

* حذار من الأذى في الأقوال والحركات:
عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله أنه قال: "من آذى جاره حرّم اللَّه عليه ريح الجنة ومأواه جهنم وبئس المصير. ومن ضيّع حق جاره فليس منا وما زال جبرائيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"(10). إن نظرة إلى هذا الحديث تبين لنا وجوب الابتعاد عن الأذى الذي قد نلحقه بالآخرين وخاصة الجيران، قولاً أو عملاً، ويكفي أن نعرف أن هذا الأذى لا ينفع معه صوم أو صلاة أو عبادة فقد قيل للرسول صلى الله عليه وآله يوماً: "فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وتتصدق، وتؤذي جارها بلسانها فقال صلى الله عليه وآله لا خير فيها هي من أهل النار"(11). لذلك يجب على كل عاقل أن يجتنب ذلك كل الاجتناب من خلال التروي في كل ما يصدر عنه من القول أو الفعل. وبذلك يحافظ على علاقات طيبة مع سائر جيرانه فيحقق جو الألفة والمحبة الذي دعانا اللَّه عزَّ وجلَّ إلى تحقيقه. إن الفظاظة في التعامل لا تقابل إلا بالفظاظة والرفق واللين لا بدَّ وأن يقابلا بالرفق واللين ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك (آل عمران: 159). فلنحرص إذاً على مداراة جيراننا ومراعاة مشاعرهم، ولنبتعد قدر الإمكان عن كل ما قد يؤذيهم ويسبّب آلامهم.


(1) الحسني: سليم، مختصر الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة دار الإسلام، ومؤسسة دار العارف للمطبوعات بيروت.
(2) الصدر: مهدي، أخلاق أهل البيت الجزء الثاني ص‏323، مؤسسة النعمان، بيروت.
(3) النراقي: محمد مهدي، جامع السعادات ص‏238، الجزء الأول ط20. دار التفسير إيران قم.
(4) أخلاق أهل البيت، م.س، ص‏325.
(5) جامع السعادات الجزء الثاني، ص‏57.
(6) م.س، ص‏59.
(7) م.س، ص‏60.
(8) ن.م، ص‏61.
(9) جامع السعادات، الجزء الأول، ص‏220.
(10) الأمين: هيئة محمد، الأخلاق والآداب الإسلامية، ص‏854، مطبعة سيد الشهداء، بيروت، ص‏20.
(11) م.س، ص‏856. نقلاً عن مشكاة الأنوار للطبرسي.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع