الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

قصة قصيرة: سربال

حسن زعرور

 



ثماني سنوات أقول لك، ثماني سنوات هناك، أرى الشفقة على وجهك، ككل من إلتقيت بهم، شفقة قد تعمِّر لديك لحظات، ثم تذوب في غمرة النسيان، أنت غير ملزم بأكثر من ذلك، الأمر لك لمحة عابرة، أما أنا فلا زلت حتى هذه اللحظة أرتجف مع الذكريات وأراني في تلك الغرفة الإسمنتية الضيقة، أرقب من نافذة صغيرة في أعلى الجدار المتسخ مسار نجمٍ يؤنسني ويهديني، علّني أعرف منه الوقت أمنتصف الليل هو أم قبله أم بعده، لم أكن أعرف، فالنافذة عالية شمالية يغمرها النور أو الظلام في مواقيت سيئة لا أعي معها أهو الفجر أم سواه.

كنت في البدء أفتح أذني للريح على وهنها، علَّها تحمل إليّ تلاويح صدى الأذان من القرى المحيطة بالسجن، غير أن الريح لا صاحب لها، تارة تكون معك وطوراً عليك، فلا يصل من حملها إلى سمعك إلا ما تريده هي، عواء جراء عابرة، نهيق حمار متوحد، هدير آليات، طقطقة رشيشة حذرة، أو إنفجار لا تعرفه من أين وأين، وبعض الحين تحن عليك فتحمل معها نداء "اللَّه" فتظمئ روحك على شدة عطشها، وتراك تتمتم بشوق "أكبر" وتواصل الأذان وتنهيه ثم تقوم إلى صلاتك. تريد أن تعرف كيف مرت هذه السنوات الثمان؟ لا عليك، قسها كما حساب النسوان، ثماني سنوات مضروبة باثني عشر شهراً ثم بثلاثين يوماً ومضروبة بأربعٍ وعشرين ساعة مضروبة بستين دقيقة لتعرف، أو لعلك تقترب من المعرفة، هناك أشياء لا يحسّها إلا من أحسّها، ولا يشعر بها إلا من شعر بها، هل راقبت الحلزون في مشيته يوماً؟ إنه أسرع من مشي الدقيقة الواحدة، تمر بطيئة، مميتة، جامدة، مملة، قاتلة، تأكل أحشاء الإصطبار لديك وتقترب بك إلى الجنون لا بل تعبره إلى ما هو أصعب من الجنون، إلى الموت البطي‏ء، والجدار خلفك يمتص رحيق شبابك ساعة تلو ساعة، وباب الزنزانة ورائحة الزنجار تطفئ عينيك وحواسك، كم هو مقرف عدُّ الأيام، سرعان ما تملُّه، هل اليوم الأربعاء أم الأحد أم الجمعة؟ هل مضى يوم أو يومان أو أكثر منذ أن كنت بين يدي جلادك يركل خاصرتيك بحذائه العسكري الضخم؟ أو يلقِم وجهك صفعة تطن لها أذناك ويطفر منها الدمع من عينيك، و... يئز في أذنيك مرجعاً صداه، أو يهصر سبابتك بين شدقي ملزمة حديدية يفتلها منتشياً من ألمك وعويلك. يرسل صداه في المعسكر ولا مغيث.

كنّا نعيد مداركنا إلينا عندما نلتقي معاً، في الفرجة الصغيرة القصيرة التي يسمح بها العدو في باحة السجن، نلتقي فنشرب وجوه بعضنا، نشرب النور، نشرب الشمس، نشرب الهواء، نشرب كل ما نراه وما لا نراه، الظمأ يا أخي كافر والوحدة ظالمة. وتسألني كيف كنّا ننام؟ سأقول لك وأسألك ما هو النوم؟ بعضنا كان يغمض عينيه واقفاً وقد خُدِّرت أحاسيسه، بعضنا يتكور على بعضه، لم يكن للنوم قرار أو زمان، قد يأتي غفلة لدقائق، لساعات في الليل في النهار والاثنان متشابهان في الأنين، وفي الألم، وفي الصراخ لا يحتبس في حلقك، في السياط، في الوحشية تعوي تحت لدغات الكهرباء، تعقص تلوي تشل، تجمّد الرعب في أوصالك فلا ينطبق جفنك ولو حاولت، وقد يهدأ الليل حولك على خداع، حتى إذا ما غفت عيناك لحظات هزتك صرخات طويلة معذبة يكويها الحديد المحمى، ورائحة اللحم المحترق تقزز منك وتدفعك للغثيان، وتروح تلقي كتفك على ذا الجدار وذا الجدار ناسياً إنسانيتك في قهر متوحش. ثم يلح عليك السؤال، أرائحة لحم أحمد تلك أم حسين؟ أم علي؟ كأن معرفة الأمر هو كل الأمر، بيد أن عذابك لا ينتهي ولا الأسئلة، ممن عليك أن تحذر؟ لعل أحدهم صبأ تحت العذاب أو جنح للعمالة وقد هدّته حيوانية هؤلاء الحيوانات، فهل بربك يستطيع العقل أن ينام مع هذا كله؟ ولنفرض أنه أتى إليك وأرغمك على الهجوع فوق فراشك الممزق النتن، ورائحة العفن والبراز تُثقل عليك وتُعشش في حواسك فلا تكاد تأنس بالإغفاءة حتى تدوي لطمة على باب زنزانتك الحديدي، وتسمع ضحكة لا يمكن أن تصدر عن إنسان، ثم يمر أحد السجانين ثانية منتشياً مما بدا عليك من رعب. لقد اعتاد السجانون هذه اللعبة واستمرؤوها فتراهم ينتظرون اغفاءتك لإشباع ساديتهم مرة ومرتين وثلاثاً في الليلة الواحدة، فلا تجد في يأسك وقهرك غير اللعنات المجبولة بالدمع تصبها علّها تخفف من تآكل حشاك.

ثم جاء يوم، لعلِّي مهما وصفته لك أُقصّر لعجز الكلمات عن مسّ حقيقة الحسّ، أرأيت موجة هادرة تقدم من بعيد ويخيل إليك أنها تصل الأرض بالسماء؟ هكذا جاء ذاك اليوم، فجأة، لم يكن أي منّا يحلم به حتى الحلم، حتى الحلم، أقول لك، جاء فسمعنا ولم نسمع، رأَينا ولم نر، كأنما وقف العقل عند عجزه عن الإدراك، هزتنا كلمات اللَّه أكبر من اللاوعي إلى الوعي، من الضياع إلى ما يشبه الضياع في الحيرة مما نسمع، وإذ تقوضت جدران السجن وفتحت أبوابه شدهتنا الحقيقة فلم نعِ، أنضحك أم نبكي، أم نضحك ونبكي معاً، أنخرج أم نبقى أم نخرج وندخل وندخل ونخرج، بكت حيرتنا فأبكتنا فجثونا ثم عدونا ثم جثونا فعدونا ورحنا نقبِّل الوجوه والعمائم واللحى. أوتدري؟ لقد كانت الفرحة أخطر على عقولنا من السجن نفسه ثم أيقنا أن رحمة اللَّه سبحانه قد أتت وغدونا أحراراً!

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع