نور روح الله: آداب القيام في الصلاة(1)(*) مناسبة: من ذاكرة انتصار التنمّر: ضعفٌ وليس قوّة احذر عدوك: فتبيَّنوا (1) أول مدينة دوائيّة في الشرق الأوسط في إيران الدراسة الجامعيّة تطيل العمر بريطانيا تمنع "الرأسيّات" في المدارس الابتدائيّة فايسبوك تطرد موظّفاً اعترض على منشورات لترامب أوّل الكلام: صدقةٌ يحبّها الله مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة

زيد بن حارثة حُبُّ رسول الله

ظافر عمر قطيع*


هو زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد ود الكلبي، أمه سعدى بنت ثعلبة بن عامر بن طيء ويكنّى أبا أسامة1. كان من أشهر موالي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد سبي في الجاهلية عندما خرجت أمّه به تزور قومها بني معن، أغارت عليهم خيل بني القين بن جسر فأخذوا زيداً وقدموا به سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام بن خويلد لعمّته خديجة بنت خويلد بأربعمائة دينار فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي أعتقه وتبنّاه 2. وقيل اشتراه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لخديجة من مالها فوهبته له بمكّة قبل النبوة وهو ابن ثماني سنين، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكبره بعشرين سنة.

*فضّل اختيار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على والده

وكان أبوه قد حزن عليه حزناً شديداً. ثم إن أناساً من "كلب" حجّوا فرأوا زيداً، فعرفهم وعرفوه، فأعلم الكلبيون أباه حارثة الذي خرج وأخوه كليب بن شراحيل لفدائه فقدما مكّة ودخلا على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقالا: يا ابن عبد المطلب يا ابن هاشم يا ابن سيد قومه جئناك في ابننا عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه، فقال: من هو؟ قالوا: زيد بن حارثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فهلّا غير ذلك؟ قالوا: ما هو؟ قال: ادعوه وخيّروه، فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحداً، قالا: قد زدتنا على النَصَفِ وأحسنت، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم، هذا أبي وهذا عمي، قال: فأنا من قد عرفت ورأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما، قال: ما أريدهما وما أنا بالذي أختار عليك أحداً، أنت مني مكان الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وأهل بيتك؟ قال: نعم، رأيت من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالذي أختار عليه أحداً أبداً. فلمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر وقال: يا من حضر اشهدوا أن زيداً ابني يرثني وأرثه. فلما رأى ذلك أبوه وعمّه طابت نفساهما وانصرفا 3.


*إسلامه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم

لقد عاش هذا الصحابي الجليل مع النبوّة منذ لحظة "اقرأ". فكان أول الــنـــــــــاس إسلاماً وإيماناً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد عليّ وخديجة. فقد ورد في تاريخ اليعقوبي أن أول من أسلم خديجة بنت خويلد من النساء، وعليّ بن أبي طالب من الرجال ثم زيد بن حارثة. وكان هو وعلي عليه السلام يلزمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخرج إلى الكعبة أول النهار يصلّي صلاة الضحى وكانت قريش لا تنكرها فإذا صلّى غيرها قعد عليّ وزيد يرصدانه 5.

*مكانته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

لقد كان لزيد من محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القدر الكبير، فقبل أن يحرّم الله التبّني عُرف بـ"زيد بن محمد"، وقد زوّجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مولاته بركة "أم أيمن" فولدت له أسامة، وبعد وفاتها زوّجه من زينب بنت جحش الأسدية ابنة عمته صلى الله عليه وآله وسلم أميمة بنت عبد المطلب 6. وقد جاء أنه لما فرض عمر بن الخطاب للناس، فرض لأسامة بن زيد خمسة آلاف ولابن عمر ألفين فقال ابن عمر: فضّلت أسامة عليّ وقد شهدت ما لم يشهد، فقال: إنّ أسامة كان أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منك وأبوه كان أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أبيك 7. وعن ابن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث بعثاً وأمر عليهم أسامة بن زيد فطعن الناس في إمارته فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة وإنه كان من أحبّ الناس إليَّ وإن هذا من أحبّ الناس إليَّ بعده 8. ولم يُسمِّ الله أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحاب غيره من الأنبياء إلّا زيد بن حارثة 9.

*مكانته في القرآن

إن الموقع المتفرّد الذي ناله هذا الصحابي الجليل من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن كان يدعى زيد بن محمد جعل منه عنواناً لتشريعٍ سيبقى معمولاً به إلى يوم القيامة. فأنزل الله تعالى في سورة الأحزاب:﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ (الأحزاب: 4-5). وقد أخرج مسلم والترمذي والنسائي عن سالم بن عمر قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلاّ زيد بن محمد حتى نزل في القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾. وجاء في تفسير القرآن العظيم لأبي الفداء الدمشقي: نزلت في شأن زيد بن حارثة وقد جاء في الحديث ليس من رجل ادّعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلّا كفر.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لزيد يوم عمرة القضاء: أنت أخونا ومولانا. ونزل قول الله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ (الأحزاب: 40). وعندما نفى الله رابطة البنوّة بغير نسب ولا رضاع ألغى مفاعيلها من خلال تطبيقٍ عمليٍّ قاسٍ كان قطباه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وزيد بن حارثة فزيد يريد تطليق زوجته زينب فيأتي إلى رسول يشكوها ويريد تطليقها والرسول يقول له: أمسك عليك زوجك واتّقِ الله. والله جلّ شأنه كان قد أخبر رسوله أن زيداً سيطلق زينبَ وأنها ستكون زوجة له فأنزل الله عزّ وجلّ قوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (الأحزاب: 37).

*جهاده مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم

كان زيد بن حارثة من الصحابة الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، وقد آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين حمزة بن عبد المطلب عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الغزوات وكان شجاعاً مقداماً وما أرسله النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في سريّة من السرايا إلاّ وأمّره عليها. ومن السرايا التي أرسله أميراً عليها في السنة الخامسة للهجرة سريّة إلى العَيْص في جمادى الأولى وسريّة الطرف وسريّة حِسْمَى في جمادى الثانية وسريّة وادي القرى في رجب وسريّة أم قرفة في رمضان 10.

وعندما جاءت الأخبار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الروم قد اجتمعوا يريدون غزو المسلمين وجَّه صلى الله عليه وآله وسلم جيشاً إلى الشام في جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة وجعل عليهم أميراً زيد بن حارثة وقال: فإن قُتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قُتل فعبد الله بن رواحة. وكان عدد جيش المسلمين ثلاثة آلاف وعدد جيش هرقل مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة من لخم وجزام فالتقوا في أرض مؤتة من الشام واقتتلوا قتالاً شديداً فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم11 حتى استشهد. ولما جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خبرُ مقتل زيد وجعفر بكى وقال: أخواي ومؤنساي ومحدّثاي. وصعد المنبر وأمر فنُودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: باب خير باب خير باب خير أخبركم عن جيشكم هذا الغازي إنهم انطلقوا فلقوا العدو فقُتل زيد شهيداً واستغفر له. فطوبى لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشهادة واستغفر له 12.


* باحث إسلامي من سوريا.

1- أسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير، ج2، ص224.
2- الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ابن عبد البر، ج2، ص543.
3- أسد الغابة، م.س، ص225.
4- تاريخ الطبري، الطبري، ج2، ص60.
5- الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج2، ص59؛ تاريخ اليعقوبي، اليعقوبي، ج2، ص23.
6- أسد الغابة، م.س، ج3، ص131.
7- سنن الترمذي، ج5، ص341.
8- م.ن.
9- أسد الغابة، ج2، ص227.
10- تاريخ الطبري، م.س، ج2، ص60.
11- الكامل في التاريخ، م.س، ج2 ص238.
12- تاريخ الطبري، م.س، ص322.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع