مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

ثلاثة أنواع من الأخلاق في المجتمعات الإسلامية

يوجد في المجتمعات الإسلامية ثلاثة أنواع من الأخلاق:
1- الأخلاق الفلسفية أو السقراطية: والتي لم تخرج عن نطاق العلماء والفلاسفة بسبب جفافها الشديد ولم تنتقل أو تنتشر بين عموم الناس.

2- الأخلاق العرفانية التي راجت على أيدي العرفاء والصوفيين طبق مقياس واسع مبني على الكتاب والسنة.

3- الأخلاق الروائية التي نشأت بواسطة المحدّثين والرواة وراجت بين الناس والنوعان الأخيران يلتقيان في نقاط كثيرة مع وجود نقاط الافتراق أيضاً. فالأخلاق العرفانية تدور حول محور مجاهدة النفس، وهذا تعليم صحيح بالطبع ويتوافق مع الأخلاق التي ذكرت في الكتاب والسنّة، ولكم حصل فيها نوع من الإفراط الذي أدى إلى نشوء بعض الأفكار والتعاليم التي لا تنسجم مع القرآن والسنّة، وأدى أيضاً إلى أن تخرج الأخلاق الإسلامية من متن الحياة.

فتحت عنوان مجاهدة النفس ومحاربة الأنانية، أصاب هؤلاء ذلك الشيء الذي جاء في الإسلام بمعنى كرامة النفس وشرفها بضربات موجعة، رغم التأكيد الشديد على حفظه. فالإسلام يخالف حب الأنا وعبادة الأنانية التي تعني حب البطن والنساء والأموال والجاه، وهو يحارب تلك التوجهات التي تتحول إلى عبادة لمثل هذه الأمور. ولكنه من جانب آخر يؤكد على حفظ جوهر الروح وتقوية المسائل المعنوية من قبيل العزة والشرف والكرامة.
وهناك حديث روي في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام يقول فيه: "من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته..".

فالذي يشعر بكرامة نفسه ويحافظ على شرفها يجد الشهوات رخيصة. فالإنسان هنا ينبغي أن يرجع إلى ذاته ويتوجه إلى نفسه ليعرف مقامها العالي الذي ينبغي أن يحفظ من الدنيا. فما لم يعرف الإنسان قدره، لن يعطي لنفسه الأهمية المطلوبة.
وهناك حديث آخر عن الإمام الهادي عليه السلام يقول فيه: "من هانت عليه نفسه فلا تأمن لشرّه". فالذي فقد قيمة نفسه لن يعد لديه قيمة لأي شيء. ولهذا فإن الشر منه مأمول.
وفي الحديث المشهور حول العقل والجهل في كتاب تحف العقول جاء: "لا دين لمن لا مروة له" (والدعوة إلى المروءة تعدّ نوعاً من الرجوع إلى الذات). ولا مروة لمن لا عقل له.
إن أعظم الناس قدراً من لا يرى الدنيا لنفسه خطراً فكل الدنيا وما فيها لا يساوي جزءً من نفسه (وليس هذا عبادة للأنا).

ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: "قدر الرجل على قدر همته". "وصدقه على قدر مروءته".
وهذه جملة مدهشة حقاً! فالشخص الذي يشعر بمروءته لا يكذب لأن الكذب دون شأنه. "وعفته على قدر غيرته". فالذي يشعر بالغيرة على عرضه لا يمكن أن يتعدى على أعراض الآخرين.
والأشد صراحة من الجميع تلك الجملة التي جاءت في وصية الإمام لابنه الحسن عليهما السلام: "أكرم نفسك عن كل دنيّة وإن ساقتك إلى الرغائب فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضاً".
فالإنسان يمكن أن يعوض عن كل ما يفقده إلا نفسه "ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً".
يمكن أن يقول البعض أن الإنسان لو كان يريد أن يجاهد نفسه ويحارب عبادة الأنا إذا لم يكن عبداً لأحد فإنه يكون عابداً لنفسه أكثر من كونه حراً.

ولكن كلا، فإن تلك النفس التي يجب محاربتها هي غير النفس التي ينبغي المحافظة عليها. فإن كل هذه التعابير التي وردت عن أمير المؤمنين عليه السلام هي في مقام محاربة الهوى وعبادة الأنا. وما يحاربه الإسلام هو غير ذلك الشيء الذي يدعو لإحيائه.
ولمحمد إقبال الباكستاني في كتاب "معرفة إقبال" أو "إقبال شناسي" والذي ترجمه إلى الفارسية السيد غلام رضا سعيدي مجموعة من القصائد التي تدور حول "فلسفة الذات". وقد كان إقبال الشاعر الوحيد الذي التفت إلى هذا المطلب (وهو الرجوع إلى الذات وإيجادها).
وفي حديث للإمام الصادق عليه السلام في تحف العقول، يقول عليه السلام: "ولا تكن فظاً غليظاً يكره الناس قربك، ولا تكن واهناً يحقرك من عرفك".
فالإسلام لا يرضى لأحد أن يحقّر نفسه تحت عنوان مجاهدة النفس. بل يجب على كل إنسان أن يحفظ عزته وشرفه: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين (المنافقون: 8).

* نقطة الضعف في الأخلاق الصوفية
يوجد نقطة ضعف بارزة في الأخلاق العرفانية1 والصوفية. رغم أن العرفاء قد قدموا للأخلاق الإسلامية خدمات جليلة، لأنهم نشروها من خلال الأشعار والنثريات، ولكن البشر يقعون في الخطأ أحياناً. في مقابل كلام أمير المؤمنين عليه السلام: "ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً" أو كلام الإمام الصادق عليه السلام: "ولا تكن واهناً يحقرك غيرك" نجد تلك القصة التي يذكرها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة والتي تتعلق بإبراهيم الأدهم الذي كان أميراً ثم تاب واتجه اتجاهاً صوفياً حيث يقول: إنني لم أشعر بسرور وسعادة مثلما شعرت في ثلاثة مواقف:

الأول: عندما كنت مريضاً ودخلت لأصلي في المسجد، وبعد قليل وقعت على الأرض من شدة الإعياء ولم أتمكن من الوقوف، فجاء خادم المسجد وأخذ يوقظ الفقراء. والمتسولين الذين كانوا ينامون في المسجد ويطردهم، وعندما وصل إليّ قال بلهجة شديدة: قم: ثم ركلني بقدمه عدة ركلات فلم أستطع القيام. وخرج الجميع وبقيت أنا حتى جاء الخادم مجدداً، ثم جرني من رجلي كجثة هامدة ورماني خارج المسجد. لقد سررت كثيراً لأنني رأيت نفسي قد ذلت وحقرت.

الثاني: عندما كنت مسافراً على متن سفينة وكان على ظهرها مهرج أخذ يقوم بأداء حركات ورواية قصص لإضحاك الناس. وأثنائها قال: كنت في معركة ضد الكفار وتصاولنا، وهناك رأيت كافراً وسخاً فتقدمت نحوه ثم أخذت بلحيته وصرت أجره بحط، ثم نظر ذلك المهرج إليّ ولم يجد من هو أدنى مني وأحقر لكي يمثل هذا المشهد عليه، فتقدم نحوي وجرني من لحيتي حتى ضحك الناس كثيراً وهنا سررت كثيراً لأنني رأيت هذه النفس كم صارت حقيرة ومهانة.

الثالث: عندما كنت في فترة الشتاء وفي إحدى المناطق الباردة.
لما خرجت من منزلي بعد فترة مكوث طويلة لأقف تحت الشمس، نظرت إلى معطفي فرأيت أن القمل قد تكاثر عليه إلى درجة لم أعد قادراً على تميز القمل عن خيطانه ووبره...

إن هذه الأمور لا تنسجم مع الأخلاق الإسلامية أبداً. فالإسلام يقول: ينبغي أن نضع حداً لذلك المهرج، وأن النظافة من الإيمان. ولكن للأسف أولئك المتصوفين اعتبروا أن مثل تلك القضايا تقع تحت عنوان جهاد النفس. ولكن هذا ليس صحيحاً.

وكذلك ما نقله ابن أبي الحديد- مادحاً- إن شخصاً من مشاهير الصوفيين دعي إلى ضيافة. فذهب ولما وصل اعتذر منه المضيف. وتكررت الدعوة والذهاب عدة مرات، ولم يتوقف عن الذهاب كلما دعي (الصوفية لا يغضب ولا يضجر). فخرج المضيف بعد ذلك وذمّ الصوفي ووبخه. فقال له: "إن هذه فضيلة، فالكلب إذا دعوته يأتي وإذا لم يكن بيدك شيء يرجع".. فهذا الدرويش لم ينزعج، رغم أن كرامته قد تعرضت للإهانة، بل بالعكس اعتبر ما يفعله فضيلة.

وينقل عن "جنيد" كلام فيه أمور ليست جيدة وأمور مقبولة. فهذا يقول: لا يكون العارف عارفاً حتى يكون كالأرض يطؤه البر والفاجر... وكسحاب يُظلُ كلّ شيء. وكالمطر يسقي ما ينبت وما لا ينبت.

وإذا قارنا الجملة بما جاء في كتاب "وسائل الشيعة" تحت عنوان كراهة الظلم. فالإنسان مختار في التصرف في ماله، وشغله ويمكنه أن يطلق زوجته، ولكن حفظ ماء الوجه، وبتعبير آخر كرامة النفس ليست بيده. فهذا يعد أحد الأصول الأساسية في الأخلاق الإسلامية: حفظ الشرف وكرامة النفس..


1 لا يقصد الشهيد هنا مذهب العرفاء الشامخين، وإنما أولئك الذين كانوا أقرب للتصوف.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع