تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك" آخر الكلام: هديّة الحسين عليه السلام مع إمام زماننا: السلام عليك يا خليفة الله(*) مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف

تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب

تحقيق: نور رضا


في أيّام الثمانينيّات والتسعينيّات الخوالي، شهد جبل صافي على من خطّت دماؤهم نصراً مبيناً. كان في أعلى الجبل قبّة مقام وليّ صالح، يُطلق عليه النبيّ "صافي"، فحمل الجبل اسمه. كثيراً ما اختبأ هذا الجبل الكثيف الأشجار خلف الضباب، وخبّأ بين طيّاته سواعد كانت تضغط على الزناد، وعيوناً لم تنم لساعات وليالٍ، وأجساداً تبلَّلت بأمطار وثلوج، وعاشت صقيع الشتاء، ولهب الصيف، إلى أن كان نصيب القبّة الشهادة مع من قضى نحبه من رجال الله في يوم من أيّام الملاحم البطوليّة، التي سطّرها المجاهدون، وبقي المقام صامداً مع جبل العزّة؛ ليشهد على باقي الحكاية، التي سنقصّ يسيراً منها في جولة.

•من مقام "صافي"
انطلق مسيرنا من أعالي قمّة جبل "صافي"، حيث يطلق المجاهدون عليه "درب صافي"، برفقة مجاهد سندعوه (أبو عباس). هو مسير لكلّ مَن يودّ أن يختبر شيئاً من عناء المجاهدين ويعاين جهدهم، ولو يسيراً. ما زال المسير طريقاً للمشاة قيد الإنشاء بين مقام النبيّ صافي ومعْلَم مليتا الجهاديّ، طوله 2400 متر في الجبال وبين الأحراش، على ارتفاع نحو 1200 متر.

بدأنا المسير من المقام نزولاً، لنلقي التحيّة على أرواح عرجت إلى الملكوت الأعلى في صراع الحقّ ضدّ الباطل، ونتحسّس القليل ممّا ذاقوا من حلاوة الجهاد والنصر والعشق، وحرقة الفراق والشوق بين الأخلّاء والأصدقاء. لم أكن أحمل سوى مسجّلتي وحقيبة صغيرة فيها بعض أقراص المسكّن والمناديل الورقيّة والقليل من الماء، وأهمّ ما بحوزتي كانت عصا لأتّكئ عليها. ولكن سرعان ما بدأتُ أشعر أنّ المسير لن يكون سهلاً، وخفت أن يغلبني التعب فلا أكمل. في تلك اللحظة بالذات، ستتذكّر المجاهدين وما يحملونه من عتاد ومؤونة وسلاح في مسيرهم صعوداً ونزولاً.

•أهميّة جبل صافي
كان لجبل صافي قيمة كبيرة عند العدوّ الإسرائيليّ، تكتيكيّاً واستراتيجيّاً؛ فهو كثيف الأشجار والأحراش والصخور الكبيرة، ويكشف أجزاءً من العاصمة بيروت، وقرى جنوبيّة عديدة، بل ويجعل أجزاءً من الأراضي المحتلّة في مرمى العين، كمنطقتَي عكّا وبحيرة طبريّا، بالتالي هو حصن لبنان والجنوب، ونقطة تحكّم تمنع العدوّ الإسرائيليّ من التقدّم في أيّ لحظة، ومن خلاله كانت المقاومة تستعيد نقاطاً استراتيجيّة احتلّها العدوّ.

•الخيمة الخضراء
كان عدد من الإخوة المجاهدين يتموضعون على رأس جبل صافي في خيمة تعتبر نقطة مهمّة للانطلاق إلى وجهات مختلفة لإتمام مهامهم. وبسبب الظروف الحسّاسة في فترة الثمانينيّات، اضطُرّ بعض الإخوة إلى البقاء هناك نحو تسعة أشهر.

يقول الأخ (أبو عبّاس): "إنّ أغلب الحديث الذي سأتناوله في جولتنا هذه يمتدّ من العام 1986م إلى ما بعده. ففي أيّام الثمانينيّات، لم يكن هناك منشآت ومغارات وأنفاق، بل كان أقصى ما يمكن الاحتماء به من الأمطار أو الثلوج هو خيمة خضراء".

تبادر سؤال إلى أذهاننا: "ألم تكن تلك الخيمة مكشوفة أمام العدوّ الإسرائيليّ؟". لم يُجب المجاهد، بل تركنا نكتشف الجواب بأنفسنا. فقد كان المسير داخليّاً، ولم يكن في مرمى العدوّ ولا تحت أنظاره. كان المجاهدون يلجؤون إلى التمويه التقليديّ ويتخفّون بين الأشجار.

انطلاقاً من نقطة المقام، عبرنا الجبل ووطئت أقدامنا درباً شهد تهجّد المجاهدين ومناجاتهم ليلاً، وكدّهم وعملهم خلال الأيّام والليالي المنصرمة، فشربت الأرض من دماء الشهداء حتّى ارتوت ارتواءً لا ظمأ بعده.

•نقطة "شوار ميّاسا"
يعرف (أبو عبّاس) المسير بنقاطه السبعة. كنّا كلّما توقّفنا عند نقطة، سَرَد لنا أحداثها وأخبرنا عن شهدائها. وصلنا عند النقطة الثانية بعد نقطة صافي، فقال: "هنا نقطة شوار ميّاسا، كان يوجد فيها خيمة ثابتة يخدم فيها خمسة أو ستة مجاهدين، وهي كانت نقطة تأمين للنقطة العالية (صافي)، وشهدت على تقهقر العدوّ. ومنها شكّل المجاهدون خطّ دعم خلفيّ للنقاط الأخرى. كنّا نصعد الجبل من قرية عين بوسوار من طريق فرعيّ، في مسير لأربع أو خمس ساعات، وعتادنا ومؤننا على ظهورنا. كانت مهمّتي وبعض الرفاق في هذه النقطة رصد مواقع العدوّ الإسرائيليّ المشرفة على الجبل، وإعداد الكمائن والإسناد الخلفيّ".

•صبرٌ رغم الصعوبات
"كانت الطريق صعبة ووعرة، إذ لا ماء ولا طعام ولا سلاح فيها؛ لأنّها كانت منطقة قاحلة نائية"، يقول الأخ، ويضيف: "كنّا نضطرّ أحياناً إلى الصعود والنزول أكثر من مرّة لجلب العتاد والمؤونة. في إحدى المرّات، انقطعنا من الماء، فتذكّرتُ وجود بئر ماء على بُعد نحو الأربعئة متر، فنزلتُ مسرعاً وأحضرتُ الماء. كما كان أحد الإخوة المجاهدين يحفر في الأرض ويخبّئ غالونات الماء ويضع عليها صخرة مميّزة كعلامة لرجوع المجاهدين إليها عند الضرورة.

كان الإخوة يتميّزون بالصبر والجَلَد، والتوكّل على الله دائماً، إلى أن حملت لنا القيادة خبراً سارّاً ذات يوم: (هناك تطوّر نوعيّ سيريحكم كثيراً). لقد أحضروا لنا أربعة بغال، أطلقنا عليها اسم النقّالة، فأصبح نقل الأغراض أسرع والكميّات المنقولة أكبر".

•نقطة الـ"75"
أكملنا المسير نزولاً، وحفيف أوراق الشجر تحت أقدامنا يعزف موسيقى تحاكي الروح. كان العمّال يقومون بتعبيد المسير للمشاة وبناء بعض الأدراج التي تسهّل عمليّة النزول والصعود للوفود القادمة في المستقبل القريب. وصلنا إلى نقطة الخمسة والسبعين، أكمل (أبو عبّاس) الشرح: "هي نقطة خلفيّة حسّاسة ومهمّة، ونقطة رصد وإسناد خلفيّ، تكشف مواقع عدّة، منها: موقع بصليا وصيدون والرمّانة، وأيّ تحرّك للعدوّ الإسرائيليّ من تلك المناطق كان واضحاً أمام المجاهدين. من على هذه النقطة، كان مجاهدو المقاومة يرمون طلقات الدوشكا على العدوّ ومشاته، ويجبرون مروحيّاته على التراجع".

•معسكر الشهيد أبو رائد
معسكر الشهيد أبو رائد هو محطّتنا الآن. وهو نقطة الشوار أو ما كان يُعرف بنقطة 28. فقد كان الشهيد أبو رائد (علي حجازي) من طلائع المجاهدين في هذا المحور، والمؤثرين في إخوانهم. كان يعمل في قسم الاستطلاع وهندسة العبوات. يقول الحاج أبو عبّاس: "في العام 1986م، قامت مجموعات المقاومة بالاستطلاع والرصد وجمع المعلومات لمدّة 12 يوماً، ثمّ انطلقت لتنفيذ عمليّة ضخمة، كانت ذات صدى في مجتمع المقاومة. كان الشهيد القائد أبو رائد من المشاركين البارزين فيها، وكان لديه مجموعة تتبعه أينما ذهب، منهم الشهداء كريم عطوي، وأيمن بعلبكي، ومصطفى أحمد خليفة، وأبو مهدي الجزّار. كانت هذه المجموعة ثابتة وتمتلك شجاعة لافتة، فإن قال لهم: ارموا بأنفسكم إلى الموت، فعلوا. عندما استشهد أبو رائد، قال أيمن: أنا لن أطيق تحمُّل هذه الدنيا بعد فراق أبو رائد. كان قد ترك فيهم أثراً طيّباً جدّاً". وأمّا نقطة ميّاسا فكانت أيضاً منطقة رصد مهمّة تكشف مواقع مثل سجد وبئر كلّاب وكسّارة العروش، وهي مواقع كان يحتلّها اللحديّون. يشير (أبو عبّاس) بيده ويقول: "من بعد تلك الأشجار هناك، توجد نقطة خطّ التماس بيننا وبين العدوّ الإسرائيليّ. وقد استشهد عدد من الإخوة في مواجهات مباشرة هناك. وكان بجانب تلك الدشمة المقابلة للعدوّ مربض رشاش 14 ونصف يُستخدم لتأمين الانسحاب أو الهجوم".

•غرفة عمليّات السيّد عبّاس
تقدّمنا قليلاً تحت الأشجار المتشابكة، لنكتشف مجموعة من الأحجار الكبيرة المصطفّة بشكل نصف دائريّ، وقاعها منخفض قليلاً عن الأرض، مخفيةً بالأشجار الكثيفة حولها. شرح (أبو عبّاس) مهمتها: "حضر إلى هذا المكان عام 1986م، قادة حزب الله من بينهم: السيّد عبّاس الموسويّ (رضوان الله تعالى عليه). ومن هذه الدشمة بالتحديد، قاد عمليّة سُجُد النوعيّة. حيث بدأت المجموعات بالتحرّك إلى أن وصلت إلى تخوم المواجهة عند الفجر، فأعطى السيّد عبّاس النداء بالهجوم على موقع سُجد، وتمّ بالتزامن مع ذلك توجيه ضربات للمواقع كلّها، وكان عدد المشاركين في تلك العملية لا يقلّ عن 200 مجاهد".

•المحطّتان الأخيرتان
تنتهي الرحلة عندما تصل إلى النقطتين الأخيرتين: نقطة الإشارة، ونقطة الحسين عليه السلام. كانت نقطة الإشارة صعبة وقاسية بتعبير (أبو عبّاس)، وكان يوضع فيها المتاع والعتاد ليأتي بعض الإخوة من النقاط العليا ويأخذوها. فمن نقطة الإشارة إلى نقطة صافي كان المجاهدون يقطعون نحو 2000 متر صعوداً، ويبقى عليك أن تتخيل المنعطفات ورؤوس الصخور التي لن ترحم قدمك، ومكامن الانزلاقات الخطرة جراء الأوراق اليابسة التي تتآمر على السائر الزائر الذي يطوي المسافة صيفاً، فيما كانوا هم يطونها في كل المواسم وتحت الأمطار. أما نقطة الحسين عليه السلام، فهي في سفح الجبل الذي طوينا فيه الرحلة على الأقدام لنصل إلى معلم مليتا السياحيّ. هي نقطة تشرح نفسها بنفسها؛ إذ كانت العمليّات تنطلق من هناك بنداء: "يا حسين".

•أعنف المواجهات
عن الثمانينيّات أيضاً يقول (أبو عبّاس): "شهدت المنطقة مواجهات عدّة مع اللحديّين الذين كانوا في جزّين من عام 1986م إلى 1988م.

في العام 1987م، حدث هجوم ضخم من اللحديّين مع إسناد ناريّ للعدوّ الإسرائيليّ استخدم فيه القذائف والطيران الحربيّ والقصف المدفعيّ لتأمين غطاء ناريّ واسع جدّاً، وتقدّم إلى المنطقة معتقداً أنّها خالية، لكنّهم فوجئوا بأنّ الشباب بالمرصاد، وحدثت اشتباكات قويّة، فلم يستطع اللحديّون التقدّم وانكفؤوا مجدّداً.

أمّا في العام 1988م، فكان الهجوم أشرس وأوسع، حيث استخدم فيه العدوّ الإسرائيليّ آليّات ثقيلة وقوّات مشاة مع قصف مدفعيّ وقصف طيران، إلّا أنّ الآليّة المدمّرة التي لا تزال على طريق اللويزة، تشهد على فشل العدوّ وهزيمته".

•قصص الشتاء ورسول السماء
للشتاء قصص من نوع خاصّ، فقد كان المجاهدون يحرسون ويرصدون تحت المطر والثلوج أيّاماً متواصلة. وقد يمثّل تشابك الأشجار وتشابه التلال عقبةً في حفظ طريق عودة المجاهدين؛ لذلك كانوا يضعون ثلاث أو أربع قطع من الحجارة بشكل عمودي فوق بعضها لتكون علامة على "أنّنا سلكنا هذا الطريق". ويتابع (أبو عبّاس): "بعض الإخوان كان عنده ذكاء جغرافيّ فكان يحفظ الطرق بدقّة وسرعة". أمّا عن الضباب، فيحدّثنا (أبو عبّاس) متنهّداً: "لقد كان الساترَ لنا في كثير من الأحيان، إذ كان يتشكّل الضباب (الغطيطة) في وقت حرج جدّاً وكأنّه رسول من السماء؛ ليتّخذه المجاهدون ساتراً ويتحرّكوا بسرعة لنقل الطعام والماء والسلاح، ويعودوا إلى مواقعهم قبل أن تعود السماء لصفائها".

•أحياء يُرزقون
وكما بدأ الحاج (أبو عبّاس) كلامه، ينهي بالقول: "إنّ رجال صافي كما رجال الرفيع ومليتا ورجال المقاومة كلّهم، هم مجاهدون منتظرون، أو شهداء أحياء عند ربّهم يُرزقون، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69)".

كان ما اختبرناه في هذا المسير الشاق والصعب، نقطةً في بحر جهدهم وتضحياتهم، فسلام الله على المجاهدين والشهداء.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع