تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك" آخر الكلام: هديّة الحسين عليه السلام مع إمام زماننا: السلام عليك يا خليفة الله(*) مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف

قصة: تلك الليلة الثلجيّة

عن لسان صديق الشهيد محمّد ياسر السبلاني(*)
رقيّة كريمي



لا أعرف لماذا، ولكن في تلك الليلة لم أستطِع أن أنام. ربّما كنتُ مشتاقاً إلى أسرتي. كم كنت أودُّ أن أكون الآن في غرفتي تحت بطّانيّتي الدافئة. ولكن هنا، في المنطقة العسكريّة، لا تستطيع أن تنام بسهولة من شدّة البرد والتعب من جهة، ولأنّ العدوّ قد يُنزل على رأسك البلاء من جهة ثانية.

أمضيتُ يوماً صعباً. لست أنا فقط، بل ورفاقي كلّهم. سيلٌ من الأفكار كان يجتاح رأسي ويسرق منّي النوم. لم أعرف متى غفوت. كلّ ما أعرفه أنّني لم أنم طويلاً. للحظة سمعت صوت أقدام تمشي بهدوء. فتح الباب، وخرج من الغرفة بهدوء. وبعد دقائق رجع إلى الغرفة. كان يحاول ألّا يوقظني. كان يرتجف من البرد، وبدا واضحاً أنّه قد توضّأ. كم كنت أودُّ أن أكون مكانه، ولكنّ الفرق بين ما نحبّ وما نستطيع يكون كبيراً أحياناً. هل كنتُ سأستطيع أن أترك فراشي الدافئ بسهولة؟ كنتُ أسمع صوت اصطكاك أسنانه من البرد. كان بقائي تحت البطّانيّة أحَبَّ شيء إليّ في ذلك الطقس، مع أنّني كنتُ أشمّ رائحة التراب الذي غطّى البطّانيّة. كم كنت أكره هذه الرائحة! رحتُ أفكّر: أيّ إرادة تلك التي تستطيع أن تجعله ينهض من الفراش في هذا البرد القارس؟ كنت أسمع صوته الهادئ. بدأ بصلاة الليل. لا أعرف ما حدث لي في تلك الليلة. حين أنهى، جلستُ وبدأت أنظر إليه. رأى بريق عينيّ في الظلام، فابتسم وحكّ جلدة شعره الناعم وقال: "لِمَ لمْ تنم؟".

قلتُ معترضاً: "وهل سمحتَ لي أن أنام؟ كلّ ليلة تصلّي صلاة الليل. لا خير في صلاة ليل تمنع غيرك من أن ينام. صوت خطواتك، صوت الباب، تذهب وتأتي، لا تسمح لي بأن أنام". قلت هذا بغضب، وعدتُ إلى النوم من جديد، واضعاً رأسي تحت البطّانيّة. ألوم نفسي. لماذا سكبتُ غضبي عليه مرّة واحدة؟ وكنتُ أعرف أنّه لم يكن السبب في عدم قدرتي على النوم، ولكنّني شعرتُ بأنّني أبحث عن أحد لأصُبَّ عليه جام غضبي. سمعت صوته الضعيف فقط: "آسف، لم أكن أعلم". لم أجبه، ولم أعرف متى غفوت.

في الليلة التالية، استيقظتُ من شدّة البرد. لم أكن أريد أن أنهض من فراشي. نظرتُ إلى الجانب الآخر من الغرفة، إلى المكان الذي ينام هو فيه دائماً. لم أَرَه. تذمّرتُ بهدوء: "ذهب ليتوضّأ. كلّ ليلة يصلّي صلاة الليل. إن استمرّ هكذا، سيحتلّ نصف الجنّة وحده!".

حاولتُ أن أعود إلى النوم، فلم أستطع. نظرتُ إلى ساعتي. أكثر من عشر دقائق وهو لم يعد بعد. خفتُ للحظة. ربّما وقع في مشكلة. كان يتوضّأ بسرعة دائماً. حتّى الآن لم يعد، وأنا لم أسمع صوت قدميه هذه المرّة، ولا أعلم كيف فتح الباب. كيف لم أسمع شيئاً؟ هل عبر مثل الأرواح من خلال الجدار؟ كيف خرج من الغرفة دون أيّ صوت؟ لماذا لم يرجع؟ لم أكن أودُّ أن أترك فراشي. كانت ليلة باردة جدّاً، ولم يكن هناك مدفأة، وكان البرد يتسلّل من النافذة المكسورة إلى الغرفة. حاولت أن أنام، وقلتُ في نفسي: "لا بأس.. سيعود".

لم أستطِع. فتحتُ عينيّ وقمتُ من مكاني بصعوبة، مصطحباً معي البطّانيّة وأنا أشدّها. أمسكتُ سلاحي ونظرتُ من الشبّاك بدقّة. في البداية لم أعرف أنّه هو. نظرتُ من جديد، عرفته. لم أفهم ماذا كان يفعل في الخارج؟ رأيته يركع. فهمتُ أنّه يصلّي في الظلام، تحت الثلج وفوقه، بينما أنا لم أكن أستطيع أن أتخلّى عن البطّانيّة القديمة تلك. كان يرتجف من البرد، والثلج يتساقط على رأسه مثل أزهار الربيع. لم أتمالك نفسي عندما رأيته يضع رأسه على الأرض ساجداً مرتعداً من البرد في الظلام الدامس. أخفيت رأسي في البطّانيّة القديمة. ملأتْ رائحة التراب كلّ أنفي، وأجهشتُ بالبكاء!


(*) استشهد في القصير، بتاريخ: 20-5-2013م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع