تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك" آخر الكلام: هديّة الحسين عليه السلام مع إمام زماننا: السلام عليك يا خليفة الله(*) مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف

حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك"

(الشهيد علي محمود طه)
زينب صالح


من رحم السماء نبت فوق أديم الأرض، ليكوّن صورة حبٍّ وأنس عن شابٍّ كعصافير الربيع، يطرب القلوب بعذب ألحانه، حتّى إذا آن صباح الهجرة، عاد إلى الجنّة مكلّلاً بتاج دمه وزهر شبابه.

هو الشهيد علي محمود طه، ذاك الذي واجه العدوّ الإسرائيليّ بدمٍ بارد وأعصاب هادئة، لحظات التحام البنادق بالدماء، في حرب 1993م، حتّى سَرَت الطمأنينة في نفوس أقرانه المجاهدين، وهو يبتسم ويقول لهم: "العدوّ الإسرائيليّ ما بدو أكتر من هيك.. العدوّ الإسرائيليّ أضعف من هيك..".

•هديّةٌ للإمام الحسين عليه السلام
منذ أن وضَعَتْه، تعلّق قلبها به، بروحه الهادئة وملامحه البريئة، حال جميع الأمّهات اللواتي يجدن في أطفالهنّ السلوى والأمل والحياة. وذات مرّةٍ، كانت أمّ عليّ تستمع إلى مجلس عزاء، ذُكرت فيه مصائب بنات الإمام الحسين عليه السلام، وعليٌّ كان طفلاً صغيراً في حجرها، وفي أثناء المجلس، وبحركة لا شعوريَّة، حملت ولدها الرضيع ورفعته إلى السماء قائلة: "ولدي عليّ، أغلى ما أملك، هو هديّة منّي إلى الإمام الحسين عليه السلام.. تقبّل منّي يا ربّ..".

•"واللهِ يا عمّ..."
انضمّ عليّ إلى صفوف المقاومة قبل التحرير، في أوّل شبابه، قبل أن يتمّ العشرين من عمره. ولأنّ أهله كانوا يخافون عليه كثيراً، ويرغبون في أن يتزوّج ويستقرّ، أرسلوه ليعمل في السعوديّة مع أقاربه.

سافر عليّ إلى هناك، فحظي بمحبّة الجميع، من بينهم كفيله القانونيّ السعوديّ الذي كان تاجراً للألماس. رغب هذا التاجر في تزويج عليّ من ابنته، وأعطاه هديّة جواز سفر بختم "تاجر ألماس"، حتّى يتمكّن من السفر إلى جميع أنحاء العالم، لكنّ عليّاً رفض هذه العروض جميعاً.

كان عليّ متواضعاً، يجمع العُمّال ويقيم لهم المحاضرات التي تحثّهم على التديّن، ويقرّب الشيعة منهم إلى الدين.

بعد مدّة، عاد عليّ إلى لبنان، إلى حيث يحبّ، لينضمّ مجدّداً إلى صفوف المقاومين وهو يقول: "لو لم تكن المقاومة في بلدي، لذهبتُ إليها أينما كانت".

•مع الشيخ بهجت قدس سره
بعد عودته إلى لبنان، سافر إلى إيران ليلتحق بدورة تدريبيّة، وهناك، وعَدَه صديق إيرانيّ بأن يصطحبه ليصلّيا الصبح خلف شيخٍ "عرفانيّ وطاهر، ويرى الأشخاص على حقيقتهم"، على حدّ تعبير الصديق.

ذهب عليّ مع صديقه في اليوم الموعود، وهو خجل من نفسه، وخائف من أن يراه الشيخ "على حقيقته؛ لأنّه ملطّخ بالذنوب"، كما يرى نفسه.

"صلّيتُ صلاةً لا مثيل لها، شعرتُ بخشوعٍ كبيرٍ ورهبةٍ عظيمةٍ وأنا أقف بين الجموع في حضرة الشيخ بهجت. عندما فرغنا من الصلاة، طلبتُ من صديقي أن يعطي القرآن الصغير الذي أحمله للشيخ، ويسأله أن يستخير لي استخارةً معيّنة، لكن عندما اقتربنا منه، نظر فوراً إلى صديقي وقال له من دون أن ننطق بكلمة: "لا أعرف القراءة في القرآن الذي تحمله"! فوجئنا، إذ كيف عرف الشيخ بهجت ما ننوي قوله؟! خبّأتُ نفسي خلف صديقي كي لا يراني الشيخ، لكنّه اقترب منّي، وهمس في أذني ببضع كلمات". توقّف عليّ عن الكلام، وقام من مكانه، تبعته أخته الصغرى (التي روت لنا الحادثة)، ورجته أن ينقل إليها كلام الشيخ بهجت، فأخذ منها عهداً بألّا تخبر أحداً، وقال لها: "هَمَسَ الشيخ في أذني: إنّي يا ولدي أرى نور الشهادة بين عينيك"!

•عليّ و"أمّ جورج"
كان ثمّة عائلة مسيحيّة تعيش في الحيّ الذي يسكنه الشهيد عليّ وعائلته. وكان عليّ يزور المرأة، ويطلب من إخوته اللعب مع أبنائها، حتّى صارت أمّ جورج تحبّه كثيراً، وتقرأ سورة مريم، بعدما حكى لها عنها، وتضع قطعة قماش على رأسها عندما تمشي في الحارة، احتراماً له إذا رأته.

وعندما استشهد عليّ، تأثّرت أمّ جورج كثيراً بشهادته وبكت عليه؛ لأنّه ترك انطباعاً حسناً في نفسها وروحها وذاكرتها.

•ما سرُّ هذا البكاء المرّ؟
ذات مرّة، كانت أمّ الشهيد عليّ تزور قبر ولدها، فرأت شابّاً في مقتبل العمر، لم يتمّ العشرين، يبكي فوق ضريحه بكاءً مرّاً. تأثّرت لدموعه، وسألته: "ما قصّتك يا ولدي؟ هل كنت تعرف ابني؟". فأجابها: "لقد كنتُ في دورة تدريبيّة، عندما التقيتُ بالشهيد عليّ. وهناك، كان الطعام يسيراً وبسيطاً، فكنت أشعر بالجوع، وعندما لاحظ الشهيد عليّ ذلك، بدأ بالصيام، دون أن يخبر أحداً، فصار يأتيني بطعامه اليسير، كي أشبع، ويفطر هو على القليل القليل من طعام العشاء الذي كانوا يحضرونه لنا. لقد صام الشهيد قرابة الأربعين يوماً كي لا أشعر أنا بالجوع". ثمّ أضاف: "وذات مرّة، أعطوا لكلّ واحدٍ منّا غطاءً واحداً، وكان البرد قارساً، فصرتُ أرتجف، اقترب منّي الشهيد عليّ وقال لي: (أنا أشعر بالبرد أيضاً، فما رأيك لو ننام قرب بعضنا بعضاً، ونضع غطائي فوق غطائك كي نشعر بالدفء؟). إنّني متأكّد من أنّ الشهيد لم يكن يشعر بالبرد حينها، وإنّما فعل ذلك كي يدفئني". وبقي الشهيد غسّان يزور قبر صديقه عليّ، حتّى استشهاده.

•"كان يحاسب نفسه ساعة بساعة"
"عندما استشهد عليّ، وجدنا مجموعةً كبيرةً من الأوراق، كان يكتب عليها مذكّراته، وممّا جاء فيها: (أنا اليوم لم أُوفّق لصلاة النوافل، فقضيتها. في الساعة السابعة فعلتُ كذا، وفي الساعة الثامنة فكّرتُ في كذا..). لقد كان يحاسب نفسه ساعةً بساعة، ويواظب على صلاة الإحدى والخمسين ركعةً كلّ يوم. وعرفنا من هذه الأوراق أنّه قد صام ثلاثة أشهر متتالية".

•ما هو "الإخلاص"؟
عندما جاء عليّ من إيران، صارت أخته تسأله عن العرفان والعرفاء، وعن الكتب التي يقرأها. وذات مرّة وقع نظرها على كلمة "الإخلاص"، فسألته عن معناها، فأجابها: "الإخلاص هو أن تعملي دون أن تبتغي الأجرَين؛ أي لا تبتغي أجراً في الدنيا، ولا أجراً في الآخرة".

•هديّة خاصّة لعيد الأمّ
تقول أخت الشهيد: "كنّا صغاراً، ذات يوم كنّا نتحدّث عن الهديّة التي سوف نحضرها لأمّي في عيد الأمّ، فاتّفقنا على شراء عباءةٍ لها، من مصروفنا الخاصّ. عندما سألنا عليّاً عن رأيه قال: هديّتي لها مختلفة، فأنا سوف أعدها بأنّني سأقرأ لها القرآن كلّ يوم على قبرها بعد وفاتها".

•"عطّلوا الجمعة بدل الأحد"
في الحيّ الذي سكنه الشهيد عليّ، كان هناك معمل، وكان العمّال يعطّلون يوم الأحد، ويشتغلون يوم الجمعة، فصار يحدّثهم عن أهميّة الصلاة في المسجد نهار الجمعة، واستحباب التفرّغ للعبادة في هذا النهار، ثمّ سأل صاحب المعمل عن إمكانيّة استبدال الأحد بالجمعة، فقال له: "لا مانع لديّ، اسأل العمّال". سأل عليّ العمّال فوافقوا، وصاروا يتفرّغون يوم الجمعة للذهاب إلى المسجد.

•سأُزفّ عريساً يوم السبت
تتحدّث أخت الشهيد عن العلاقة الجميلة التي ربطت الشهيد عليّ بخطيبته، وكم كان يحبّها، ومدى سعادته لأنّه سيتزوج عمّا قريب. "استأجر عليّ قبل شهادته منزلاً متواضعاً جدّاً في حيّ السلّم، ببدل إيجار بسيط، لا يتجاوز المئة دولار، ووضع فيه أثاثاً بسيطاً أيضاً وزهيد الثمن، ثمّ جاءنا يوم الاثنين وقال فرحاً: (سأُزفُّ عريساً يوم السبت). فرحنا جميعاً، وركضنا إليه نعانقه ونقبّله ونضمّه ونشمّه؛ إذ إنّ ابتسامته وبهجته غمرتانا جميعاً بالبهجة والسرور.

وفي اليوم التالي؛ أي يوم الثلاثاء، دخل علينا، قمتُ وقبّلته وقلتُ له: (ما هذه الرائحة الطيّبة يا أخي؟)، فأجاب بابتسامة: (إنّها رائحة الجنّة). سألناه أن يجلس كي نضع له طعاماً، فقال: (أنا ذاهب)...

فهمنا أنّه متّجه إلى الجنوب، فتعلّقنا به، وذكّرته أمّي بعرسه، فوعدها أن يؤجّل مشواره كي لا تقلق عليه، لكنّه قبّلنا جميعاً وعانقنا، وذهب إلى أرض المعركة، أثناء معركة الأيّام السبعة.

يوم الخميس فجراً، رأيت في منامي أنّ سقف البيت قد تهاوى. استيقظتُ مذعورةً، وأخبرتُ أمّي، وجلسنا ننتظر، فجاءنا خبر استشهاده.

ويوم السبت؛ أي في الموعد الذي كان قد حدّده لعرسه، زففنا عليّاً، لا عريساً إلى محبوبته، بل شهيداً إلى مثوى عشقه الأبديّ، هناك حيث غفا بسلامٍ وطمأنينةٍ فوق وسادة مبتغاه ومناه".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع