تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك" آخر الكلام: هديّة الحسين عليه السلام مع إمام زماننا: السلام عليك يا خليفة الله(*) مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف

مع إمام زماننا: السلام عليك يا خليفة الله(*)

آية الله الشيخ عبد الله جوادي الآملي

 



إنّ الحديث عن موجودٍ موعودٍ خفيّ عن أنظار الناس أمرٌ يصعب فهمه إلّا لأهل التدبّر والبصيرة. ولهذا السبب كان هذا الأمر مدعاةً إلى طرح جملة من التساؤلات أو الشبهات، ومن أهمّها: ما المانع من أن لا يكون هذا الإمام موجوداً، يظهره الله إلى الوجود فيما بعد؟ وعليه، فلا حاجةَ إلى القول بإمامٍ موجودٍ غائبٍ عن الأنظار، وإلى التحسّر على غيابه. كما أنّ انتظار حصول ولادته ووجوده في آخر الزمان يكفيان لضمان الأهداف والغايات المنشودة(1). فما الجواب عن هذه الشبهة؟ وما هي غايات وجوده عجل الله تعالى فرجه الشريف؟ وكيف نستدلّ عليه؟

•المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف واسطةِ النِعَم
إنّ الجواب عن الشبهة المذكورة المحفوفة بظلمات الشكّ حول ضرورة وجود إمام موعودٍ، مع أنّه نور ساطع كالشمس التي لا يختلف حول وجودها اثنان، هو أن يُقال: إنّ للإمام، مضافاً إلى القيادة والزعامة السياسيّة، شؤوناً عدّة؛ إذ الأئمّة هم واسطة النعم السماويّة والأرضيّة، وهذه الذوات المقدّسة مظهر أسماء الله، وبإذن الله تنال السموات والأرض هويّتها عبر ولاية أهل البيت عليهم السلام؛ ﴿يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ (البقرة: 33)، و﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (فاطر: 41)، و"بكم فتح الله وبكم يختم"(2). وهذه الشؤون تقضي بالضرورة أن يكون الإمام موجوداً حيّاً حاضراً.

عن أمير المؤمنين عليه السلام في دعاء كميل: "وبأسمائك التي ملأت أركانَ كلِّ شيء"(3)، وعن إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف في دعائه الشريف، في ضمن أعمال شهر رجب: "فبهم ملأت سماءك وأرضك"(4).

•عقيدة المهدويّة: سرّ استمرار التشيّع
نقل الأستاذ العلّامة آية الله السيّد محمّد حسين الطباطبائي قدس سره عن البروفسور هنري كوربان أنّه قال: حين ألقيتُ خطابي بجامعة السوربون في فرنسا ضمن ندوة حول الأديان، ذكرتُ أنّ من بين جميع الأديان والمذاهب تختصّ مدرسة التشيّع بالحياة والحيويّة، ما يكون لها قابليّة البقاء والدوام والعرض على البشريّة؛ أي أنّ الشيعة يعتقدون بأنّ علاقة الإنسان مع الله لا تنقطع مطلقاً، كما أنّ الإنسان الكامل موجودٌ حيٌّ بين ظهرانيهم، أعني: وليّ الله المطلق، وواسطة الفيض بين الخلق والخالق. وهذا الوليّ الإلهيّ الأعظم إنسان حيّ حاضرٌ ينتظر العالم ظهوره؛ ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً. وقد نالت هذه الملاحظة إعجاب كبار الباحثين وعلماء الأديان والمذاهب وتقديرهم.

ومن ملازمات حياته وحضوره جملة من النكات أو الصفات التي نزوره بها، مثل: "السلام عليك يا خليفة الله"، وهو مقامٌ فيه كلام.

•حقيقة الخلافة الإلهيّة
إذا كان الإنسان وليّ الله في الأرض وبقيّته، صدق عليه لقب خليفة الله عجل الله تعالى فرجه الشريف. والخليفة من مادّة خَلْف بمعنى: وراء وعقب(5)؛ فإنّ من يأخذ مكان المستخلِف وينوبه في القيام بمهامّه حال غيبته يسمّى خليفة الفرد الغائب. وأمّا من لم يكن غائباً وكان محيطاً بكلّ شيء وكان له حضورٌ دائم في جميع الأحوال، فإمّا: أن لا يكون له خليفة، وإمّا أن يكون لخليفته معنى آخر، باعتبار ما نعهده من خصائص الخليفة عن غائب هو بحسب ما نعتاده من مفهوم الخلافة بين الناس وليس حقيقة الخلافة.

صرّح القرآن الكريم بأنّ الإنسان خليفة الله في أرضه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30)؛ وهذا عامّ. أضف إلى ذلك أنّه ورد عنهم عليهم السلام أنّ الزائر يُسلّم عليهم بعنوان كونهم خلفاء الله: "السلام عليك يا خليفة الله"(6)؛ وهذا قيد خاصّ. وعليه، يكون لخلافة الحقّ تعالى معنى آخر أو مستوى آخر غير ما نعهده في الناس. والسرّ فيه: أنّ للإنسان الكامل مقاماً شامخاً؛ لأنّه المظهر الأتمّ لأسماء الله الحسنى، والمرآة الأبرز لمظاهر الذات الإلهيّة المقدّسة: "ما لله عزّ وجلّ آيةٌ هي أكبر منّي"(7).

وهذه الخلافة بمعنى: أنّ صفات الله تعالى كلّها (المطلقة والأزليّة)، تظهر في الإنسان الكامل لكن بشكل تبعيّ ومحدود؛ لأنّه مرآة وليس أصلاً لهذه الكمالات، فيكون مظهراً لقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (الحديد: 3) وهو الذي قيل في شأنه: "لا فرق بينك وبينهم إلّا أنّهم عبادك وخلقك"(8). فيكون معنى خلافة الإنسان الكامل لله تعالى: أهليّة العبد لخلافة الحقّ الكامل بالذات والتامّ على الإطلاق والجميل المطلق. فتظهر به كمالاته على وجه التبعيّة.

•ضرورة معرفة المستخلِف
لمّا كان الرسول خليفة الله، كانت معرفة الخليفة من دون معرفة المستخلِف عنه غير ممكنة؛ لأنّ أساس الخلافة إنّما يضمنه علم وإرادة المستخلِف. وعليه، فمن لا يعرف المستخلِف للرسول (أي: الذات الإلهيّة المقدّسة)، لن يعرف خليفته الذي هو الرسول، ومن لم يعرف الرسول، لن يصل إلى معرفة خليفة الرسول؛ أي: الإمام: "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهليّة"(9). ومنه انقدح سرّ ما أفاده الإمام الصادق عليه السلام لمن أدرك عصر الغيبة أن يدعو بهذا الدعاء: "اللهمّ عرّفني حجّتك؛ فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك ضللتُ عن ديني"(10).


(*) مقتبس من كتاب الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف - الموجود الموعود، آية الله الشيخ عبد الله الجوادي الآملي، الفصل الثالث.
1.راجع: شرح القوشجي، ص474.
2.البلد الأمين، ابن طاووس، ص302.
3.(م.ن)، ص188.
4.إقبال الأعمال، ابن طاووس، ص145.
5.المصباح المنير، ص178، مادّة (خلف).
6.الكافي، الكليني، ج4، ص570.
7.(م.ن)، ج1، ص207.
8.إقبال الأعمال، (م.س)، ص145.
9.بحار الأنوار، المجلسي، ج8، ص369.
10.الكافي، (م.س)، ج1، ص337.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع