مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

أغلى خدمة للناس

الشيخ أحمد وهبي(*)

 



قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ... (البقرة: 30). لقد كان الظلم وما زال مشكلة البشرية منذ بداية خلقها حتى نهايته، وهذا ما أخبرت به الملائكة قبل خلق الإنسان، وهذا ما بدأ به هابيل وقابيل حياة البشرية، فقتل قابيل هابيل.

* العقل قيمة الوجود الإنساني:
فالإنسان ذلك المخلوق من تراب وماء ومن غضب وشهوة ووهم وعقل، قد يغلب غضبه وشهوته على عقله عند التعارض بين رغبته ورغبة غيره، فينطلق نحو شهوته ويستخدم غضبه ليغلب خصمه أو ليدفع كل الموانع بينه وبين شهوته ظلماً وبغير حق فيقع الظلم، ويقع النزاع والقتال وسفك الدماء، وتسود الحيوانية وقوانينها. وهذا ديدن أغلب البشر وطبعهم، فهو يغلب عقلهم وينساقون مع شهواتهم، لذلك قال سبحانه: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (المائدة: 103) وأكثرهم يغلبهم الغضب ويقودهم حتى إلى قتل الصالحين والأنبياء، لذلك قال عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (الأحزاب: 72). ولولا وجود بعض البشر الأقلة الذين حافظوا على إنسانيتهم وقادتهم عقولهم نحو الله عزَّ وجلَّ وسبل الصلاح، "العقل ما عرف به الرحمن واكتسب به الجنان"(1)، لما كان لهذا الوجود الإنساني قيمة ولا حكمة من وجوده، ولكن هؤلاء هم الذين حققوا الحكمة الإلهية من الخلق وتحققت بهم، فاستحق الوجود الإنساني الخلق والاستمرار، واستحق غيرهم بفضل وجودهم أن ينالوا نعمة الوجود العظمى والكبرى، واستحق هذا الوجود الإنساني الذي يمثله آدم عليه السلام السجود بأمر الله من قبل الملائكة والجن، حيث قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ... (البقرة: 34).

* الخلق على أساس الرحمة والعدل:
الله سبحانه لم يخلق الخلق للظلم والقتل وسفك الدماء، بل خلقهم لأجل الرحمة وعلى أساس الرحمة، فأول آية أنزلها (بسم الله الرحمن الرحيم) وقال عزَّ وجلَّ: ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (هود: 119). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ (النحل: 90). لذلك، لم يكن عزَّ وجلَّ ليترك الخلق على ظلمهم، فأرسل الأنبياء "ليثيروا لهم دفائن العقول"(2) وليدلوهم على طاعة الله، وليواجهوا الظالمين ولينصروا المستضعفين، قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ... (آل عمران: 146) وقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا (النساء: 75). فأمر أنبياءه وعباده الصالحين بمواجهة الظلم والظالمين وإقامة العدل في المجتمعات الإنسانية، فأول من قاتل كما في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وآله إبراهيم، حيث أسرت الروم لوطاً عليه السلام فنفر واستنقذه من أيديهم. وأذن الله للمظلومين كما أذن للأنبياء والصالحين، أن يدافعوا عن أنفسهم ويواجهوا من ظلمهم، دون عدوان وظلم مقابل ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ... (الحج: 39 40)، ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا... (البقرة: 190). فاعتبر سبحانه القتال في مواجهة الظالمين سبيل الله واعتبر الاقتصاص من المعتدي حجة وحياة للمجتمع والبشرية، ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَاب (البقرة: 179) وكذلك اعتبره رفعاً ودفعاً للفساد والفتن ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ (البقرة: 193).

* الظلم قاتل إنسانية الإنسان:
الإنسانية تساوي العقل، والعقل يساوي الاختبار والحرية ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (الإنسان: 3) ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (البقرة: 256). وعليه، يكون الظلم قهراً للإنسان وسلباً لحريته وإنسانيته. فمن ظلم الإنسان أو قتله، فقد سلب الإنسانية وتجرأ عليها وقتل الإنسانية التي يحملها. لذلك، ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا (المائدة: 32) لأن المشترك بين الإنسان والآخر هو الإنسانية. لذلك من تجرأ على قتل الإنسانية في إنسان واحد، فلن تختلف بالنسبة إليه إنسانية الإنسان الآخر. وفي الظلم يعيش الإنسان خارج ذاته وإنسانيته ولا يستطيع أن يعيشها. لذلك، تترافق مع الظلم كل أنواع المفاسد والشرور، ففي الحديث "الظلم أم الرذائل"(3) و"ظلم الضعيف أفحش الظلم"(4) ولا تتوقف عند حدٍّ معين، فتصل إلى قتل الأنبياء واستعباد الآخرين.

* الجهاد أفضل خدمة:
من هنا، كان أمر الله بالجهاد والاقتصاص من الظالم لا يتنافى مع الرحمة والعدل، بل هو عين الرحمة والعدل. فمن قتل إنساناً لن يميز بين إنسان وآخر، لاشتراكهما بالإنسانية وتجرؤه على الإنسانية. وعليه، يكون الجهاد حاجة إنسانية، ولكنها ليست حاجة أولية، بل حاجة ثانوية عند وجود الظلم، لأن مع وجود الظالم المعتدي، يكون المجتمع كله مهدداً بوجوده واستمراريته، وسلامته وأمانه وأمنه الاقتصادي والثقافي، وبنظامه وأخلاقياته. وبالمقابل، الجهاد صون لإنسانية المجتمع وحفظها، وإعادة للظالم إلى إنسانيته إذا عاد عن ظلمه، وإصلاح للإنسان والمجتمع في جميع الجوانب، وإعادة للتوازن الاجتماعي بين أفراد المجتمع، ومنع للجموح والإفراط في استخدام القوة وغريزة الغضب الحيوانية. لأجل ذلك كله، يكون الجهاد بالنسبة للبشرية والإنسانية أفضل خدمة، بل هو خدمة جامعة، بل هو أعلى وأنبل خدمة. لذلك، جاء في الحديث عن أمير المؤمنين علي بن طالب عليه السلام: "أحسن العدل نصرة المظلوم"(5). وعن الإمام الصادق عليه السلام: "ما من مؤمنٍ يعين مؤمناً مظلوماً، إلا كان أفضل من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام"(6). بل إن من لم يقف بوجه الظالم ولم ينصر المظلومين، يعد من الظالمين؛ فالظالم ثلاثة: الظالم والساكت على الظلم، والمعين عليه. قد تكون الخدمة للآخرين ببذل الطاقة والسعي في حوائجهم، وقد تكون ببذل المال لهم وسد حاجاتهم الاقتصادية، إلا أن الجهاد هو خدمة تجمع جميع ذلك وتزيد عليه، فهي بذل للطاقة، بل بذل مضنٍ، وبذل للمال، ويزيد على ذلك بأنه هجرة للأهل والولد، وبذل للدم والنفس التي هي أغلى ما لدى الإنسان، فهو بذل للنفس وإماتة لها من أجل بقاء وإحياء حياة الآخرين، وتحقيق حريتهم وإنسانيتهم، واشعارهم بها، وتأمين أمنهم وكرامتهم وسعادتهم، فهل من برٍّ وقضاء حاجة أعلى من هذا؟! وقد صدق الشاعر في قوله: والجود بالنفس أقصى غاية الجود وفي الحديث الشريف: "فوق كل ذي بر بر حتى يقتل المرء في سبيل الها، فليس فوق ذلك بر"(7).


(*) رئيس تحرير سابق في مجلة بقية الله.
(1)نهج السعادة، محمد باقر المحمودي، ج8، ص182.
(2)جملة من كتاب (توحيد الإمامية) الشيخ محمد باقر الملكي.
(3)المصدر: غرر الحكم، 20/15.
(4)المصدر: ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج2، ص1774.
(5)بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج32، ص435.
(6)المصدر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج12، ص292.
(7)المصدر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج11، ص10.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع