مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

التعريف بصاحب الزمان: فوق كل خدمة

الشيخ يوسف سرور

 



في الحديث: "الخلق كلهم عيال الله، وأفضل الخلق عند الله أنفعهم لعياله"(1). في النظر إلى النفع المقدم للخلق، يمكن النظر إلى المنافع على مستوى الدنيا وتصاريفها كمّاً ونوعاً، ويمكن النظر إليها على مستوى الآخرة، أيضاً على مستويي الكمّ والنوع. النفع الذي يتأتى من خلال خدمة تقدم إلى عيال الله ويكون له حيثية تعين ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (الشعراء: 89)، قد يكون في معرض الزهد والاستخفاف به عند ذوي الحاجات الملحة في الدنيا، الذين لا يرون سوى هذه الحاجة الملحة ولا يشعرون عند اشتداد وطأتها إلا بها.

* سوء تقدير:
إذاً، تختلف النظرة إلى الحاجة عند الناس بمقدار أهميتها عندهم. الإنسان بحاجة إلى الأمان، وهذه الحاجة ماسة بحيث لا يعيش حياة هانئة بدونها، لكنه لا يشعر بها في أطواره الطبيعية، بل نراه يطلبها عند فقدانها، ويجدّ في البحث والسعي في سبيلها. وكذلك الأمر بالنسبة إلى العافية، إذ قد يبذل الإنسان كل ماله وأكثر، بل قد يراكم من الديون ما لا يستطيع الوفاء به عندما يتعلق الأمر بصحته وعافيته. كل ذلك عندما تتعرض للانتكاس، ويشعر المرء حينها بتهديد حياته. وهذا هو معنى الحديث "نعمتان مفقودتان: الصحة والأمان"(2). معنى ذلك أن الإنسان كثيراً ما يكون غافلاً أو ذاهلاً عن بعض الحاجات التي تمس مصيره ووجوده، إذا لم تكن من نوع الحاجات المادية، من قبيل المأكل والملبس والمسكن. وقد تكون بعض الحاجات يتعلق بها توازن الحياة في هذه الأرض بكل مصادرها ومنابع العوامل الحافظة لها.

الرزق من عند الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (الذاريات: 23)، ولكن الإنسان يسعى لتأمين أرزاقه بواسطة علاقاته مع الآخرين، وهذا لا يقدح في صحة الاعتقاد، إذ يربط الناس علاقات وحاجات متبادلة. فإذا عض الجوع بطون الأطفال الجياع، أو قرص البرد الأبدان الغضّة الطرية، وتناهت إلى أسماع الوالد أو الوالدين أنات صغاره المتضورين جوعاً ولم يجد ما يسد به رمقهم، أو رأى اصطكاك أسنانهم وارتجاف أجسامهم الواهنة من شدة البرد، ولم يجدا أو يجد ما يسترها به ويبعث فيها دفء الحياة وحرارة الأمان؛ عند ذاك، إذا امتدت يدٌ حانية لتملأ البطون الخاوية، وتستر الأبدان العزلاء الضعيفة؛ حينها سوف يجد الوالد أو الوالدة أنه مدين لتلك اليد على الخدمة المسداة إليه وإلى أسرته من قبلها. وسوف يعلم أن حياته بطولها سوف لن تنسيه جميل صاحب اليد على ما قدمت. أكثر الحاجات المشتغلة بها نفوس البشر اليوم على شاكلة هذه الأمور المتقدمة. الحاجة إلى المعرفة، إلى العلوم التي تشغل الأذهان وتعين في تطوير وسائل الحياة وتؤمن سبل الرفاه يشعر المرء بضرورتها وأهميتها.

* أعظم الحاجات:
لكن هناك أموراً تفوق بأهميتها هذه الحاجات، ويعتبر تأمينها أكثر نفعاً وفائدة للإنسان على مستوى مصيره ووجوده، يقول الحديث الشريف "لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها"(3) أي، عندما يتوه كل الخلق عن حجة الله وإمام زمانهم، وعندما يضل كل البشر عن ذلك الإنسان الذي ورث علم النبيين، وكان حجة رب العالمين؛ عندئذٍ، تكون أعمال أهل الباطل والفساد وبالاً على أصحابها وعلى أهل الأرض، وتكون الأعمال الصالحة ظاهراً هباءً منثوراً في معرض الضياع والإحباط. من أجل ذلك، يُعلم أن أهل الأرض يضجون إلى الله من كثرة امتلاء الأرض فساداً براً وبحراً بما كسبت أيدي الناس، وتتوق النفوس إلى الخلاص، فيخرج الحجة ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً. وقد زخرت السنة الشريفة بالحديث المستفيض الوارد بصيغ مختلقة القائل إن "من مات ولم يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية"(4). وليس الأمر متوقفاً عند حدِّ المعرفة الشخصية، ومعرفة الهوية، بل "من مات وليس في عنقه بيعة إمام مات ميتة جاهلية"(5).

إذاً، بعد إيماننا بنبوة خاتم الرسل صلى الله عليه وآله، وتسليمنا بكونه خاتماً للأنبياء، علينا أن نؤمن بخلفائه وأوصيائه الاثني عشر الذين استخلفهم من بعده، وعلينا أن نتوخى الدقة في التعرف إليهم للإيمان بهم، وهذا الأمر أصبح ميسوراً، طالما أن أحد عشر منهم صاروا في الملكوت الأعلى، وقبورهم صارت شواهد للتائهين، ومنارات للضائعين، وملاذاً للوالهين، يعبّرون بالقرب منهم والتقرب إليهم وموالاتهم عن حسن التعبد والطاعة لله عزَّ وجلَّ. لكن، هل يكفينا ذلك ونقتصر على هذا الرقم، أم أنه لا بد من التعرف إلى الإمام الثاني عشر ونعقد له الولاء ونتقلد بيعته في رقابنا؟! جواب ذلك ما رواه رئيس المحدثين الشيخ الصدوق عن أبان بن تغلب قال: "قلت لأبي عبد الله (الصادق) عليه السلام: من عرف الأئمة ولم يعرف إمام زمانه، أمؤمن هو؟ قال: لا"(6).

* الخدمة العظمى:
مع تطاول السنين وتمادي القرون تشتد الظلمة حلكة، ويشتد الليل سواداً، يكثر المدعون ويقلّ الصادقون، تستبد الحيرة بالمستضعفين الباحثين عن خلاص يفضي بهم إلى الانعتاق من أسر الحاجات، ويشتد التوق إلى الخروج من أنفاق الغربة وزنازين الضياع، والولوج إلى فضاءات الهداية وآفاق النعمة الإلهية التي تغني عن كل الأيادي والارتهانات. يصبح حينها الأخذ بأيدي الحيارى إلى الطمأنينة أعظم خدمة يمكن أن تقدم لجنس البشر، لا سيما لأولئك المكبوتة أنفاسهم بأيدي المنحرفين، والمثقلة أياديهم والأرجل بأغلال أئمة الجور والضلال، في الحديث عن علي بن همام قال: سمعت محمد بن عثمان العمري(7) يقول: سمعت أبي(8) يقول: سئل أبو محمد الحسن بن علي (العسكري) عليهما السلام وأنا عنده عن الخبر الذي روي عن آبائه عليهم السلام: أن الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه إلى يوم القيامة، وأن من مات ولم يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية. فقال: إن هذا حق كما النهار حق. فقيل له: يا ابن رسول الله، فمن الحجة الإمام بعدك؟ فقال: ابني محمد هو الإمام الحجة بعدي، من مات ولم يعرفه مات ميتةً جاهلية(9).

التعريف بالإمام ليس تعريفاً باسمه، فاسمه معروف وهو محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي السجاد بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب، وهو ابن فاطمة الزهراء بنت محمد بن عبد الله خاتم الرسل صلوات الله على جميع المذكورين، ولا هو بالرسم، إذ إن الأئمة عليهم السلام كانوا معروفين في زمانهم وواجهوا من بغى عليهم وتجاوز حده معهم ولم يعرف حقوقهم، إنما هو تعريف بالإمام الحق المفترض الطاعة، مالئ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، قاهر جبابرة الأرض، مبير الظالمين، المنصور على من اعتدى عليه وافترى، جامع الكلمة على التقوى، هو تعريف بأصل الخير والدال على الحق، الهادي من الضلال، المخلّص من كل ظلم.. الذي يملأ قلوبنا ثقة وطمأنينة ومحبة، ونفوسنا عزةً وافتخاراً ورفعة، الذي يسد كل حاجاتنا في الدنيا، ويمهر أعمالنا بالقبول ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم (الشعراء: 89).

فأية خدمة أعظم نفعاً وأرفع مرتبة يمكن أن تسدى للعباد من مثل التعريف بهذا الإمام؟! سلام الله على الإمام روح الله الموسوي الخميني وعلى ولي أمر المسلمين الإمام السيد علي الخامنئي وعلى الأخيار النجباء من العلماء المخلصين، وعلى الشهداء والمجاهدين الذين دلت أعمالهم عليه، وأشارت أفعالهم إليه صلوات الله وسلامه عليه، وجعل أفئدة وقلوب الآدميين تهفو إليه.


(1)عوالي اللئالي لابن أبي جمهور؛ ج4، ص61.
(2)التحفة السنية، السيد عبد الله الجزائري، ص66.
(3)مقالات مسند أحمد، ج4، ص96، الحافظ النيسابوري في صحيحه، ج8، ص107.
(4)صحيح مسلم، كتاب الإمارة، حديث 58، القندوزي الحنفي في ينابيع المودة، ص117 وغيرهم.
(5)الإمامة والتبصرة.
(6)محمد بن عثمان العمري هو السفير الثاني للإمام الحجة عجل الله فرجه في زمن الغيبة الصغرى.
(7)عثمان بن سعيد العمري هو السفير الأول للإمام عجل الله فرجه في غيبته الصغرى.
(8)كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق، ص409.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع