مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

شهيد الوعد الصادق وسام أحمد ياغي

نسرين إدريس قازان

 


 

شهيد الوعد الصادق وسام أحمد ياغي(أبو حيدر)
اسم الأم: فاطمة صبرا.
محل وتاريخ الولادة: بعلبك 2/2/1978.
الوضع العائلي: متأهل وله ابنة.
رقم السجل: 372.
محل وتاريخ الاستشهاد: مستشفى دار الحكمة - بعلبك 2/8/2006.


وليس ثمة وسام أجمل من الشهادة.. وسامٌ لا يناله إلا ذو حظّ عظيم.. وسامٌ برتبة شهيد، يُقلده الله سبحانه وتعالى لمن اشتاق إليه فسعى إلى لقائه.. وكان وسام أحد أولئك المشتاقين، الذين ما إن دقَّ نفير الجهاد حتى كان الإصبع على الزناد، وجعبة الشهادة المُذَخرة بـ"المُفاجآت" تنتظر إشارة واحدة لتلبي.. فالتلبيةُ في قاموسهم، ليست قبضات تُرفع فحسب، بل روح على الأكف توضع من دون أن تسأل..

* قرار في شهر أيار:
في أيار من العام 2000، ترك وسام بعلبك وتوجه جنوباً ليتنشق الريح المضمخة بالنجيع.. ليرى وادي السلوقي.. وادي الحجير.. ليتلمس من على أطراف الدساكر وروداً سقاها المجاهدون من عرقهم.. تعلم هناك كيف يكون الليل زمناً آخر.. وكيف لشمس النهار قصة أخرى.. في الجنوب، بين المجاهدين؛ حيث ينشقّ الفجر من صلاة الليل، ويتنفس الصبح من دعاء العهد.. في شهر أيار، أزهرت حياة وسام بقرارٍ حاسم، والتحقَ بركب المجاهدين، بعد أن كان يقلّب أيامه السابقة بين عملٍ صغير يطلب منه هنا، وخدمة أخرى هناك.. ليصبح بكله في المقاومة الإسلامية ملتحقاً بصفوف التعبئة العامة.. فأبى أن يقطف من زهرة النصر عبقاً من دون أن يقدم خدمة، أو يقوم بعمل، فوقف إلى جانب المجاهدين، ليقدم العون للعائدين إلى بيوتهم وقراهم، وليشعر بروعة العودة إلى المنزل بعد غياب قسري طويل..

* وفاءً للسيد عباس قدس سره:
وليس خافياً على ابن بعلبك المضامين الكبرى والمهمة للمقاومة الإسلامية، فهو تربية زمن السيد عباس الموسوي قدس سره، وقد ترعرع في المكان الذي خرج منه مئات المجاهدين، وكبر وهو يرى بأم عينيه مواكب الشهداء التي نثرت الورود فوقها، فأبى إلا أن ينثر دمه عهد وفاء لذلك الطريق.

* حنان أثمر عطاء لا ينضب:
كان وسام صغير العائلة، فهو الابن الحادي عشر، وإذا كان والداه أغدقا عليه الحنان والدلال، فإخوته لم يقصّروا في ذلك، فنال نصيبه من كل واحد منهم.. وهو منذ صغره فتى كثير الحركة لا يهدأ، يريد أن يكتشف كل شيء بأقل وقتٍ ممكن، ويختزل السنوات من عمره ليكبر قبل أوانه، فكأنه وهو يأخذ ممن حوله المحبة يزرعها في حياض ذكرياتهم عطاءً لا ينضب.. فبين والديه تراه يخدمهما، ويلبي طلباتهما، وبين إخوته الشاب الخدوم الطيب، الذي يكن لهم احتراماً قلّ نظيره، فما إن يسمع أن أحداً منهم يحتاج إلى مساعدة أو خدمة حتى يكون أمامه، فهو الحاضر دائماً لتلبية أي شيء يطلب منه من أي شخص، فقد حرص حرصاً شديداً على توطيد علاقته مع الناس، وبنى شبكة علاقات واسعة ومتينة، تمتاز بالمحبة والاحترام والصدق.

* مسؤولية مبكرة:
لم يكمل وسام دراسته الأكاديمية، وانطلق باكراً إلى العمل نظراً للظروف الاقتصادية الصعبة، فعمل في مهنة الدهان فترة طويلة، ثم انتقل إلى مهنة بيع الخبز، إلى جانب عمله التطوعي في المقاومة الإسلامية. وقد تزوج صغير السن، وكانت سنّ التاسعة عشرة في حياته مِفْصلاً في كل شيء، فقد تزوج، والتزم أكثر من ذي قبل، والتحق بالعمل الإسلامي، وضجت حياته بالكثير من النشاطات والمشاركات، فلا يكاد يعود من عمل إلا ويلتحق بعملٍ آخر.. كان شاباً مليئاً بالحيوية أنضجته التجارب باكراً.. في سهل البقاع، كان وسام يقضي أوقات فراغه بالصيّد، الهواية الأحب على قلبه.. هناك كان يشق الوعر باحثاً عن طريدةٍ يجيد التصويب عليها، وفي خياله تجوب رغبة التوفيق للتصويب يوماً على طريدةٍ من نوع آخر "جندياً إسرائيلياً"، وتمنى من كل قلبه أن يُرزق هذه الفرصة، ليثبت فيها بالفعل ما يحسّه بقلبه.. وانطلاقاً من محبته العميقة لمساعدة الآخرين، فقد تطوع وسام لمدة سبع سنوات في الدفاع المدني بعد أن خضع لدورات خاصة عديدة أهلته للقيام بذلك، وقد تميز طوال تلك الفترة بمبادرته، وسرعته في تنفيذ المهام.

* حلم الشهادة:
ولأنه يدرك تمام المعرفة أن للعمل المقاوم طريقاً روحياً لا بدّ من سلوكه، فقد عمل على وضع برنامج خاص، رفده بالعديد من الدروس الثقافية التي شارك فيها، وكان المسجدُ ملجأه والملتقى، حيث كان ورفاقه ينطلقون ناحية الهدف المنشود؛ وهو أن يحمل الإنسان الصفات اللائقة التي تؤهله ليكون جندياً في المقاومة؛ فقد أدرك وسام جيداً، أن لهذا اللقب مسؤولية كبرى، وعلى المرء أن يسعى جاهداً ليستحقها. تباهى وسام كثيراً بالسلسلة الفضية الحاملة لسيف ذي الفقار، ولم يخلعها يوماً من رقبته، لا بل وحافظ عليها محافظته على روحه، فقد اعتبر أن هذا الرمز له دلالات عديدة، تعكس جلياً ما يختلج في داخله من موالاة وبأس وشجاعة.. رزق وسام بابنة، اختصرت السعادة بين جنبيه، فإن عاد من العمل متعباً، أنسته ابتسامتها همه.. وَلَكَمْ أَنِسَ بالجلوس بين أهله وإخوته، حيث قضى الأيام الجميلة والحميمة، ولم يغب عن باله أن يذكرهم بين فترة وأخرى، بأن حلم الشهادة يراوده ويسعى إليه، ويدعو الله عز وجل في صلاته أن يرزقه إياها. وإذا كان الحبّ الكبير قد ربط بين قلوب العائلة، فهم أدركوا جيداً أن هذه الطريق الصحيحة هي طريق السعادة المطلقة، وغاية الحبّ هي الرضا بما يريده المحب حتى في موقفِ فراق صعبٍ وعصيب. وفي الأشهر الأخيرة قبل الحرب، تحدّث كثيراً عن الشهادة أمام زوجته..

* حرب تموز:
وجاءت حرب تموز.. كانت فرصة للكثيرين من المجاهدين الخلَّص الذين انتظروا الشهادة.. ولم ترهب ضراوتها عزيمتهم، وكان وسام من الذين تسابقوا للالتحاق بالمقاومين في المحاور المتقدمة في الجنوب، ولكن ضراوة الحرب وامتداد رقعتها، حولت جميع الأمكنة خط نار، وظلّ كل واحدٍ منهم على أهبة الاستعداد في مكانه. عندما استشهد حيدر الفيتروني بقصف الطيران الحربي على مدينة بعلبك، تأثر وسام كثيراً بالخبر، فهو صديقه ورفيقه، وغبطه على وفرة حظه بنيله للشهادة.. 

غادر أهل وسام إلى سوريا أسوة بأغلب الأهالي هرباً من الهمجية الصهيونية، وبقي هو مرابطاً في مدينة بعلبك، تحسباً لأي طارئ.. وكان اليوم الموعود.. اليوم الذي انتظره وسام على أحر من الجمر.. فقد نفّذت الطائرات الحربية والمروحية الإسرائيلية عمليتي انزال على شمال غرب مدينة بعلبك وشرقها في محيط مستشفى دار الحكمة ومحور العسيرة، بمشاركة قوة من 200 عسكري ينتمون إلى وحدة النخبة في الجيش الإسرائيلي، وكان وسام ضمن المجموعة التي واجهتهم في مستشفى دار الحكمة، حيث كان يتقدم الإخوة، وظلّ في المقدمة وهو يطلب إلى رفاقه أن يكونوا خلفه، وكانت تلك المواجهة أشبه بملحمةٍ عسكرية، نظراً للفارق الرهيب بين عدد الإسرائيليين وأفراد المقاومة، ولكنهم ثابتون في مواقعهم، ينتقلون بخفة يلاحقون فلول العدو الخائف، الذي لم تسعفه الطائرات، ولا الذخيرة المتطورة..

* وسام الشهادة:
وهناك كان وسام، لم ترتجف يده وهو يضغط على الزناد وجهاً لوجه مع الطريدة التي طالما انتظرها، وقد أوقعوا في صفوف الإسرائيليين العديد من القتلى والجرحى، وبينما كان ينتقل إلى زاوية أخرى، رصدته طائرة الاستطلاع وأطلقت ناحيته صاروخاً أصابه مباشرة.. ونال وسام وسامه الأبقى.. وقد تلونت سلسلته الفضية بوشاحٍ من دمه، وكان السيفُ يقطرُ الوفاء بالوعد.. وعد صادق؛ بالنصر والشهادة..

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع