مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

قرآنيات: أهل الحق أتباع أحسن القول

موسى خشاب

 



الصفا والمروة في العبادة الوثنية:
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (البقرة: 158).

تذكر الآية أن الصفا والمروة هما من شعائر الله، ثم تذكر أن الذي يؤدي الحج أو العمرة لا يأثم إذا طاف وسعى بينهما. وكما نعلم فإن السعي بين الصفا والمروة هو من الأمور الواجبة في الحج والعمرة، ولا يصح الحج والعمرة دون السعي بينهما. فكيف ينسجم هذا الأمر الوجوبي مع قوله تعالى: ﴿... فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) (البقرة: 158)؟ فالصيغة ليست وجوبية! والجواب أن المشركين كانوا يضعون صنماً على الصفا وصنماً آخر على المروة وكانوا يسعون بينهما ويمسحون الوثنين؛ فقال المسلمون لرسول الله إن الصفا والمروة كان يطاف بهما من أجل الوثنين، وليس الطواف بهما من الشعائر، فكانوا يظنون أن الطواف بهما فيه إثم، فأنزل الله الآية ليوضح للناس أنهما من شعائر الله ولا جناح على من طاف بهما. وهذا لا يعني أن الطواف بهما مستحب، بل بمعنى أن أصل الطواف بهما مشرع في الدين وليس خارجاً عن الدين.

خذوا الحق ولو من أهل الباطل:
ونستفيد من هذه الآية: أنه ليست كل الأعمال التي تشبه ما يقوم به أعداء الدين باطلاً ومحرماً، فقد يكون ما يقومون به له أساس في الدين وأضافوا إليه بعض التحريفات والأعمال الوثنية الباطلة، فلا ينبغي للمؤمنين أن يحاربوا كل ما يقوم به المشركون دون تمييز بين فعل وآخر أو بين قول وآخر، فقد يكون ما يقولونه أو ما يقومون به حقاً ولا مانع من الأخذ به، كما ورد في العديد من الروايات عن المسيح عليه السلام: "خذوا الحق من أهل الباطل ولا تأخذوا الباطل من أهل الحق"(1). وقد حضر الرسول الأكرم في حلف الفضول الذي تم عقده بين القبائل المشركة، وذلك لأنه فعل حق. وقد قال صلى الله عليه وآله: "شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت"(2). وكذلك ورد في الرواية الشريفة "خذ الحكمة ولو من المشركين"(3).

فالقول الحق ينبغي أن يُقبل ولو صدر من المشرك، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها يأخذها، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله: أصدق كلمة قالتها العرب كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.  مع أن لبيد كان مشركاً حينما قالها، ولكنها كلمة حق. فالإسلام يعلمنا أن لا نكون متعصبين فنرفض ما كان حقاً لأنه صدر عن غيرنا ونقبل ما كان باطلاً لأنه صدر عن قومنا، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "من تعصب أو تُعصب له فقد خلع ربق الإيمان من عنقه"(4) ويعلمنا الله تعالى اتباع الحق من خلال قوله تعالى: ﴿... فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (الزمر: 17- 18).  فمن اتبع القول الأحسن كان مهتدياً، لأن القول الأحسن هو القول الذي يؤدي بالإنسان إلى اتباع من يدعو إلى الله سبحانه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (فصلت: 33).

دليل أهل الحق:
والمعنى أن الإنسان الذي يعمل عقله سوف يصل إلى الحق وإلى الدين الحق، لأن العقل هو كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام عندما سئل ما العقل فقال "ما عُبد به الرحمن واكتُسب به الجنان"(5). فالدين الحق لا يفارق العقل، وكلما ابتعد الإنسان عن الدين الحق ابتعد عن العقل حتى يصبح كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (الفرقان: 44)

وقد ورد عن علي عليه السلام قال: هبط جبرئيل على آدم عليه السلام، فقال: يا آدم، إني أُمرت أن أخيّرك واحدة من ثلاث فاخترها ودع اثنتين، فقال له آدم: يا جبرئيل وما الثلاث؟ فقال: العقل والحياء والدين، فقال آدم: إني قد اخترت العقل، فقال جبرئيل للحياء والدين: انصرفا ودعاه فقالا: يا جبرئيل، إنا أمرُنا أن نكون مع العقل حيث كان، قال: فشأنكما وعرج(6).

 والخلاصة أن اتباع الحق هو المعيار في قبول الأشياء ورفضها، والعقل هو منشأ التمييز بين الحق والباطل والمانع من التعصب، وهذا العقل لا بد أن يهدينا إلى الحق ويبعدنا عن الباطل لأن الدين والعقل لا يفترقان.

* اللهم ارزقني عقلاً كاملاً، ولباً راجحاً، وقلباً زاكياً، وعملاً كثيراً، وأدباً بارعاً، واجعل ذلك كله لي، ولا تجعله علي، برحمتك يا أرحم الراحمين(7).


(1) بحار الأنوار، ج 2، ص 96، مكتبة أهل البيت.
(2) نهاية ابن الأثير، ج 3، ص 456.
(3) مشكاة الأنوار، علي الطبرسي، ص 238.
(4) أصول الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص 307، مكتبة أهل البيت.
(5) الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، ص11، مكتبة أهل البيت.
(6) الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، ص 10 – 11.
(7) مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج 10، ص 223.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع