مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

نور روح الله: أم الأوثان صنم النفس

الإمام الخميني قدس سره



الكِبْر صفة قبيحة بحد ذاتها ولها مفاسد كثيرة، وهذه المفاسد تتمخض عنها مفاسد أخرى كثيرة. إن هذه الرذيلة تحول دون وصول الإنسان إلى الكمالات الظاهرية والباطنية وإلى الحظوظ الدنيوية والأخروية. إنها تبعث في النفوس الحقد والعداوة، وتحط من قدر الإنسان في أعين الخلق وتجعله تافهاً، وتحمل الناس على أن يعاملوه بالمثل تحقيراً له واستهانة به .

•الكبر مطايا النار
لقد وهب الله لقمان الحكمة بنص القرآن الكريم: فمن جملة وصايا ذلك العظيم لابنه، كما ورد في القرآن الكريم: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (لقمان: 18). وجاء في وصايا الإمام الصادق عليه السلام لأصحابه:  "إياكم والعظمة والكبر، فإن الكبر رداء الله عزَّ وجلَّ فمن نازع الله رداءه قصمه الله وأذله يوم القيامة"(1). ولا أعرف إذا أذل الله تعالى شخصاً ماذا يصنع به؟ وبماذا يبتليه؟ لأن أمور الآخرة تختلف عن أمور الدنيا كثيراً، فإن الذل في الدنيا يغاير الذل في الآخرة، كما أن نعم الآخرة وعذابها، لا تتناسب مع هذا العالم، إن نعمها تفوق تصورنا، وإن عذابها لا يخطر على بالنا. إن كرامتها أسمى من تصورنا، والذل فيها يختلف عن الذل والهوان الذي نعرفه، وتكون عاقبة المتكبر النار، ففي الحديث "الكبر مطايا النار"(2)، فلا يرى الجنة من كان في قلبه كبر.

واعلم أن من عوامل التكبر، صغر العقل، وضعف القابلية، والضعة، وقلة الصبر. فالإنسان لضيق أفقه، ما إن يجد في نفسه خصلة مميزة حتى يتصور لها مقاماً ومركزاً خاصاً. ولكنه لو نظر بعين العدل والإنصاف إلى كل أمر يتقنه وكل خصلة يتميز بها، لأدرك أن ما تصوره كمالاً يفتخر به ويتكبر بسببه، إما أنه ليس كمالاً أصلاً، وإما أنه إذا كان كمالاً فإنه لا يكاد يساوي شيئاً إزاء كمالات الآخرين. أمّا إذا خرج من هذا الاحتجاب، ورأى نفسه على حقيقتها كما هي، بل ونظر إليها بعين الانتقاد، وأساء الظن بها، رأى ضعتها وذُلها وأدرك نقصها وافتقارها. وإذا اقترنت هذه الحالة بحسن الظن بالآخرين، وتعظيم مخلوقات الحق تعالى ومظاهر جلاله وجماله عزَّ وجلَّ، ظهرت في نفسه حينئذٍ وبصورة تدريجية حال التذلل، ورأى نفسه أصغر من الآخرين، وهذه هي حال التواضع القلبي التي إذا ظهرت آثاراها في البدن قيل: تواضع وصار متواضعاً. فمصدر التواضع العلم بالله والعلم بالنفس، وغايته الله تعالى والفوز بكرامته، وثمرته الكمال الإنساني. أمّا التملق، فمصدرهُ الشرك والجهل، وغايته النفس، وثمرته الذلةُ والنقص والعار.

شرح الصدر وضيقه:
إعلم أن أسباب التواضع والتكبُّر وموجباتهما كثيرة، منها شرح الصدر وضيقه: فالمتحلي بشرح الصدر لا يولي أهميةً لما يراه في نفسه من كمال وجمال ومال ونفوذ وحشمة، ولا يستعظمه، لأن سعته الوجودية كبيرة إلى درجة تجعله يتغلب على جميع الواردات القلبية، فلا يضيق وعاؤُهُ الوجودي بشيءٍ. وهذه السعة في الصدر وليدة معرفة الحق تعالى، وهي التي توصل قلوب المتأهلين للأنس بالله إلى مقام الاطمئنان والسكينة والطمأنينة. واعلم أن ذكر الله تعالى يجعل القلب معرضاً عن جميع منازل الطبيعة ومناظرها، بل ويجعل كل العالم بكل ما فيه عدماً لا قيمة له في عينه، فلا يتعلق بشيءٍ منه، بل ينحصر تعلقه بالحق تعالى وحده، حتى تبلغ همته مرتبةً من العلو لا يقيم معها وزناً لجميع عوالم الوجود. وعندها، لا تضعف همته بسبب الواردات القلبية مهما كانت، فلا يستشعر الكبر في نفسه بسبب هذه الواردات، بل إنه يستصغر كل شيء غير الحق تعالى وآثار جماله وجلاله، وهذه الحالُ هي بحدِّ ذاتها سببٌ لتواضعه له عزَّ وجلَّ بالأصالة، ولخلقه بالتبعية، لأنه يرى الخلق من الحق تعالى. كما أن هذه الحال توجدُ أيضاً عزة النفس وسعتها، لأن روح التملق ناشئة عن حبّ النفس والسعي لاستجلاب النفع لها، وهذه الحالُ معدومة فيه.

إذاً فحبُّ الله تعالى يثمر سعة الصدر، وهذه السعة تولد التواضع وعزة النفس، في حين أن حبّ النفس والنظر إليها نتيجة لضيق الصدر من جهة، وعلة لزيادته من جهة أُخرى، وهذا هو منشأ التكبر؛ لأن ضعف القابلية وضيق الصدر يجعلان المبتلى بهما يستعظم كل ما يراه في نفسه، ويتفاخر ويتكبر به، لكنه في الوقت نفسه يكون على استعداد لممارسة أشكال التذلُّل والتملق لأهل الدنيا سعياً لتحقيق مطالب نفسه بحكم كونه أسيراً لحبها. بل إن مبادئ جميع الكمالات ترجع إلى معرفة الله والتحرر من أسر النفس، في حين أن حب النفس والنظر لها هو منشأ كل النقائص والسيئات. كما أن التوجه إلى الحق تعالى والإقبال عليه والإعراض عن الأهواء النفسانية هو سبيل إصلاح جميع المفاسد: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ (النساء: 79). (إن أمّ جميع الأوثان هي أصنام نفوسكم)(3).


(1) وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر، ح9.
(2) وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر، ح14.
(3) ترجمة نثرية لصدر بيت شعر بالفارسية للشاعر الإيراني جلال الدين الرومي.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع