مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف نور روح الله: إيّاكم ولباس الذلّ شهيد الوعد الصادق علي محمود صالح (بلال عدشيت) عيد الله الأعظم: فهذا عليٌّ مولاه أول الكلام: طوبى لنا به أميراً شابٌّ اتّبع الوصيّة

تربية: أي مدرسة نختار لأولادنا!

د. حسن سلهب

 



قبل نهاية أو بداية كل عام دراسي، تباشر المدارس أعمال التسجيل للعام الدراسي المقبل، ويقف الأهل أمام هذا الاستحقاق يقلِّبون الأمور، ويضعون الأولويات، قبل اتخاذ القرار الأخير في تحديد المدرسة لأبنائهم. وفي غالب الأحيان لا يوفَّق الأهل في اختيار مدارس تتناسب مع كل شروطهم وظروفهم.

* معايير اختيار المدرسة
يمكن القول إنّ ثمَّة أربعة أنواع من المعايير لاختيار المدرسة يتم التوقف عندها في هذا المجال، فهناك:

أ - معايير تربوية عامة تتصل بثقافة الأهل وقناعاتهم.
ب - ومعايير تعليمية ترتبط بأهداف المواد المدرسية العلمية واللغوية والفنية وغيرها.
ج - أما النوع الثالث من المعايير فيتعلق بظروف الأهل المالية والاقتصادية، وبالتالي قدراتهم على الإنفاق في مجال تعليم أبنائهم.
د - والنوع الأخير من هذه المعايير يختص بالموقع الجغرافي للمدرسة بالنسبة للبيت، وبالتالي ظروف الانتقال إليها، والمسافة والوقت اللازمين لذلك.

إن قيمة كل نوع من هذه المعايير تنشأ من قوة تأثيرها على الأهل. فكلما كانت ثقافتهم وقناعاتهم الفكرية قوية وحاسمة، كلما كان وزن هذا النوع من المعايير مرجِّحاً، هذا إذا فرضنا وجود مدارس تتجسَّد فيها هذه الثقافة وتلك القناعات قولاً وممارسة، والكلام نفسه فيما إذا كانت المعايير التعليمية قوية وحاسمة.  أما النوع الثالث، فيجعله الكثيرون حاسماً، حيث يتم اختيار المدرسة على أساس القدرات المالية المتاحة، من دون أدنى عناية بالنوع الأول والثاني، فيما يتجرأ البعض الآخر على تجاوز أوضاعه المالية، متأثراً بمعايير النوع الأول والثاني، في مغامرة تنطوي على كل الاحتمالات. وفي خصوص النوع الرابع والأخير، فإنه لا يقوم بنفسه إلا في حالات محدودة. وفي أغلب الأحيان يتقوى بمعايير أخرى تختص بواحدة أو أكثر من معايير الأنواع الثلاثة السابقة، مع الالتفات إلى أن هذا التقسيم لا يعكس حدوداً واضحة في الواقع، فلكل مدرسة ثقافتها ورسالتها التعليمية ، وشروطها المالية، وموقعها الجغرافي، ولا تخلو مدرسة من وزن، مهما بدا قوياً أو ضعيفاً، في كل واحدة من هذه المجالات الأربعة.

* عوامل التأثير في اختيار المدرسة
في أي حال، ما هي المعادلة الأنسب في اختيار المدرسة للأبناء؟ قبل البدء بمقاربة هذا السؤال نشير إلى أن القيِّمين على المدارس يعون إلى حد بعيد عوامل التأثير في اختيار الأهل للمدرسة، ويعملون بكل ما في وسعهم للتجاوب مع المعايير الأكثر قوة، وبذلك أصبحت المدارس تشكل تجسيداً للاتجاه السائد عند الأهل، فإذا كان العنصر الجغرافي قوياً نجد تناثراً للمدارس في الأحياء والأزقة، وإذا كان العنصر المالي حاسماً تتكاثر المدارس التي تقبل بالأقساط المدرسية المخفَّضة، أو الحسومات العالية. أما إذا كان الاتجاه مرتبطاً بالأهداف التعليمية، وبالتالي استعداد الأهل لتجاوز العنصر الجغرافي وإنفاق المال بسخاء، فسوف نشهد صروحاً علمية مشهورة بالتفوق والنجاح، لا سيما باللغات الأجنبية، من دون التوقف عند بعض التقاليد الثقافية أو الأعراف الاجتماعية، والواقع هو نفسه إذا ما اشتد تأثير العنصر الثقافي، وقوي الالتزام بالقناعات الخاصة، حيث نجد انتشاراً متسارعاً للمدارس التي تحمل عناوين تتصل بذلك العنصر وتلك القناعات.  ما نود التأكيد عليه أن ما يعانيه الأهل في اختيار المدرسة يدخل أيضاً في معاناة القيِّمين على المدارس عند تحديد المعايير في بنائها، وتحديد أقساطها، ورسالتها التعليمية، وثقافتها الخاصة. من هنا، فإن الفريقين يتبادلان التأثير، لكن الاتجاه العام سوف يكون للأقوى حتماً.

* عملية الاختيار
بداية لا يمكن انتقاء أحد هذه الأنواع وبالتالي اعتماده بصورة نهائية. فلا يمكن على سبيل المثال الاكتفاء بالمعايير الثقافية، مهما بدت راقية، من دون التدقيق بالمعايير التعليمية والمالية والجغرافية، لكن العبرة في نوع المعايير التي تحسم الخيار في النهاية. قد يكون متاحاً تجاوز النوعين الثالث والرابع من هذه المعايير، لكن من الصعب تجاوز النوعين الأول والثاني، ذلك أنهما يرتبطان بالغاية النهائية من دخول الأبناء للمدرسة. والسؤال المطروح هنا: هل نقبل بمدرسة متمايزة ثقافياً على حساب المستوى التعليمي، أم نختار المدرسة المتمايزة تعليمياً على حساب الاتجاه الثقافي؟

وطبعاً نحن نتساءل مع افتراض عدم وجود مدرسة تتمايز في الاثنين معاً. بمعزل عن أهمية التمايز التعليمي وضرورته التي لا جدال فيها، فإن من غير الحكمة التضحية بالمعيار الثقافي من أجل المعيار التعليمي، كما من غير الصواب تجاوز المعيار التعليمي لحساب المعيار الثقافي. ففي الحالة الأولى، نحن في مدرسة لا تملك اتجاهاً ثقافياً واضحاً، أو تملك اتجاهاً ثقافياً غريباً. أما في الحالة الثانية، فنحن في مدرسة فارغة المضمون، بل نحن في مدرسة وهمية. إن هذا الكلام لا ينفي القناعة بتعدُّد الثقافات وتنوعها، وأهمية ذلك على المستوى الحضاري العام، لكن من غير المناسب وضع الأبناء في بيئة غامضة ثقافياً، أو تختلف عن ما تعيشه من ثقافة، لا سيما في فترة التكوين الثقافي. إن تطوير ثقافة المجتمع لن يتم قبل وجود ثقافة واضحة ومتماسكة. من هنا، نحن ملزمون بتربية أبنائنا على الثقافة التي سيعيشون فيها، وينجزون أدوارهم في أوساط مجتمعاتها، ثم يسهمون في تطويرها وتجديدها. ومن جهة أخرى، لن نربح الثقافة إذا خسرنا العلم، أو تأخرنا به. إن المدارس التي تعتني بثقافتها أكثر من تعليمها، أو على حسابه، سوف تقدم ثقافة هزيلة وبدائية وغير مؤثرة. لن تنفعنا الأنشطة الثقافية إذا ما كانت فارغة علمياً، ولن نتقدَّم بثقافة بلا علم.

إذاً، إن اختيار المدرسة للأبناء يجب أن يلحظ الأمرين معاً، وبالمستوى نفسه. هذه هي المدارس التي نسعى إليها، وهذه هي المدارس التي ستستمر.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع