مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف نور روح الله: إيّاكم ولباس الذلّ شهيد الوعد الصادق علي محمود صالح (بلال عدشيت) عيد الله الأعظم: فهذا عليٌّ مولاه أول الكلام: طوبى لنا به أميراً شابٌّ اتّبع الوصيّة

قرآنيات: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ(*)

آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي


﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا﴾ (الأعراف: 143). لماذا طلب موسى عليه السلام رؤية الله؟ الحريّ بنا أن نسأل هنا كيف طلب النبيّ موسى عليه السلام -وهو نبيّ من أولي العزم- رؤيةَ الله وهو يعلم حقّ اليقين أنّ الله ليس بجسم، ولا بمكان، ولا هو قابل للمشاهدة والرؤية، علماً أنّ مثل هذا الطلب لا يليق حتّى بالأفراد العاديّين من الناس؟

•طلب قومه
ذكر المفسّرون أجوبة عدّة عن هذا السؤال، ولكنّ أوضحها هو أنّ النبي موسى عليه السلام لم يطلب الرؤية لنفسه وإنّما طرح مطلب قومه؛ لأنّ جماعة من جَهَلة بني إسرائيل أصرّوا على أن يروا الله حتّى يؤمنوا، والآية 153 من سورة النساء ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾ خير شاهد على هذا الأمر. وقد أُمر موسى عليه السلام من جانب الله أن يطرح مطلب قومه هذا على الله سبحانه، حتّى يسمع الجميع الجواب الكافي، وقد صُرّح بهذا في رواية عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام في كتاب عيون أخبار الرضا أيضاً(1). ومن القرائن الواضحة التي تؤيّد هذا التفسير ما نقرأه في الآية (155) من هذه السورة نفسها، من أنّ موسى عليه السلام قال بعدما حدث ما حدث: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا﴾.

ويتّضح من هذه الجملة أنّ موسى عليه السلام لم يطلب لنفسه مثل هذا الطلب إطلاقاً، بل لعلّ الرجال السبعين الذين صعدوا معه إلى الميقات هم أيضاً لم يطلبوا مثل هذا الطلب غير المعقول وغير المنطقيّ، إنّهم كانوا مجرّد علماء، ومندوبين من جانب بني إسرائيل خرجوا مع موسى عليه السلام لينقلوا فيما بعد مشاهداتهم لجماعات الجَهَلة والغافلين الذين طلبوا رؤية الله سبحانه وتعالى ومشاهدته.

•الرؤية القلبيّة
إنّ الرؤية ومشتقّاتها لا تُطلقُ على الرؤية الحسيّة فحسب، بل لها معنى آخر مغاير للمعنى الحسيّ، وهو المعنى القلبيّ أو المعنويّ، وطلبُ النبيّ موسى كان من القسم الثاني-أي المعنى القلبيّ والرؤية القلبيّة- وليس من القسم الحسّيّ، والدليل على ذلك ما يلي:

1- هناك شواهد قرآنيّة عديدة يمكن ذكرها في هذا الإطار، ومنها ما ورد في سورة النجم، الآية 11، حيث يقول تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾.

2- وثمّة أيضاً جملة من النصوص الشريفة الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام التي تؤكّد الرؤيةُ القلبيّة تارةً، وتنفي الرؤية الحسيّة تارةً أخرى. نذكر منها: "عن هشام قال: كُنتُ عندَ الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام إذ دخل عليه معاوية بن وهب وعبد الملك بن أعين، فقال له معاوية بن وهب: يا بن رسول الله، ما تقول في الخبر المرويّ: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربّه؟ على أيّ صورةٍ رآه؟ وفي الخبر الذي رواه؛ أنّ المؤمنين يرون ربّهم في الجنّة؟ على أيّ صورةٍ يرونه؟

فتبسّم عليه السلام ثمّ قال: يا معاوية، ما أقبحَ بالرجلِ يأتي عليه سبعون سنة وثمانون سنة يعيش في مُلكِ الله ويأكل من نِعمه ثمّ لا يعرف الله حقَّ معرفته! ثمّ قال: يا معاوية، إنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يرَ الربّ تبارك وتعالى بمشاهدة العِيان، وإنَّ الرؤيةَ على وجهين: رؤيةُ القلبِ ورؤيةُ البصر، فمن عنى برؤية القلب فهو مصيبٌ، ومن عنى برؤية البصر فقد كذّب وكفر بالله وبآياته، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ شبّه اللهَ بخلقه فقد كفر"(2).

•استحالة رؤية الله البصريّة
نقرأ في الآية أنّ الله سبحانه قال لموسى عليه السلام: ﴿انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ (الأعراف: 143). فهل مفهوم هذا الكلام هو أنّ الله قابل للرؤية أساساً؟

الجواب: إنّ هذا التعبير هو كناية عن استحالة مثل هذا الموضوع، مثل جملة ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (الأعراف: 40). وحيث إنّه كان من المعلوم أنّ الجبل يستحيل أن يستقرّ في مكانه عند تجلّي الله له، لهذا ذكر هذا التعبير. وقد وقع كلام كثير بين المفسّرين حول تجلّي الله للجبل، ولكنّ ما يبدو للنظر من مجموع الآيات أنّ الله أظهر إشعاعة من أحد مخلوقاته على الجبل (وتجلّي آثاره بمنزلة تجلّيه نفسه).

ولكن ماذا كان ذلك المخلوق؟ هل كان إحدى الآيات الإلهيّة العظيمة التي بقيت مجهولة لنا إلى الآن أو أنّه نموذج من قوّة الذرّة العظيمة؟ أو الأمواج الغامضة العظيمة التأثير والدفع أو الصاعقة العظيمة الموحشة التي ضربت الجبل وأوجدت برقاً خاطفاً للأبصار، وصوتاً مهيباً رهيباً، وقوّةً عظيمةً جدّاً، بحيث حطّمت الجبل ودكّته دكّاً؟ وكأنّ الله تعالى أراد أن يري -بهذا العمل- شيئَين لموسى عليه السلام وبني إسرائيل:

الأوّل: أنّهم غير قادرين على رؤية ظاهرة صغيرة جدّاً من الظواهر الكونيّة العظيمة، ومع ذلك كيف يطلبون رؤية الله الخالق؟

الثاني: كما أنّ هذه الآية الإلهيّة العظيمة مع أنّها مخلوق من المخلوقات لا أكثر، ليست قابلة للرؤية بذاتها، بل المرئيّ هو آثارها؛ أي الرجّة العظيمة، والمسموع هو صوتها المهيب.

أمّا أصل هذه الأشياء؛ أي تلك الأمواج الغامضة أو القوّة العظيمة، فلا هي تُرى بالعين، ولا هي قابلة للإدراك بواسطة الحواس الأخرى، ومع ذلك هل يستطيع أحد أن يشكّ في وجود مثل هذه الآية، ويقول: حيث إنّنا لا نرى ذاتها، بل ندرك فقط آثارها فلا يمكن أن نؤمن بها؟!


(*) مقتبس من: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج5، ص207-209.
1.يراجع: الرواية المنقولة في تفسير نور الثقلين، الحويزي، ج2، ص65.
2.بحار الأنوار، المجلسي، ج4، ص54.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع