الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

الشهيد الدكتور محمد أبو حمدان (الدكتور كريم)

نسرين إدريس قازان

 



اسم الأم: مريم المستراح
محل وتاريخ الولادة: سعدنايل 15/ 12/ 1965م
الوضع العائلي: متأهل ولديه 4 أولاد
رقم السجل: 2
محل تاريخ الاستشهاد: سلّم الروح أثناء قيامه بواجبه الطبي الجهادي بتاريخ 24/ 7/ 2007

وتوقف قلبُ "الدكتور كريم" عن النّبض بعد أن اطمأنّ إلى مرضاهُ المجاهدين.. هناك، كان كل شيء على ما يرام إلا "ضغط" الطبيب الذي نغّص عليه حياته حتى أودى بها... فهدأت ثورة الحياة التي عاشها بحماسة وحيوية لدرجة أنّ مَنْ حوله كلّوا من رؤيته يسابق الأيام ويعمل ليلَ نهار في خدمة الناس غير تاركٍ للراحة فسحة يركن إليها.. الطبيبُ الذي حمل شهادة في جراحة العظم، كان يعمل تاجراً من أجل تأمين قوت عياله، فالطبُّ عمل إنساني بحتٌ لم يعرف الدكتور محمد أن يزاوج بينه وبين المال، فكلما فتح عيادة أقفلها نتيجة لتراكم الديون عليه جرّاء امتناعه في كثير من الأحيان عن أخذ أجرته، بل كان يكفيه أن يرى الارتياح مشرقاً في عيني مريضه ليغمر الرضا قلبه.

• رسولاً للمحبة
الابن المدلل لعائلة بقاعية من بلدة سعدنايل، نال الحظّ الأوفر من الاهتمام بين إخوته، فهو خاتمة العنقود، فأغدق عليه إخوته الدلال من كل الجهات. هذه الإحاطة أعطته رصيداً من العاطفة حتى كان بحق رسولاً للمحبة. كان محمد منذ صغره يتحمل المسؤولية، لذا كان ما أن ينتهي العام الدراسي، حتى يلتحق بعملٍ صيفي غير عابئ بما يلقي عليه ذلك من تعب، فعَمِلَ في الأفران وفي الحقول تحت أشعة الشمس اللاهبة، وادّخر أجرته كي يضيفها إلى مصاريف دراسته التي حجز له مقعداً فيها بين المتفوقين دائماً.

في العاشرة من عمره بدأ محمد رحلة البحث عن التعاليم الدينية وسط بيئة لم تولِ الكثير من الاهتمام لهذا الجانب، فلجأ إلى المسجد الذي وجد فيه ملاذه، وصار يحضر الدروس الثقافية، ولشدة ذكائه وفطنته، سرعان ما تحول هو إلى مستقطبٍ للفتية من عمره إلى المسجد، حتى إذا ما شبّ قليلاً بحث عن مكان صغيرٍ يكون محطةً للقاءات ثقافية تجمعه ورفاقه، فكانت غرفة ناطور المسجد الصغيرة جداً هي الخيار الأنسب، لتكبر بمن فيها وبما يتداول فيها من شؤون الدين والسياسة والمقاومة.

• أمل العائلة
ولكن محمد المفعم بالطموح والذي يعلّق عليه والداه آمالاً كبيرة لِمَا برز فيه من ذكاء وشخصية فذّة، وجد نفسه أمام قرار صعب ما إن أنهى دراسته الثانوية، وهو السفر إلى الخارج لدراسة الطب في زمنٍ كان الوضع المعيشي صعباً للغاية، فتكاتفت العائلة بوجه الظروف الاقتصادية وصار الهمّ الوحيد عندهم تأمين مصاريف محمد الجامعية. لم يكن البعد عن العائلة هو الذي شدّ الخناق على محمد فحسب، بل أيضاً تركه لوطنه والحروب تلتهم أطرافه، ورجال المقاومة يستبسلون في الدفاع عنه. ولكن، سرعان ما استعاد محمد نشاطه بين الطلّاب، فاستطاع أن ينشئ الكثير من الصّداقات مع أبناء البلد والطلاب الأجانب من مختلف البلدان، فهو عرف كيف ينسجُ حديثه حول قلوبهم، فكان بينهم كقائد فرقة موسيقية كلٌّ يعزفُ على الإيقاع الذي يرغب فيه.

• وطن كل غريب
كان محمد في بلد الاغتراب وطن كل غريب، وأهل كلّ من لوّعته فرقة أهله، فتراه يترك كل شيء ليجلس قرب صديق أتعبته الهموم ليخفّف عنه، ويسهر قربه لليالٍ طوال حتى يقوم من مرضه، ويصرف ما في جيبه على من هو محتاج، كل ذلك جعله نموذجاً صادقاً للإنسان الملتزم، حتى قيل إن أردتم أن تعرفوا الإسلام بحق، فانظروا إلى محمد؛ إلى صلاته وقيامه وأخلاقه ورفقته، ولهذا التزم عدد من أصدقائه ليكون تديّنهم صَدَقةً جاريةً له. ولكن ذلك كلّه لم يكن ليمرّ من دون ثمن، فكانت الملاحقة ورمي التهم، وحتى السجن في بعض الأوقات من أجل إيقاف عمله، إلا أن ذلك لم يزده إلا إصراراً، فالصلاة لم ولن تكون في أي يوم من الأيام تهمة يخشى منها، وكان بلباقة حديثه وحجة منطقه يجيب المحققين الذين كانوا يرضخون في نهاية الأمر لرباطة جأشه، فيعود في اليوم التالي إلى الجامعة وإلى عمله.

• "العمدة على الله وعليكم"
في إحدى زياراته للجمهورية الإسلامية في إيران مع وفد من الجامعيين والأطباء، تشرّف محمد بلقاء الإمام الخميني العظيم، وكانت تلك الزيارة من أجمل أيّام حياته، يومها توجه الإمام إليهم بالقول: "أيها الشباب، العمدة على الله وعليكم". وقد بقيت هذه الكلمة ترنُّ في فؤاد محمد حتى آخر لحظات حياته. تزوج محمد وأسس عائلة صغيرة، وكان يركن إلى الجلوس مع أولاده كطائر يعود إلى عشه بعد اغتراب..
وعاد محمد إلى وطنه، ليسارع مباشرة بالالتحاق بصفوف المجاهدين، بعد أن كان مواكباً لهم بالقدر المتاح له أثناء عودته إلى لبنان في العطل، وصار يأنسُ بالجلوس بينهم ويطيل مكوثه وكأنه يريد أن يعوض كل ما فاته في السنوات العجاف التي قضاها في الخارج.

• المريض بعشق الجهاد
"الدكتور كريم" كما عرف بين المجاهدين، كان الطبيب المريض بعشق البقاء قرب الرصاص، وكأن رائحة البارود تذكي روحه. فعلى الرّغم من التّعب والمرض ونصيحة الأقرباء ورفاق الدرب بالتخفيف من العمل، إلا أنّه كان يندفع أكثر، ربما لأن قلبه الصافي كأن ينبّئه أنّ الرّحيل قريب.. لم يستطع الدكتور محمد الفصل بين حياته الخاصة وحياته الجهادية، فغالباً ما كان يحوّل منزله إلى ما يشبه ثكنة عسكرية، أو إلى ملتقى ثقافي، كل ذلك انعكس عليه جهداً استأنس به، ولكنّه أنهكه صحياً.

• لن ينساه المجاهدون
في الأيام الأخيرة، زار الدكتور محمد كلّ إخوته وأقاربه، وكان كمن يزرع وردة للذكرى في أحواض ذكرياتهم.. وقبيل أيام وبينما كان يسهر وزوجته شرع بتفصيل الديون المترتبة عليه مع ذكر أسماء أصحابها، ما أثار استغرابها، فما شأنها هي بذلك، طالما أنه هو من يتابع الشؤون المالية، ولكن سرعان ما تبدّدت حيرتها؛ فعندما كان الدكتور، كعادته، يتنقل بين المعسكرات يتفقد الإخوة المجاهدين، شعر بالتعب وألقى ما بيده على التراب.. فحاول المجاهدون نقله إلى المستشفى ولكنه استمهلهم حتى يكمل عمله، وسرعان ما أناخ رحله عند ضفاف أحد المراكز، ليسلم الروح بين المجاهدين، ويختم بتلك الإغماضة قصة الدكتور كريم التي لن ينساها أحد من مجاهدي المقاومة الإسلامية.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع