شابٌّ اتّبع الوصيّة نور روح الله: طهِّر من الأرجاس قلبي(*) مناسبة: 33 يوماً خلف العدسة(2) باحثون إيرانيّون يصنعون ضمّادات تشبه بشرة الإنسان الحل السحري لنسيان المفاتيح "غوغل" وأطفال "التوحّد" نور روح الله: الوضوء طهارة القلب(*) فقه الولي: من أحكام صلاة الجماعة(1) إضاءات فكريّة: القيم الإنسانيّة في الإسلام(*) مناسبة: البقيع: قبابٌ من نور

تسابيح جراح: نشاطٌ لا يهدأ

لقاء مع المجاهد الجريح عبّاس الحسينيّ
داليا فنيش



لم يكن اسمه كأيّ اسم عابر، وإنّما حمل له نكهةً وتأثيراً خاصَّين منذ الطفولة، كيف لا، وهو اقترن بسماحة السيّد عبّاس الموسويّ (رضوان الله تعالى عليه)، ذلك العالِم الجليل الذي كان يتردّد إلى منزل ذويه، قبل تولّيه منصب الأمانة العامّة، لصداقة وعلاقة قويّة جمعت العائلتَين، فترعرع ونشأ على صدى دروسه وخطاباته، وشجيّ صوته في دعاء "الحزين" ودعاء طلب الشهادة، حتّى غدا السيّد القدوة، والدليل الذي شبّ على نهجه وخطاه.

•من نبعه نهل حبّ المقاومة
تربّى عبّاس في كنف عائلة يعمّها الأدب والالتزام بالتكليف الدينيّ. كان والده قليل الحضور إلى المنزل، بسبب انشغاله الدائم في عمله الجهاديّ، لكن حضوره كان نوعيّاً، فمن نبعه نهل عبّاس حبّ المقاومة، وتأسّس على يد مجموعة من النخبة الذين ارتقى بعضهم شهداء، في كشّافة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف.

أمّا والدته، صاحبة القلب المفعم بالإيمان، فقد ربّت أبناءها على ما نشأت عليه من ثقافة إيمانيّة وجهاديّة، فكانت نِعم المربّي والمرشد.

•على الكرسيّ المتحرّك
كان عبّاس قد شارف على المرحلة الثانويّة عندما تعرّض للإصابة أثناء تأديته لعمله الجهاديّ، فاستكملها لاحقاً عبر المراسلة. وعند إصابته، لم يفقد وعيه، فسمع من طبيبه أنّ إصابته كانت قويّة في العمود الفقري، وستؤدّي إلى شللٍ رباعيّ، فعرف ما ينتظره مستقبلاً، وعلى الرغم من ذلك، لم يفقد الأمل؛ لأنّه يدرك أنّ الله قادر على صنع المعجزات.

رقد فترة طويلة في المستشفى يتلقّى العلاج، وخضع للعديد من العمليّات إلى أن استقرّ وضعه، فغادره وهو يعلم أنّ حياته ستبدأ من جديد على هذا الكرسيّ المتحرّك.

•كان الشوق أقوى
عبّاس شابّ محظوظ جدّاً؛ لأنّ سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله) أرسل له رسائل عديدة مؤثّرة، ومعبّرة، وعاطفيّة، كما وفّق للّقاء معه غير مرّة، وفي كلّ مرّة كان الشوق أقوى، فعناقه الحار أشعره بحرارة الودّ: "أنا فداء للسيّد ولهذا النهج المقاوم، ومستعدّ لتقديم روحي وجسدي كي أحميه ويكون بخير".

حديثٌ لا يمحى من ذاكرته، حثّه فيه سماحة السيّد على الصبر، والتحمّل، والمتابعة على الرغم من صعوبة الإصابة، "قال لي: نحن نفتخر بك كونك أحد مجاهدينا، ونحتاج إليك بالقدر الذي تستطيع أن تقدّمه دون إرهاق نفسك"، كما شجّعه على متابعة الدراسة الأكاديميّة: "كان كلامه وأسلوبه ساحرَين، يخترقان القلب دون استئذان، كنت أنظر في وجهه فأشعر بنورٍ يسطع أمامي، وبقوّةٍ وصلابةٍ غريبة"، وقدّم له درعاً وميداليّة رمزيّة.

•أُنس المطالعة
خلال ستّة أشهر قضاها في المستشفى، كان يرى رجلاً يزوره باستمرار دون أن يعرف من يكون، بعد ذلك تبيّن أنّه طبيب والدته حيث كانت تخضع لعلاج طويل، وكان يأتي كلّ يوم ليطمئن إليها. كان يدخل للجلوس مع عبّاس نحو 3 ساعات، "طلب منّي أن نستثمر هذا الوقت بطريقة إيجابيّة من خلال قراءة الكتب، فقرأت بعض الكتب في الطبّ، ثمّ أخذ يناقشني ويختبر معلوماتي، عند نهاية كلّ محور، حتّى أصبحت ملمّاً بتفاصيل كثيرة في الطبّ. هذا أشعرني بالفرح، ولم أعد أشعر بمرور الوقت". لقد أثّر الطبيب في شخصيّة عبّاس كثيراً، وبهذه الطريقة أدخل البهجة والصبر على قلبه، حيث امتلك عباس حافزاً كبيراً للمطالعة في سبيل تطوير نفسه.

•العودة إلى الشعر
كان عبّاس موهوباً في كتابة الشعر، لكنّ ضيق الوقت وانشغاله بالعمل الجهاديّ، جعلاه يبتعد عن هوايته، إلّا أنّه عاد لاحقاً وكرّس لها وقتاً، فحفظ من الدواوين الشعريّة ما يقرب العشرين، مستعيناً بزوج أخته الذي أمدّه دائماً بالأمل والمعونة: "قام زوج أختي الشاعر سُدَيف حمادة بتأمين كتب الشعر ومتابعة ما أكتبه"، إلى أن أصبح عبّاس صاحب قصائد وأبيات شعريّة من الشعر الخليليّ الموزون.

•فاعليّة ونشاط
مضافاً إلى ذلك، ارتاد عباس معهداً لشبكات وأنظمة الحاسوب (Network) مدّة عامين، وشارك في العديد من الدورات في الإلكترونيّات واللغة الإنكليزيّة، ثمّ انتسب إلى معهد المعارف الحكميّة لدراسة فلسفة الإلهيّات نحو 3 سنوات، إلى أن اضطُرَّ إلى الانتقال إلى القرية، فكان يشغل نفسه بالقراءات المنفردة: "خلال وجودي في الهرمل، كنتُ أتابع مع الكشّافة بعض الأنشطة بحسب قدرتي". كما أخذ عالم التواصل الاجتماعيّ والإنترنت حيّزاً كبيراً من وقته، فأصبح ناشطاً في متابعة الصفحة الخاصّة بالجرحى.

بعد سنه تقريباً، رجع إلى بيروت لمتابعة دراسته الدينيّة، بانتظار إيجاد طريقة تمكّنه من الذهاب إلى المعهد بمفرده. كما أنّه يرغب في استكمال دراسته الأكاديميّة في الجامعة، ولكن هناك عوائق أمام ذوي الاحتياجات الخاصّة في بعض الجامعات اللبنانيّة، خاصّة أنّه لا يستطيع الكتابة بمفرده، ويتوجّب أن يرافقه شخص باستمرار يكتب عنه.

•كتابات شعريّة
فكّر في إصدار كتاب عن الشعر، لكن عدم قدرته على الكتابة منعه من ذلك، إلّا أنّ المشروع لا يزال قائماً؛ لأنّ الشعر الذي ألّفه يمكن أن يكون بحجم كتابَين. لديه أصدقاء من الشعراء يدعونه إلى المشاركة في الأمسيات الشعريّة: "أحاول القيام بمشروع إنتاجيّ أخطّط له حاليّاً".

كما يشارك عبّاس مع مؤسّسة الجرحى في الفرقة الإنشاديّة، من خلال الكتابة لهم. وبعد اندلاع الحرب في سوريا، حزن لأنّه لم يستطع مشاركة المجاهدين العمل العسكريّ، فكتب:
لِمَ لا أكون مجاهداً وشهيدا
ونياط روحي كبَّرَت توحيدا
عتبي كبير أنّ وعائي هاهنا
يفنى ولا يفنى هناك سعيدا


•"وهو كفيلي"
تقول أخت الجريح: "يتمتّع عبّاس بسرعة بديهة، ولديه قدرة كبيرة على صيانة أيّ آلة كهربائيّة، مهما كان العطل فيها، ودون أيّ صعوبة، وذلك كلّه تحصيل ذاتيّ".

كما أنّه شخص مثقّف دينيّاً، وتجلّت هذه الثقافة من خلال حواره مع أحفاد العائلة؛ إذ استطاع التأثير فيهم بشكل كبير، فأصبح النموذج والقدوة بالنسبة إليهم، وباتوا يستشيرونه في أدقّ تفاصيل حياتهم، حتّى أخذ هذا الأمر حيّزاً كبيراً من وقته.

وتضيف: "يعتمد عبّاس على نفسه، فلم يُشعرنا يوماً بأنّه يحتاج إلى شيء، على الرغم من وضعه، فهو بحاجة إلى من يقدّم له الطعام، وهو مستعدّ لأن يبقى دون طعام كي لا يزعجنا. نحن من نشعر بالحاجة إليه في أكثر أمورنا الحياتيّة. وعلى الرغم من مرور هذه السنوات على جراحه، لم تره العائلة يوماً يتأفّف أو يغضب، بل دائماً يكرّر هذه العبارة: (الحمد لله.. اختارني الله جريحاً؛ لأنّه يحبّني، وهو كفيلي)".

•نصف الكوب الممتلئ
يشبّه عباس الحياة بشخص يملك المال، وآخر يملك أكثر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الصحّة. فالكلّ يدرك جماليّة هذه الحياة، "فإذا ما أصاب الإنسانَ شللٌ رباعيٌّ، فإنّه كمن يملك فئة المئة دولار؛ صحيح أنّها قليلة، ولكن يستطيع الإنسان أن يجمع الفرح من خلالها".

من هذا المنطلق، يحثّ عبّاس الناس على النظر إلى الجانب المشرق من حياتهم دوماً، وعلى أن يتمتّعوا بالحياة كيفما كانت "حتّى لو واجهنا بعض المعوّقات، فلننظر إلى نصف الكوب الممتلئ وليس العكس، فهناك الكثير من الأمور التي تبعث السرور في القلوب".


هوية الجريح
الاسم الثلاثي: عبّاس حبيب الحسينيّ.
الوضع الاجتماعي: عازب.
مكان الولادة وتاريخها:
الهرمل 8/5/1985.
نوع الإصابة: شلل رباعي.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع