قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

شخصية العدد: كميل... صَدْرٌ أُوْدِعَ عِلْماً

الشيخ عباس رشيد

 



وُلِدَ كميل بن زياد النخعي رضي الله عنه في اليمن قبل الهجرة النبويّة بعدّة سنين. قال صاحب الإصابة فيه: "أدرك من الحياة النبوية ثماني عشرة سنة، شهد صفين مع علي، وكان شريفاً مطاعاً ثقة".  قبيلته رضي الله عنه هي واحدة من ‏أكبر القبائل المعروفة باليمن. قدَّمت هذه القبيلة شخصيات عزيزة للإسلام، فمالك ‏الأشتر، وهلال بن نافع، وسوادة بن عام، وغيرهم كلّهم من قبيلة كميل بن زياد. وقد سكن معظم أفراد هذه القبيلة بعد الإِسلام في الكوفة.  يعتبر كميل بن زياد من التابعين، ‏ومن خلّص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وعدّه الشيخ المفيد من السّابقين المقرّبين من أمير المؤمنين عليه السلام (1).

* من حواريّي الأمير عليه السلام
وممّا لا شك فيه أنّ قرب كُمَيل بن زياد من الإمام علي عليه السلام في معظم الأوقات جعله من مشاهير حواريّي الإمام عليه السلام، إذ كان أمير المؤمنين يُفضي إلى صاحبه هذا, الملازم له, والدائر في فلكه, بما في نفسه من شؤون وشجون, وبما تضطرم به جوانحه. وليس كلُّ ما يُعلم يُقال!... كان كميل على مستوى رفيع من العلم والمعرفة والفضيلة، مع زهد، وعبادة، وحيطة ‏في كلّ أُموره لاسيّما في عقيدته ودينه، وكان كثير السؤال للإِمام علي عليه السلام ‏في شتّى الأمور، وكان الإِمام عليه السلام يجيبه عنها ويهتمّ بها، ولاسيّما بأسئلته ‏العلميّة والفقهيّة ضمن سلسلة من المواعظ والحِكَم، على مسمع من الحاضرين ‏ليستفيدوا منه. ‏ ولكُمَيل في نفس الإمام منزلةٌ خاصة, وقد ظهرت في مناسبات عدّة، منها:

المناسبة الأولى
يا كميل.. عن كميل بن زياد أنه قال: "أخذ بيدي أمير المؤمنين عليه السلام فأخرجني إلى ناحية الجبان فلما أصحرنا جلس فتنفس الصعداء، ثم قال عليه السلام: يا كميل بن زياد إنّ هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، فاحفظ عني ما أقول لك... يا كميل مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة. ثم قال: آه آه إن ههنا لعلماً جماً لو أصبت له حملة، وأشار بيده إلى صدره، ثم قال: أللهم بلى قد أصبت لقناً غير مأمون عليه... كذلك يموت العلم بموت حامليه، أللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيّناته. وكم ذا؟ وأين أولئك؟ والله هم الأقلّون عدداً والأعظمون قدْراً، يحفظ الله بهم حججَه وبيّناته حتى يودعوها نظراءهم... أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه آهٍ آه شوقاً إلى رؤيتهم، وأستغفر الله لي ولك، إذا شئت فقم"(2).

* المناسبة الثانية
* دعاء الخضر عليه السلام أو دعاء كميل رضي الله عنه
يقول كُمَيل رضي الله عنه: "كنت جالساً مع مولاي أمير المؤمنين صلوات الله عليه في مسجد البصرة, ومعه جماعة من أصحابه, فقال بعضهم: ما معنى قول الله عزّ وجلّ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (الدخان: 4)؟  قال عليه السلام: هي ليلة النّصف من شعبان... وما من عبدٍ يُحييها, ويدعو بدعاء الخضر عليه السلام إلاّ استُجِيب له. فلمّا انصرف, طرقْتُه ليلاً، فقال عليه السلام: ما جاء بك يا كميل؟! قلت: يا أمير المؤمنين, دعاء الخضر عليه السلام، فقال: اجلس يا كميل!.. إذا حفظت هذا الدعاء, فادْعُ به كلّ ليلة جمعةٍ, أو في الشهر مرّةً, أو في السنة مرّة، أو في عمرك مرّةً, تُكْفَ, وتُنصَر, وتُرزَق, ولن تَعدَم المغفرة. يا كُمَيل! أوجَبَ لك طولُ الصحبة لنا, أن نجود لك بما سألتَ. اكتب: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء...(3).  وطفق كُمَيل يكتب، وإذا بين أيدينا الدعاء الذي عمَّ واشتُهِر بـ "دعاء كميل" وبه تمتلئ الكتب التي تتناول هذا الجانب من العبادة. وهكذا كان الإمام عليّ عليه السلام لا يَدَع مناسبةً تمرّ إلاّ وأودع فيها صدر كُمَيل علماً!

المناسبة الثالثة
* وصية الإمام عليه السلام لكميل رضي الله عنه

وعن سعيد بن زيد بن أرطاة قال: "لقيت كميل بن زياد وسألته عن فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: ألا أخبرك بوصية أوصاني بها يوماً هي خير لك من الدنيا وما فيها؟ فقلت: بلى فقال: أوصاني يوماً فقال لي: يا كميل بن زياد سمّ كل يوم باسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وتوكّل على الله.... يا كميل إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله أدّبه الله عزّ وجلّ وهو أدّبني وأنا أؤدّب المؤمنين وأورث الأدب المكرمين. يا كميل ما من علم إلّا وأنا أفتحه وما من سرّ إلّا والقائم عجل الله فرجه يختمه. يا كميل ذريّة بعضها من بعض والله سميع عليم... يا كميل لا تأخذ إلّا عنّا تكن منّا. يا كميل ما من حركة إلّا وأنت محتاج فيها إلى معرفة..."(4). وهكذا تستمر الوصية لكميل ما يقارب الثّماني صفحات فيها من المعاني القيّمة ما لا يسع المقام أن نذكره كلّه.

* الجهاد والحكم
أمّا على صعيد الحكم، فقد ولّى الإمامُ عليه السلام كميلاً على مدينة هَيْت في العراق، فحكم فيها كما أوصاه سيّدُه بسُنّة الله ورسوله صلى الله عليه وآله. وفي إحدى الحروب التي خاضها كميل في مواجهة خيل أهل الشام التي كانت متوجهة بأمر من معاوية إلى بلاد الجزيرة كما ورد في كتاب الفتوح وقعت الهزيمة على أهل الشام فقُتل منهم بشر كثير، فولّوا الأدبار منهزمين نحو الشام. فقال كميل بن زياد لأصحابه: لا تتبعوهم فقد أنكينا فيهم، وإن تبعناهم فلعلهم أن يرجعوا علينا، ولا ندري كيف يكون الأمر.. وبلغ ذلك عليّاً عليه السلام فكتب إلى كميل بن زياد: أمّا بعد: فالحمد لله الذي يصنع للمرء كيف يشاء، وينزل النصر على من يشاء إذا شاء، فنعم المولى ربّنا ونعم النصير، وقد أحسنت النظر للمسلمين ونصحت إمامك، وقديماً كان ظنّي بك ذلك فجُزيت والعصابة التي نهضتَ بهم إلى حرب عدوّك خير ما جُزي الصابرون والمجاهدون، فانظر لا تغزونّ غزوةً ولا تجلونّ إلى حرب عدوّك خطوة بعد هذا حتّى تستأذنني في ذلك، كفانا الله وإيّاك تظاهر الظالمين، إنّه عزيز حكيم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته...(5).

* شهادته
كان كُمَيل قد أنبأه مولاه أمير المؤمنين عليه السلام بأنّ فتى بني ثقيف أي الحجاج سيقتله... ولمّا ولّي الحَجّاجُ على الكوفة, صار يبطش بها بطش جبّار طاغية، ويلاحق أصحابَ الإمام عليه السلام وشيعتَه، ويهدر دماءهم. عندها تخفّى كُمَيل ولم يُعثَر له على أثر! فعمَد الحجّاج إلى قطع المال والمُؤن عن أهل بيته وأقاربه كافّة، كوسيلة للضغط عليه، عندها لم يستطع كُمَيل رضي الله عنه صبراً على ما سُبّب لذويه من بلاءٍ وضيق، فأقدم على الحجّاج قائلاً: "أنا شيخ كبير قد نفد عمري لا ينبغي أن أحرم قومي عطياتهم، فخرج فدفع بيده إلى الحجاج فلما رآه قال له: لقد كنت أحب أن أجد عليك سبيلاً، فقال له كميل: لا تصرف علي أنيابك ولا تهدم علي، فوالله ما بقي من عمري إلا مثل كواسل الغبار، فاقض ما أنت قاض، فإن الموعد الله، وبعد القتل الحساب، ولقد أخبرني أمير المؤمنين عليه السلام أنك قاتلي، فقال له لحجاج: الحجة عليك إذاً، فقال له كميل: ذاك إن كان القضاء إليك، قال: بلى... اضربوا عنقه فضُرِبت عنقه"(6)، فقُتل صابراً ‏محتسباً.

* مدفنه
دُفن رضي الله عنه في وادي السلام في النجف الأشرف مجمع أرواح المؤمنين, وحيث يرتفع مسجد (حنّانة) يقابله كَثيبٌ يعرف بـ (تلّ الثوبة), وعلى الكثيب شُيِّد الضّريح الذي يضمّ مزاراً للمؤمنين الذين يَؤُمّونه, مجدِّدين عهداً ومثبّتين ولاءً, لأهل بيت النبوّة, الذين أذهبَ اللهُ عنهم الرجسَ وطهَّرهم تطهيراً!


(1) الاختصاص، الشيخ المفيد، ص 6.
(2) نهج البلاغة، الشريف الرضي، ج 4، ص 35.
(3) إقبال الأعمال، ابن طاووس، ج 3، ص 331.
(4) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 74، ص 266.
(5) كتاب الفتوح، أحمد بن أعثم الكوفي، ج 4، ص 228.
(6) الإرشاد، الشيخ المفيد، ج 1، ص 327.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع