قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

مجتمع: أصدقائي من يختارهم؟

تحقيق: فاطمة الجوهري غندورة



تقوم التربية الإسلامية الصحيحة على إعداد إنسان متكامل يعرف ما له من حقوق وما عليه من واجبات. هذا الإنسان, يولد كصفحة بيضاء ويكون شديد التأثر بأنواع السلوك وأساليب العيش المحيطة به، بدءاً من مسلكيات الوالدين مروراً بمحيطه الاجتماعي, وما يقوم عليه المجتمع من وسائل فكرية وإعلامية. وتعتبر الصداقة من أبرز المؤثرات، إذ تلعب دوراً فعّالاً ومؤثراً في حياة الفرد عموماً والناشئة خصوصاً, نظراً لما تحمله من قيم ومعان إنسانية سامية طالما تغنّى المجتمع بالحديث عنها.  أسئلة واستفسارات كثيرة نطرحها على بساط عددنا هذا من مجلة بقية الله وذلك من خلال ما يتبنّاه الأهل ويراه الأبناء.

* آراء متباينة
تباينت آراء الأهالي واختلفت فيما بينها؛ فلدى سؤالنا عمّا إذا كان الأهل يجيزون لأنفسهم التدخل باختيار أصدقاء أبنائهم أم لا, اعتبر السيد منتظر (30 سنة، والد لطفل واحد), أنّ لتدخّل الأهل المباشر في صداقات الأبناء تأثيرات سلبية على شخصيّة الولد. وأضاف: "التدخّل يجب أن يُترجم من خلال تربية إسلامية صحيحة وسليمة منذ الولادة ترسم للطفل معالم شخصيته على أساس إسلامي وتهيّئه للدخول في معترك الحياة فيصبح قادراً على اختيار أصدقائه وهو على يقين من أن اختياره لهذا الصديق يسعد والديه ولا يقلقهما". في المقابل أعطت السيّدة أمينة (36 سنة، والدة لسبعة أبناء) الحقّ لنفسها بضرورة التدخّل في اختيار الأبناء للأصدقاء معتبرة أنّهم لا يملكون الخبرة والمعرفة الكافية وأنّ الأهل أقدر على كشف خفايا الأشخاص وصفاتهم.  ويعزّز هذا الرأي السيد أبو عباس (40 سنة، والد لخمسة أبناء) مؤكّداً أنّه من خلال استقبال أصدقاء ولده في المنزل والتعرّف إليهم استطاع أن يأخذ فكرة عن شخصيّاتهم وأخلاقياتهم وينقلها لولده بأسلوب غير مباشر مبيّناً له إن كان اختياره سليماً أم العكس.

* أبرز الصّفات
ورغم الدّور الفعّال الّذي تلعبه الصّداقة في حياة الأبناء إلا أن آراء الأهل تتأرجح بين قدسيّة الصداقة أو عدم الاكتراث بما تمثّله. فبحسب السيّد علي (والد لخمسة أبناء): "أنا لا أشجّع أولادي على الصّداقة التي تصل إلى حدّ التّضحية والتّفاني والإيثار". بينما تخالفه الرأي السيدة أم مسعود (والدة لثلاث فتيات وصبي) فتؤكّد: "على الرغم من أنّ الصداقة أصبحت عملة نادرة إلّا أنها موجودة, والدنيا لا تخلو من الأصدقاء الحقيقيين ولكنّ المسؤولية تقع علينا في الاختيار".

* آراء الشباب
مقابل تساهل الأهل وصرامتهم، أجمع كل الناشئة الذين التقينا بهم على أنه مهما كانت الطريقة التي يتَّبعها الأهل فهي تدخلات غير مقبولة وهي بمثابة تعدٍّ على خصوصيّاتهم وحريّاتهم لأنهم قادرون على اختيار أصدقائهم. وفي هذا الإطار، يقول أسامة (14 عاماً): "إن التحقيقات التي يجريها أبي مع أصدقائي أثناء زيارتهم لي في المنزل تحرجني لذلك أحاول غالباً اللقاء بهم في الخارج". ويقول حسن (15 عاماً): "أشعر بالسعادة عندما أخالف نصائح والديّ أو أوامرهما اللامحدودة دونما شرح الأسباب ومنعي من مصادقة هذا أو ذاك".

* رابطة معنويّة
بين ضغوط الأهل وتمرّد الشباب، التقينا بالأخصائي النّفسي التربوي العيادي الدكتور محمود غنوي للتّعرف أكثر إلى كيفية اختيار الأصدقاء.  بدأ الدكتور غنوي بتعريف الصداقة فقال إنها رابطة معنويّة تلبّي نداءَ الفطرةِ الإنسانيّة الداخليّة بالاجتماع والتّواصل مع أفراد المجتمع. فالصّداقة في مفهومها العام عند الكبار أمر مثالي صعب التّحقق لأنّها علاقة محكومة بالنّفعية والتّبادلية بسبب تلوّث الفطرة الإنسانيّة. أمّا في مفهومها الخاصّ عند الصّغار من أطفال وناشئة فهو مختلف كلياً لأنّ مفهومهم فطريّ نرجسيّ ومثاليّ حقيقيّ أي إنّها واقعيّة، مُعاشة من قبلهم بعكس الكبار.

* الصّداقة والنّاشئة
بعد أن تعرفنا إلى رأيه العام، كان لا بُدّ لنا من استيضاح عدد من النقاط، وطرح مجموعة من الأسئلة على الدكتور غنوي عن الدور الذي تلعبه الصداقة في مستقبل الناشئة. تلعب الصّداقة دوراً هاماً وأساساً في اكتمال النمو والنّضج الاجتماعي والانفعالي لدى الناشئة وكذلك في ازدياد الخبرات والمهارات واكتساب القيم الاجتماعية التواصليّة لديهم. ولا بد هنا من تعريف الناشئة ففي السابق، ساد الاعتقاد أن المراهقين هم الأولاد ممن بلغوا الاثني عشَر عاماً ولم يبلغوا الثمانية عشَر عاماً. ولكنْ، وبسبب التطوّر التكنولوجي، حيث أصبح المجتمع العالمي ضيعة كونيّة صغيرة، وبفضل تحسّن برامج التّربية والتّعليم التي كانت تبدأ بعمر ستّ سنوات لتصير فيما بعد من عمر الثّلاث سنوات، نستطيع القول إنّ عمليّة اختيار الأبناء لأصدقائهم تتّخذ شكلاً فطريّاً عفويّاً منذ عمر سنتين ونصف وحتّى عمر ثلاث سنوات وتتطور تدريجيّاً، ليصبح المفهوم كاملاً وواضحاً في عمر تسع سنوات، بداية مرحلة اكتمال النموّ المعرفي للطفل. ولمزيد من التوضيح لا بد لنا من التفريق بين مرحلتين أساسيتين:

المرحلة الأولى: مرحلة الطفولة وتبدأ من عمر ثلاث سنوات حتى عمر السبع سنوات. في هذه المرحلة يترك الطفل على فطرته الطبيعية الطيبة في اختيار رفاقه (جيران, مدرسة, أقرباء) ويتدخل المربي والأهل في تنظيم هذه العلاقة.

المرحلة الثانية: وتبدأ من عمر السبع سنوات حتى عمر السابعة عشرة سنة. في هذه المرحلة يتوجّب على الأهل البدء تدريجياً بتوضيح القواعد والشروط المتعلقة بكيفيّة اختيار الأصدقاء من خلال ذكر صفات الصّديق المخلص وعواقب مصادقة الأشخاص السيئين ومدى تأثيرهم على السّمعة والمستقبل المهني والتعليمي وعلى العلاقة بالأسرة والمجتمع والأهم على العلاقة بالله بالإضافة إلى تقديم تفسير منطقي وذكر شواهد وعيّنات تخدم هذا الموضوع.

* التفّاحة الفاسدة
قارب الدكتور غنوي بين مفهوم التفاحة الفاسدة التي تفسد ما حولها وأصدقاء السّوء الذين يفسدون الولد الطّيب، فالمجتمع مليء بعيّنات مختلفة قد تؤثّر سلباً وأحياناً قليلة إيجاباً في تكوين القيم الاجتماعية للطّفل الحدث. لذلك لا بد من تدخّل الأهل في تحديد مسار علاقات أبنائهم في مختلف المراحل العمرية، من خلال الاستفسار عن هوية أصدقاء أبنائهم من جيران ورفاق حي وزملاء دراسة. بالإضافة إلى المدرسة ممثّلة بالمربي، الذي عليه أن يتحكم في مسار العلاقات بين التلامذة.  واعتبر الدكتور غنوي أن استخدام الأهل الأساليب القسرية الخاطئة تؤدي إلى حدوث ردات فعل معاكسة تظهر أحياناً في معاندة آراء الأهل. وقد تُحدِث الأساليب الخاطئة مع الابن تأثيرات نفسيّة وسلوكيّة واجتماعيّة خطيرة. \من هنا يجب علينا أن ندرس خطواتنا بشكل جيّد وعندما نتّخذ القرار المناسب, علينا أن نعمل على تطبيقه أولاً بالتي هي أحسن, أي بالكلمة الطّيبة وفي حال لم يتجاوب الأبناء علينا أن نقلّل من الكلام ونبدأ باتخاذ التّدابير التأديبية تدريجياً كأن يبدي الأهل عدم رضاهم عن تصرفات أبنائهم وخياراتهم السيئة.

* نصائح مساعدة
في الختام لا بدّ لنا من توجيه عدة نصائح للأهل لمساعدة أبنائهم على اختيار الأصدقاء:
1. لا بد أن يبدأ الأهالي بتثقيف أبنائهم وتعريفهم إلى مفاهيم الصداقة منذ مرحلة الطفولة الأولى.
2. اتركوا لأبنائكم ابتداءً حق الخيار.
3. أولادكم بحاجة للقدوة الحسنة ينمّون على أساسها شخصيّاتهم لذا علّموهم حب الله والرسول صلى الله عليه وآله وحب أئمة أهل البيت عليهم السلام وعندها لا خوف عليهم.
4. إياكم والتعامل بأسلوب جبري قاسٍ مع أولادكم. ناقشوهم، صارحوهم وبيّنوا لهم حقائق ما تقولون بالدليل ليلمسوا ذلك بأنفسهم.
5. عليكم مراقبة أولادكم عند اختيار أصدقائهم وعدم التغافل عن مسار هذه العلاقة بعد نشوئها.
6. علّموهم فنون الصداقة وطرق تمضية الوقت والاستفادة منه مع الأصدقاء.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع