نور روح الله: الوضوء طهارة القلب(*) فقه الولي: من أحكام صلاة الجماعة(1) إضاءات فكريّة: القيم الإنسانيّة في الإسلام(*) مناسبة: البقيع: قبابٌ من نور حِيَل التطبيع الفنّيّ والرياضيّ "Valve" تطلق خوذة متطوّرة للواقع الافتراضيّ إيرانيّون يصنعون ثلّاجة خاصّة لحفظ اللّقاحات حقيقة "العادة الغريبة" للاعبي كرة القدم أخلاقنا: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (*) تسابيح جراح: رحلة العودة إلى الحياة

إضاءات فكريّة: القيم الإنسانيّة في الإسلام(*)

سماحة السيّد إبراهيم أمين السيّد

 



القيم هي ما أودع الله سبحانه وتعالى في الإنسان من اتّجاهات نحو الخير، واتّجاهات نحو الشرّ. ولا يوجد هناك تعريف وذكر صريح للقيم، سواء في النصوص الدينيّة، أو الروايات، أو القرآن الكريم. أمّا ما ذُكر في القرآن الكريم والروايات فهو الخُلق، وفضائل كثيرة. وإذا ما أراد كلّ شخص أن يعرّف معنى القيم، فسينتج لديه الكثير من التعليقات حوله، دون أن يكون هناك تعريف واضح لها، إلّا إذا تمّ التوافق على اقتران القيم بالأخلاق، وهذا أقرب تعريف؛ لأنّ القيم الفاضلة أو القيم السيّئة هي مثل الأخلاق الفاضلة أو الأخلاق السيّئة. انطلاقاً من هذا الكلام، ما هي علاقة الدين الإسلاميّ بالقيم؟

•مصدر القيم
يتحدّث القرآن الكريم عن القيم. حتّى في الأبحاث بأصول الفقه، يبحثون ما إذا كان الصدق حسناً بذاته أو بلحاظ أنّ الشرع هو الذي حسّنه، وإذا ما كان الكذب مثلاً قبيحاً ذاتيّاً أو من خلال ما قبّحه الشرع.
لذلك نقول، إنّ هذه القيم هي قيم ذاتيّة، تحمل حسنها في ذاتها وتنسجم مع طبيعة النفس البشريّة. والقيم سابقة على الأديان. والأديان تستهدف هذه القيم، وتربّيها، وتزكّيها، بحسب التعبير القرآنيّ ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾. فالقيم ثابتة، غير متغيّرة، ولها مراتب متعدّدة. وفيما يلي بعض الآيات الواضحة في هذا الموضوع:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ (الشمس: 7)، هذه مخاطبة للنفس هنا؛ أي الوجود النفسيّ في النفس البشريّة: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس: 8)، وفي أماكن أخرى لا يتكلّم عن الإلهام، بل يتعدّاه إلى الوحي: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ (الأنبياء: 73)، وفي مكان ثالث يتكلّم عن الهداية: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ (البلد: 10-11).

•على مدارج الكمال
لقد جاء الدين من أجل التزكية، والتنمية، والتربية. ولأنّ الأصل والأساس هو تحقيق الإنسانيّة، فهذا يعني أنّ القيم هي عمليّة خروج من مساحة الوحشيّة في هذا الكائن إلى مدارج الكمالات الإنسانيّة.

لقد تحدّث الرسول محمّد صلى الله عليه وآله وسلم عن صراعٍ داخل نزوعات الشرّ والخير، والإنسان حينما يستطيع أن ينتصر على نزعة الشرّ، فهذا يعني أنّه قد هيّأ نفسه، وأصبح على درجة من الاستعداد لتلقّي الدعوة والأوامر الإلهيّة.

•التسابق نحو الخير
وكلّما استطاع الإنسان أن يخرج بدرجة واحدة من مرتبة الشرّ إلى مرتبة الخير، يكون مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (هود: 114)؛ كلّما ارتقى في القيم درجة، كلّما تخلّص من مرحلة من مراحل الشرّ، حتّى يصل الإنسان في صراعه الداخليّ إلى مرتبة لا يعود فيها لقوى ونزعة الشرّ أيُّ وجود في داخله.

•الحرّيّة والاختيار
إنّ الصياغة القرآنيّة للحرّيّة والاختيار، جاءت بشكل تحتمل بعض الالتباسات، فحين يقول الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان: 3)، ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس: 7-8)، فالآيات هنا لا تتكلّم عن الإنسان، بل عن النفس، فـ﴿شَاكِرًا﴾ أو ﴿كَفُورًا﴾ هي نسبة الفعل إلى الإنسان.

فهل أعطى الله تعالى القدرة للإنسان على الاختيار بين الخير والشرّ؟ إنّ هذا الموضوع هو محلّ اشتباه والتباس، ويوجد فرق كبير بين رأي الإسلام وبين الفلسفات الموجودة في العالم بالنسبة إلى هذا الموضوع، والتي ترى أنّ الإنسان حرّ، يفعل ما يشاء، وأنّ الله أعطاه حقّ الاختيار. والحقيقة أنّ الله سبحانه وتعالى لم يعطه حقّ الاختيار، وإنّما أعطاه القدرة على ذلك، مضافاً إلى أنّه حمّله مسؤوليّة ما يختار، سواء الكفر أو الإيمان، لذلك قال له: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾.

•لا ضرر ولا ضِرار
توجد معادلة معروفة مفادها: "حريّتك تنتهي عند حدود حريّة الآخرين"، ولكنّها معادلة يشوبها التباس واشتباه، فحريّتك تنتهي عند حقوق الآخرين، وليس عند حريّتهم؛ لأنّ التزاحم في الاجتماع البشريّ ليس بين حريّة وحريّة، وإنّما هو بين حقّ وحقّ، وبين حريّة وحقوق، وهذا موجود في قواعد الفقه أصلاً. إنّ الناس مسلّطون على أموالهم، وعلى أنفسهم، ولا أحد يقبل بأن يكون هذا التسلّط مطلقاً، فهو محكوم بقاعدة ثالثة اسمها "لا ضرر ولا ضِرار". فحينما يصطدم التسلّط على النفس أو على الأموال مع حقّ الإنسان على نفسه وحقّه تجاه الآخرين، حينئذٍ يصبح التسلّط على النفس مقيّداً ومحكوماً بضابطة عدم الإضرار وعدم العدوان. فالمعادلة الصحيحة هي: "حريّتك تنتهي عند حدود حقّ الآخرين وليس عند حدود حريّة الآخرين".

•العوامل المساعدة في مدارج الكمالات
العوامل التي تساعد الإنسان على السير في مدارج الكمالات هي:
1- الفطرة السليمة: فالفطرة السليمة والطيّبة هي التي تدرك الحُسن والقبح؛ فالظلم، والخيانة، والذلّة لا تحتاج إلى دين لكي ندرك قبحها، وإنّما يحصل ذلك بانفعال فطريّ عند الإنسان.

2- العقل: هو من أهمّ العوامل التي تساعد الإنسان على الخروج من الوحشيّة إلى الكمال الإنسانيّ. لم يُخلق العقل من أجل أن يأخذ الإنسان مسار الشرّ. يقول أحد الباحثين: "إنّ الشرّ لا يحتاج إلى عقل، لكن بمجرّد أن يعطّل العقل، يصبح شرّاً".

وخير مثال على ذلك موجود في كلام للإمام الحسين عليه السلام: "ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة". عدم قبول الذلّ ليس تكليفاً فحسب، بل خيار يعود للذات الإنسانيّة العاقلة، فالتكليف يتبع هذه القيم الموجودة في الذات، ولا ينشئها ولا يصنعها. حينما يختار الإنسان مسار الشرّ، يفقد ميزة الإنسانيّة، ويسقط عقله، ويصبح شبه إنسان؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى أعطاه العقل ليسلك به مسار الكمالات.

3- عوامل أخرى: من العوامل المساعدة أحياناً الأنبياء، والرسل، والأولياء، والصالحون، والتجارب، والتاريخ، وكذلك الشريعة والتشريعات.

•الانحياز إلى الخير
إنّ وجود قوّة الخير وقوّة الشرّ في الإنسان هو وجود غير متكافئ، فلا يخطئنّ أحد في لحظةٍ من اللحظات بالقول إنّها بالدرجة نفسها، فهناك انحياز إلهيّ إلى قوى الخير لا إلى قوى الشرّ، وهذا يحمّل الكثير من المسؤوليّات.

أوّل انحياز هو الفطرة الطيّبة، وثانيه هو منحة العقل، وثالثه هو التحبيب، حيث جاء في التعبير القرآني ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (الحجرات: 7)، هذا كلّه لمصلحة مسار الخير.

•مسار الكمالات والعبادة
إنّ السير في مسار الكمالات، وتمظهُر قوّة الخير في الخارج، هما عبادة، وهذا ما يوضّحه القرآن الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56). كما أنّ القيم لا ترتبط بهدف شخصيّ، أو عامّ، أو دنيويّ، فأن يكون الفرد صادقاً من أجل الوصول إلى هدفٍ ما مثلاً، أو الترويج للصدق، فهذا يخرج عن معنى القيم؛ لأنّ الهدف من القيم هو تجسيد ما أودع الله سبحانه وتعالى في الإنسان في الخارج من أجل تحقيق اللياقة بين الإنسان وخالقه.

•القيم والمناسبات
إنّ القيم لا تُترجم إلّا من خلال مناسبة؛ أي أنّ الإنسان تنتظره مناسبات حتّى تتمظهر ذاته الطيّبة في الخارج. وهذه المناسبة ليست مرتبطة بالآخر، بل بالشخص ذاته؛ إذ النصّ القرآنيّ يقول: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: 8)، ويوجد نصّ عن الإمام الرضا عليه السلام يقول: " اصطنع الخير إلى مَن هو أهله، وإلى مَن ليس بأهله، فإن أصبت أهله فهو أهله، فإن لم تصب أهله فأنت مِن أهله"(1).

•حركة نحو اللامحدود
ختاماً، لا مراتب لمسار الشرّ، وإنّما لمسار الخير فقط، وذلك لسبب جوهريّ؛ لأنّ مسار الشرّ هو حركةٌ من الإنسان نحو الحضيض، وأمّا مسار الإنسان نحو الخير، فهو حركة من المحدود إلى اللامحدود؛ وهذا يعني أنّ المراتب مفتوحة أمام الإنسان حينما يدخل في مسار الكمالات الإنسانيّة.


(*) كلمة سماحة السيّد إبراهيم أمين السيّد رئيس المجلس السياسيّ في حزب الله في ملتقى "القيم الإنسانيّة في الأديان السماويّة" نظّمته هيئة التعليم العالي للتعبئة التربويّة، 7/2/2019م.
1.جامع أحاديث الشيعة، السيّد البروجردي، ج14، ص486.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع