نور روح الله: آداب القيام في الصلاة(1)(*) مناسبة: من ذاكرة انتصار التنمّر: ضعفٌ وليس قوّة احذر عدوك: فتبيَّنوا (1) أول مدينة دوائيّة في الشرق الأوسط في إيران الدراسة الجامعيّة تطيل العمر بريطانيا تمنع "الرأسيّات" في المدارس الابتدائيّة فايسبوك تطرد موظّفاً اعترض على منشورات لترامب أوّل الكلام: صدقةٌ يحبّها الله مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة

مجتمع: كيف نفسّر أحلامنا؟

تحقيق: زهراء عودي شكر

* فيسيولوجيا الأحلام
الأحلام ظاهرة تتكرّر كلّ ليلة بشكل منتظم، ولها وظائفها الفسيولوجية والنفسيّة للحفاظ على التوازن الانفعالي والذاكرة والتعلم. وقد اهتم علماء النفس بالأحلام، إلا أنّهم لم يشغلوا أنفسهم كثيراً بمحتواها ولا بتفسيرها إلا في نطاق ضيّق، لأنّ الأحلام في نظرهم تؤدّي وظيفتها، حتى وإن لم تفسر. حتى وإن لم يتذكّرها الشخص على الإطلاق. شأنها شأن الوظائف الفسيولوجية الأخرى مثل التنفس ونبض القلب وحركة الأمعاء، تلك الوظائف التي تعمل بشكل تلقائي ونستفيد منها حتى ولو لم نعلم كأشخاص عاديّين كيف تعمل.

*رموز خاصّة
يُجمع علماء النفس على أنه لا يوجد اتفاق على مفتاحٍ لفكّ رموز الأحلام، ثبتت صحّته وفعاليّته وصدقه وثباته. ويعتبرون أن كل ما قيل في هذا الموضوع هو اجتهادات شخصيّة متضاربة. والسبب هو أن لكل شعب ولكل جماعة، بل لكل فرد، رموزه الخاصة في الحلم، فالكلب مثلاً يعتبر عند بعض الشعوب رمزاً للوفاء وعند بعض الشعوب الأخرى رمزاً للعدوان. ولذلك فمن الصعب وضع قاموس موحّد تفسر به كل الأحلام، إلّا أنّ هذا لا يمنع من وجود بعض الرموز المشتركة بين البشر.
باختصار، يميل علماء الفسيولوجيا إلى عزو الأحلام إلى تغيرات كيميائية وإلى تأثيرات عضوية خارجية أو داخلية يترجمها المخ إلى أحداث فتدخل في محتوى الحلم.

وبالنسبة للمعالج النفسي فإنه يهتم بالأحلام أياً كان مصدرها، ويعتبر أن تحليلها ودراستها نافذان على نفس المريض واهتماماته وارتباطاته وتعلّقاته. وهذا يساعده بدرجة كبيرة في النواحي التشخيصية والعلاجية، لأن الشخص يحكي الحلم ولا يخاف أن يؤخذ عليه شيء فهو حلم وليس حقيقة. وهكذا فهو في نفس الوقت يسقط في روايته للحلم أشياء كثيرة لا يمكن أن يصرح بها في حديثه العادي.

*صفات المعبّر
أما فيما يختص بالمفسّر للمنام أو المعبّر فينبغي أن يقول إذا قصّت عليه الرؤيا: خيراً رأيت، وخيراً تلقاه، وشرّاً تتوقّاه، خير لنا وشرّ لأعدائنا. وينبغي لصاحب المنام أن لا يقصّ رؤياه إلا على عالم أو مؤمن ناصح خالٍ من الحسد، فعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "الرؤيا لا تقصّ إلا على مؤمن خلا من الحسد والبغي"1.

وعلى المعبّر أن يكون ذا حذاقة وفطنة، صدوقاً في كلامه، حسناً في أفعاله، مشتهراً بالديانة والصيانة، ولذلك سمّى الله النبي يوسف عليه السلام بالصدّيق. إلى ذلك عليه أن يكون عارفاً بالأصول في علم التعبير، عالماً، ذكياً، تقياً، نقياً من الآثام، عالماً بكتاب الله وسنّة نبيّه ولغة العرب وأمثالهم، وأن يكون ملمّاً بأحوال الناس، وعادات المدن والأمصار، وأسماء ومعاني كل ما يخص شؤون حياتهم من ملبس ومأكل وغيره، وأن يميّز رؤيا كل أحد بحسب حاله وما يليق به وما يناسبه، ولا يساوي الناس فيما يرونه. كما يتوجّب على المعبّر التثبّت مما يفسّره، وأن لا يجزم كل الجزم فيه، لأن لكل رؤيا وجوهاً للتأويل. وعليه أيضاً أن يعترف بعدم معرفته بما يُشكِل عليه من الرؤى. هذا ويستحب أن يؤوّل المعبّر الرؤيا في ثلاثة أوقات، عند طلوع الشمس وغروبها وعند الزوال2.


*رؤية الدين
نظراً للإشارات والرموز المبهمة والمعقّدة التي تحملها هذه الرؤى والأحلام، والتي لا يمكن فكّها إلا من خلال علماء مؤمنين أجلاّء أو مفسرين موثوقين، كان لا بدّ من تسليط الضوء على الموضوع أكثر من الناحية الدينية، وذلك من خلال الاستفسار عنه من سماحة الشيخ إبراهيم بدوي.
يقول الشيخ إبراهيم: "إن الدين الإسلامي يرى أن الأحلام في جزء منها حق وواقع، وهي انعكاس بعض أحداث عالم الغيب على عالمنا المادي بحيث تظهر كرموز لأصحابها من خلال ما يرونه في أحلامهم. وهذه الرموز قد تحتاج إلى تأويل، وقد تكون من الوضوح بمكان بحيث تستغني عن التأويل، فقد قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ (يوسف: 6). ومن المؤكد أن تأويل الأحاديث هو تأويل الرؤى على ما هو معلوم في قصة النبي يوسف عليه السلام. وفي كتاب (من لا يحضره الفقيه) للشيخ الصدوق ورد أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلٌ من أهل البادية، له جسم وجمال، فقال: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزَّ وجلّ: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ (يونس: 63-64) فقال: أما قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا فهي الرؤيا الحسنة يراها المؤمن، فيبشر بها في دنياه، وأما قول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَفِي الآخِرَةِ فإنها بشارة المؤمن عند الموت، يبشر بها عند موته 3... فأصل موضوع الرؤيا الصادقة والأحلام الصحيحة ذات المعنى الرمزي لا كلام فيه".

*الرؤيا ثلاثة
وعن موضوع تفسير الأحلام والرؤى، يستشهد الشيخ البدوي بقول الإمام الصادق عليه السلام: "الرؤيا على ثلاثة وجوه: بشارة من الله للمؤمن، وتحذير من الشيطان، وأضغاث أحلام". ويعود الشيخ ليفسّر الحديث قائلاً: "ليس هناك ضابط معروف يمكن تفسير كل المنامات على وفقه، وإنما يختلف الحال باختلاف الرائي والمفسّر. فابن سيرين فسّر لشخص رأى نفسه يؤذن بأنه سيحج، ثم جاء آخر وقد رأى المنام ذاته ففسره له بأنه سارق، فأخذوه وحققوا معه فاعترف بسرقته، ولما سألوه لماذا فسرت لأحدهما بالحج وللآخر بالسرقة، قال: رأيت على الأول علامات الصّلاح، ففسرت الأذان بقوله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ (الحج: 27). أما الآخر فقد رأيت عليه علامات الشقاء ففسّرت له بقوله تعالى: ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (يوسف: 70).

*رؤيا المؤمن والأنبياء
وفيما يتعلق برؤى الأنبياء عليهم السلام وميزتها عن رؤى الناس، فيرى الشيخ إبراهيم أن رؤى الأنبياء عليهم السلام وحيٌ في قسم كبير منها، ذلك أن النبي عليه السلام يصل إلى درجة اليقين بصدق ما يراه وانطباقه على الواقع، قال إبراهيم عليه السلام: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ (الصافات: 102). ولو لم يكن على أقصى مستويات اليقين بأن هذا أمر من الله لما كان ضحّى بابنه ووحيده إسماعيل عليه السلام.
وأما عند الناس فاحتمال الإصابة ضعيف بنسبة واحد على سبعين، فعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "إن الرؤيا الصادقة جزءٌ من سبعين جزءاً من النبوة"4.
وهذه النسبة ضعيفة إلى درجة لا يمكن الركون إليها في تصديق شيء من الرؤى. ويضيف سماحته على الموضوع قائلاً: "إن الرؤى لا تصلح أبداً لبناء حكم عليها، ولا تصلح إلاّ أن تكون منبهات للإنسان ليتعظ من نفسه ويرتدع عن بعض أعماله المخالفة. ولا يمكن لنا أن نعادي أو نوالي أحداً بناء على ما نراه عنه من الأحلام، ولا أن نتخذ أي موقف من أي طرف حتى لو كان الذي يأمرنا بهذه المواقف هو من نظن (في المنام) أنه نبيّ أو ولي".

*ادّعاء التفسير
وللشيخ إبراهيم موقف من الذين يمتهنون تفسير الأحلام، يقول في هذا الإطار: "إذا كان المراد من الامتهان جعل تفسير الأحلام مهنة بحيث يأخذ المفسر (الذي هو مفسر بحق) الأجرة على تفسيره، فهذا لا بد فيه من الرجوع إلى المراجع العظام لتحديد الموقف الفقهي منه، ولكل مكلف أن يرجع إلى مرجعه. أما بالنسبة لما نراه على بعض الفضائيات من تصدي جماعة لتفسير الأحلام دون أن يكون لديهم العلم الكافي ولا القدرة التي تؤهلهم للقيام بهذا العمل فلا ريب أن هذا أمر مرفوض، وهو نوع من استغلال الناس والكذب عليهم. وهنا ندعو أهلنا إلى عدم تصديق هؤلاء المدعين، وبالتالي عدم التواصل معهم".

* ما قلّ ودلّ
إن موضوع الأحلام من الموضوعات الشائكة، والتي تحتاج للاقتراب منها إلى الكثير من الوعي والحذر والأمانة، وتحتاج لقراءة واقع الشخص من خلال مقابلة شخصية مباشرة للسؤال والاستفسار، كما تحتاج لقراءة البيئة التي يحيا فيها بلغاتها ورموزها وصراعاتها، كما تحتاج لمعرفة قوية باللغة الدينية ورموزها ومدلولاتها، والمعتقدات الدينية السائدة في مجتمع الرائي والثقافات السائدة حوله أو المؤثرة فيه. وأيّ قراءة أو تفسير للحلم يسقط بعداً من هذه الأبعاد فسوف يكون ناقصاً أو مشوّهاً أو مغلوطاً.

مع كل هذا علينا أن نعترف أنّ التعامل مع الحلم مثل التعامل مع نص أدبي أو فني نقوم بقراءته نقدياً. والقراءة النقدية قد تقترب أو تبتعد من النص الأصلي وقد تنتقص منه أو تضيف إليه، ولكنها في النهاية ليست هي النص الأصلي، وليست معلومات مؤكّدة وموحّدة، بل يبقى النص الأصلي يحتمل الكثير من القراءات والتأويلات والتداعيات. وهذا ربما يجعل تفسير الأحلام أقرب إلى الفن المنضبط ببعض القواعد العلمية، أو العلم المرتكز على بعض القواعد الدينية والفنية والثقافية والفلسفية والأدبية. وربما هذا الغموض هو الذي جعل تفسير الأحلام يقع في أيدي الكثير من المدّعين والمشعوذين ومزيّفي الوعي واللاّوعي.


1- الكافي، الكليني، ج8 ص336.
2- منتخب الكلام، محمد بن سيرين، ج1 ص45.
3- الوافي، الفيض الكاشاني، ج265 ص548.
4- بحار الأنوار، المجلسي، ج58 ص167. في المصدر: "... وإن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءاً من النبوة".
5- المراجع المعتمدة بشكل عام (كتاب دار السلام، ميرزا حسين الطبرسي، ج1؛ كتاب تفسير الأحلام للإمام الصادق عليه السلام؛ كتاب تعطير الأنام في تعبير المنام للشيخ عبد الغني النابلسي).

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع