نور روح الله: الوضوء طهارة القلب(*) فقه الولي: من أحكام صلاة الجماعة(1) إضاءات فكريّة: القيم الإنسانيّة في الإسلام(*) مناسبة: البقيع: قبابٌ من نور حِيَل التطبيع الفنّيّ والرياضيّ "Valve" تطلق خوذة متطوّرة للواقع الافتراضيّ إيرانيّون يصنعون ثلّاجة خاصّة لحفظ اللّقاحات حقيقة "العادة الغريبة" للاعبي كرة القدم أخلاقنا: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (*) تسابيح جراح: رحلة العودة إلى الحياة

منـاسـبـة: الشهيد الصدر والوداع الأخير

السيّدة أم جعفر الصدر

بقلم: أمل البقشي


في يوم السبت 19 جمادى الأولى 1400هـ، نعق نذير الشؤم عندما طرق الباب بعد ظهر ذلك اليوم الكئيب مدير أمن النجف، وطلب من الشهيد مرافقتهم إلى بغداد. سألهم رضوان الله عليه عن الأمر، فأجابوا: إنه أمرٌ بالاعتقال(1). استمهلهم دقائق ليودّع أهله، فرفضوا، بحجّة أنّ الأمر بسيط، ولن يطول فراقه للبيت، ولكنّه أصرّ على موقفه قائلاً: "إنّ ذلك لن يضرّكم".. فلم يروا بُدّاً من الرضوخ، إذ إنّ الشهيد لم ينتظر موافقتهم، فدخل البيت لفوره، واتّجه أمام ناظرينا جميعاً، بينما نحن في وجوم وذهول، إلى حيث اغتسل غسل الشهادة.. بتلك النيّة تحديداً، ثمّ خرج وصلّى بين يدي الله ركعتين، ثمّ إنّه اتّجه إلى والدته المذهولة والمكروبة، وأخذ يدها وضمّها إلى صدره بين يديه، ثمّ رفعها إلى فيه يلثمها في حنوٍّ، حادباً على أمِّه، يرجو الرضى، والدعاء، وطلب التسديد. ثم دنا من جميع من في البيت، يضمّهم ويقبّلهم، فعلمنا من خلال تصرّفه أنّه الوداع الأخير.

* كما أصحاب عيسى عليه السلام
كان الموقف مأساويّاً محزناً بكلّ تفاصيله، غير أنّ اللحظات الأكثر إيلاماً وتفجّعاً هي عندما أراد احتضان ابنته الثانية(2)، ابنة الخامسة عشرة، فإنّها لم تحتمل ذلك، وأشاحت بوجهها، واتّجهت نحو الجدار، وأحنت رأسها عليه، وهي تنشج في بكاء مرير، فأحاطها الأب الشهيد بذراعيه، وصار يناجيها: "حلوتي، إنّ أصحاب عيسى عليه السلام نُشروا بالمناشير، وعُلّقوا بالمسامير على صلبان الخشب، وثبتوا من أجل موت في طاعة. لا تكترثي يا صغيرتي، فكلّنا سنموت، اليوم أو غداً، وإن أكرم الموت القتل. بنيّتي... أنا راضٍ بما يجري عليّ، وحتى لو كانت هذه القتلة ستثمر ولو بعد عشرين سنة، فأنا راضٍ بها..."!

وبهذه الكلمات انفجر ما كان مكبوتاً في النفوس، فَسَال الدمع زفراتٍ من الآماق، وللقلوب رجيعُ وَلْوَلةٍ خفّاق.

* بيعةٌ مع الله
وأخيراً، حان دوري للوداع، ووقف إِمامي أَمامي، شامخاً شاخصاً ببصره إليّ. وجمد الدم في عروقي، وتصلّبت عيناي على محيّاه المشرق الوقور، فرأيته قد استنار وجهه، واعتدلت قامته! أين منه ذلك الوهن، وانحناء الظهر، الذي لازمه أيّاماً وأيّاماً؟ اقترب مني، وقال لي هامساً: يا "أخت موسى"(3)، بالأمس أخوك، واليوم النديم والشريك والحبيب. اليوم أنا.. لك الله يا جنّتي، ويا فردوسي، تصبّري، إنّما هي البيعة مع الله، قد بعناه ما ليس بمرجوع، وهو قد اشترى سبحانه. يا غريبة الأهل والوطن، حملك ثقيل، ولك العيال.

أسألكِ الحِلّ، فأولئك هم سود الأكباد على بابكِ ينتظرون، وما من مفر. أنا ذاهب، وعند مليك مقتدر، لنا لقاء. وخرج، فكان الرحيل.

* القدر المحتوم
بعد ساعة من رحيله معهم، صعدت المرحومة أمّه، وكانت قد تعدّت سنّ الثمانين، فوق السطح، بعد أن جدّدت وأسبغت الوضوء، لتشكو إلى الله ما لاقت. وقد كانت تفعل ذلك في كلّ مرة يُعتقل فيها الشهيد.

وفي هذه المرّة جلست فوق السطح، جاثية، مستقبلة للقبلة، ناشرة شعرها، كاشفة جيبها، ضارعة إلى ربِّها في مشهد مؤثر يذوب له الجلمود، تتوسّل أن يعيد إليها ولدها، ترجو أن يثمر توسّلها، كما أثمر سابقاً، واستجيب لها ذاك الدعاء(4)، ولكنها ما كانت تعلم أنّ القدر المحتوم هذه المرّة قد تنزّل، وأنّ السماء قد حسمت أمر الشهيد، فقد اشتاق الملأ الأعلى إلى محمّد باقر، كما الأمّ تشتاق إليه.

* برَكب أخيها
في اليوم التالي، أي في يوم الأحد 20 جمادى الأولى، وفيما بعد الظهيرة أيضاً، سمعنا جلبة، وأصواتاً مختلفة في الزقاق، ولمّا تنبّهت الشهيدة بنت الهدى إلى ذلك، سارعت للقول وبثبات قلب: "ها هم قد رجعوا، لقد جاؤوا لأخذي أنا أيضاً!".

يا سبحان الله، كأنّما كانت على موعد مع القدر نفسه، الذي قُدِّر لأخيها. طرقوا الباب، ففُتح لهم، وإذ بالجلاوزة قد تكاثروا على الباب، وكان عددهم كبيراً، ومدجّجين بالسلاح! يا للعجب، لِمَ كلّ هذا الاستنفار، وإنّما هي امرأة واحدة؟! إنّها عادة المبطلين الجبناء.
اقتحموا الباب فكانت هي المترصّدة للردّ عليهم ومواجهتهم. سألوا عنها، وأجابتهم بأناة أنّ المتكلّمة هي مطلوبهم، فقال متحدّثهم: "يا علويّة، إنّ أخاك يطلب حضورك"، ففهمت المقصود. عند ذاك، دخلت وتهيّأت بكامل الستر للخروج، وجاءت الأمّ المكروبة متلهّفة وهي تقول: "ها.. هل أنتِ ذاهبة إذاً؟".

فقالت: "نعم، أنا ذاهبة إلى أخي". سارعت الأمّ أيضاً ولبست عباءتها، وأصرّت على مرافقتها. لحقتها إلى حيث السيارة تنتظر، إلّا أن البعثيّين رفضوا وزجروها، مهدّدين بأنّهم سيرمون بها على قارعة الطريق إن أصرّت على الركوب، فبقيت مكانها مدهوشة لهول مصابها، وأمّا الجناة، فقد اختطفوا مصونة الخدر، وولّوا هاربين.

* كربلاء مجدّداً
وبذلك، مُزِّق كلّ ستر عن الحقّ والحقيقة في العراق، ومن بعدها لم تبقَ حرمة لمخلوق، كائناً من كان. لقد عادت أحداث الطفّ تتراءى لي شاخصة، فها نحن مقبلون على ملحمة كربلائيّة جديدة، وما وقع الآن، لم يكن إلّا أوّل معالم تلك الملحمة.


(*) مقتبس من كتاب: وجع الصدر من وراء الصدر، أمّ جعفر، لأمل البقشي.
1- هذا هو الاعتقال الرابع والأخير.
2- ابنته الكبرى كانت حينذاك في الكاظمية مع زوجها وقد حرمت من وداعه.
3- يقصد أخاها الإمام المغيّب السيّد موسى الصدر.
4- كانت رحمها الله تقول في سجودها: "اللهمّ ربّي أنت أعطيتنيه، وأنت وهبته لي. اللهم فاجعل هبتك اليوم جديدة إنّك قادر مقتدر".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع