قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

حكمة الأمير: كن لنفسك حسيباً


الشيخ علي ذو علم


عن أمير المؤمنين عليه السلام: "فحاسب نفسك لنفسك فإن غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك" (1) لعلّ تقدير العمل وتقييم مقدار التقدّم من أهمّ العوامل التي توصل إلى الهدف. ولا يمكن للعمل أن يصل إلى ما يصبو إليه صاحبه إذا لم يكن التقييم صحيحاً منضبطاً، إذ يؤدي التقصير إلى وجود خسائر لا تقبل المعالجة، عدا عما يؤدي إليه من ضياع الفرص والإمكانيات وكلّ سعي بُذل في سبيل إنجازه.

 إن كل أعمال وسلوكيات الفرد يحتاج إلى إدارة وتدبير، هذه الإدارة التي يجب أن يقوم بها بنفسه ليصل إلى أهدافه. وهنا تبرز الأهمية الأساس للإنسان، إذ يفترض به بعد علمه بقدراته والإمكانيات والمحدوديات التي تحيط به، ومع الأخذ بعين الاعتبار الأهداف المطلوبة، أن يتحرك ضمن إطار إداري واضح يؤدي به إلى الكمال والسعادة، فإذا تمكّن من إيجاد إدارة منطقية في أعماله وسلوكياته سيتجنب كل الآفات والمشكلات التي قد تواجهه. ولعل أهم نقطة في الإدارة البشرية أن يقف الإنسان عند نفسه فيقيّمها ويقدّرها ويحاسبها. وكلما كانت المحاسبة أكثر واقعية وأكثر عمقاً بحيث تحصل في أوقات متقاربة فإنه سيكون لها دور أساس ومؤثر في إصلاح مسير وحركة الإنسان الإصلاحية وبالتالي أمكنه الابتعاد عن الشبهات والإشكالات.

أما الهدف من المحاسبة فهو ليس إخبار الآخرين بها، أو ليكون الشخص محلّ مدح أو ذم منهم، بل الهدف أن يحاسب الإنسان نفسه فيسأل: ما هي الفرص والإمكانيات التي يمتلكها؟ في أي اتجاه تم وضع الإمكانيات؟ إلى أي مستوى ساهمت النشاطات في تحقق الأهداف المرجوة؟ وبناءً على هذه المحاسبة يجري التخطيط لما يجب القيام به في الحركة المستقبلية. قليلاً ما نجد شخصاً في الستين أو السبعين من العمر ولا يحاسب نفسه، إلا أن هذه المحاسبة متأخرة، على أساس أنه لا يمكن الاستفادة من نتائج المحاسبة وبالتالي إصلاح ما مضى.

أما العمل الأهم فهو أن يستفيد الإنسان من سنيّ شبابه فيقوم بشكل مستمر بالمحاسبة والتقييم وذلك من خلال التمرين والتذكر والتكرار، فيتحرك منذ أوائل حياته إلى إصلاح مسير حركته، ويلتفت إلى ضرورة الاستفادة القصوى من الإمكانيات المتوفرة بين يديه للوصول إلى الأهداف المتعالية.

ولذا يحذّر أمير المؤمنين علي عليه السلام الغافلين عن محاسبة أنفسهم والغارقين في محاسبة الآخرين وتقييم سلوكهم فيطلب منهم العمل فقط على محاسبة أنفسهم. ولكن على أن لا تكون هذه المحاسبة من أجل الآخرين ولا من أجل عرضها عليهم، بل يجب أن تكون لأجل النفس. فعلى الفرد أن يتوجه إلى عيوبه قبل أن يتوجه إلى عيوب الآخرين، لأن نفس الإنسان هي الأجدر بأن يحصل الالتفات إليها ويتم إصلاحها. قبل أن يتحدث الإمام عليه السلام عن مسألة محاسبة النفس يعَدِّد صفات وخصائص أهل الذكر مبيّناً سلوكهم؛ فأهل الذكر هم الذين لم تشغلهم الهموم الدنيويّة وأمور حياتهم اليومية عن الوصول إلى الكمال النهائي، وهم الذين يأمرون بالقسط والعدل ويعملون بذلك، وهم الذين ينهون الناس عن الأعمال القبيحة وينهون أنفسهم عن ذلك أيضاً. وبعد كلام له عليه السلام في هذا الخصوص يطلب من العبد محاسبة نفسه ليرى هل هو من أهل الذكر أم لا. طبعاً حديث الإمام عليه السلام هذا لا يعني نفي المسؤولية الاجتماعية عن كاهل البشر، على أساس أن من خصائص أهل الذكر الالتفات إلى المسؤوليات الاجتماعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هذا الكلام هو بمثابة تحذير للالتفات إلى أهمية محاسبة النفس التي هي الشرط الأساس في موفقية الإنسان ليتمكن من الوصول إلى كماله المطلوب. وإذا لم نحاسب أنفسنا فسنبتلى بالغفلة والخطأ والنسيان والانحراف...


(1) نهج البلاغة، شرح وتحقيق الشيخ محمّد عبده، ص 213.

أضيف في: | عدد المشاهدات: