رجب: شهر الله الأصبّ مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة الشيخ راغب حرب: كافل الأيتام خدمة الناس: ثقافة ومسؤوليّة ولاية الفقيه نصرٌ من الله نور روح الله: الاستقامة لله سبيل الانتصار(*) مع الإمام الخامنئي: الشهادة تجـارةٌ رابحة(*) القادة الشهداء: أشخاصٌ استثنائيّون نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان

قرآنيات: تفسير سورة الفلق(*)

الإمام المغيّب السيّد موسى الصدر (أعاده الله ورفيقيه)

 



هذه السورة، وأمثالها من الآيات القرآنيّة التي تجعل الاستعاذة واللجوء إلى الله تعالى فقط، هي سور وآيات تربويّة، يحاول القرآن الكريم من خلالها أن يكون الإنسان المسلم مطمئنّاً، ثابتاً، علميّاً، يقف بقوّة وانطلاق، وبحزم وثبات، أمام الحياة ومشاكلها؛ لا أنّه حينما يجد نفسه أمام شرور لا قِبَل له بها، يسيطر عليه الاضطراب، والتردّد، والضعف. فما هي هذه الشرور والأخطار، انطلاقاً من تفسير الآيات المباركة، في هذه السورة؟

* شرور الخلق
عندما نقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، نحن نعوذ من الشرور، لا بالمخلوقات وبقوّتها، بل بالله. وهذا أمر طبيعيّ؛ لأنّ الله هو الذي خلق.

أمّا معنى (الفلق): فلق من شقّ، فلق الحبّة؛ أي شقّ الحبّة على أن تخرج من الحبّة النواة. فالق الحبّة بمعنى أنّ الله هو الذي يشقّ الحبّة لكي يخرج منها النبات، وهكذا فلق الليل فيخرج منه الفجر، فلق الموت أو الجماد لتخرج منه الحياة، فلق الجهل والظلام ليبرز العلم.

إذاً، الله هو ربّ الفلق، فهو ربّ الفجر، وربّ الحياة، وربّ العلم؛ ولذلك فالاستعاذة به استعاذة في محلّها، وسير منطقيّ للخلاص من الشرور. أمّا الشرّ، فإنّه غير موجود في الكون، فالوجود خير مطلق، ولكنّ الشرّ يحصل من وضع الشيء في غير موضعه، أو استعمال الشيء بغير مقداره، أقلّ من الحاجة أو أكثر من الحاجة. العلم اليوم يؤكّد أنّ في العالم لا يوجد سمّ مطلق، فكلّ ما يسمّى سمّاً إذا استُعمل بمقداره ليس سمّاً.

نحن نلجأ إلى ربّ الفلق من شرّ ما خلق، لا لأنّ ما خلق شرّ، بل لأنّ الإنسان قد يستعمل الشيء في غير موضعه، أو بغير مقداره، فيجلب الضرر لنفسه وللآخرين.

* شرور الظلام
ثمّ نقف أمام هذه الآية المباركة: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾.
الغسق: هو الظلام. ووقب: أي دخل. إذاً، ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، يعني من شرّ الليل إذا دخل وأظلمَ. ولا شكّ في أنّ الليل أحد أنواع الغاسق. ونحن نجد في حياتنا أنواعاً أخرى من الغسق. فالجهل غاسق يَقِب، والغفلة غسق، والموت غسق أيضاً. إذاً، نحن في هذه الآية، بناءً على أمرٍ من الله، وتوجيهٍ من الرسول نلجأ إلى ربّ الفلق من شرّ الظلام المسيطر علينا.

لماذا نجد في الظلام شرّاً؟ لأنّ في الليل، والظلام، والغفلة، يجد الفاسد والمتآمر فرصة للتآمر، عندما يكون الطرف الآخر غافلاً، أو نائماً، أو لا يُرى.

فنحن نلجأ إلى ربّ النهار من شرور الليل، وإلى ربّ العلم من شرور الجهل، وإلى ربّ التذكّر الذي لا ينسى شيئاً، ولا يمكن أن يسيطر عليه نوم أو غفلة، نلجأ إلى الله من شرّ الغفلة التي تعترينا، هذا أيضاً لجوء، وطمأنة، وأمان، وقناعة، وفي الوقت نفسه تربية للإنسان.

* شرور الفتنة
قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ فما هي النفّاثات في العقد؟ يقول المفسّرون إنّ المراد بالنفّاثات: النساء اللواتي كنَّ يمارسن السحر، فيقرأنَ أدعية وطلاسم، وينفخنَ في عقد من الحبل، وبذلك يوزّعن الشرور ويخلقن المتاعب للإنسان.

هذا المفهوم غير ثابت دينيّاً، فالدين دين العلم. أمّا المعنى العمليّ ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ فيمكن أن يكون المراد بهنّ النساء اللواتي كنَّ يشعرن بالضعف، فيستعملنَ طرقاً ملتوية للدفاع عن أنفسهنّ، أو لإيذاء الآخرين.

ما هي الطرق التي كنّ يمارسنها؟ النفث في العقد، يعني الفتنة في الأفكار، في الإرادة، في العقيدة، في العلاقات، وذلك عن طريق النميمة، أو الدسّ أو نقل القضايا لحلّ العقد أو لتعقيدها.

يعلّمنا القرآن الكريم أن نستعيذ من المرأة أو الرجل أو المؤسسة الذين يمارسون هذه الطرق للفتنة والتضليل، ولقلب الأفكار، ولخلق الشقاق بين الأهل، بين الأمّة، بين أبناء الوطن، يعلمنا أن نستعيذ "من شرّ النفّاثات" بربّ الفلق، ربّ الفجر والنور والعلم والحياة والانفتاح؛ لأنّ الإنسان عندما يتّخذ واقعه وموقعه وخياره من منطلق النور والإيمان يجد نفسه في صيانة من النفث في العقد.

* شرور الحسّاد
الآية الأخيرة هي: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. إذاً، نحن نلجأ إلى الله؛ لأنّه الخالق، ولأنّ لا مؤثّر في الوجود إلّا هو، ولأنّ اللجوء إليه والتقرّب منه، دخول في منأى من هذه الشرور كلّها. فالحسد من الشرور، والحاسد شرّ لنفسه وشرّ لغيره. فالحسد، كما يقول الحديث الشريف، "يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب". ونار الحسد تحرق قلب الحاسد قبل أن تحرق وتضرّ غيره. إذاً، الحاسد شرّه في الدرجة الأولى لنفسه، وشرّه للآخرين؛ لأنّ الشرّ النابع من الحسد ينطلق من كنه الذات، من الغريزة، فيجنّد وجود الإنسان كلّه؛ وبإمكان الإنسان أن يضرّ إذا أراد، فيستعمل الشيء في غير موضعه، أو بغير مقداره، وهذا ما قلناه في معنى الشرّ في بداية تفسير هذه السورة.

الحاسد بإمكانه أن يخلق أذىً وشروراً للإنسان. نحن نلجأ إلى الله ربّ الفلق، ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، فنعالج الحسد. كيف؟ شرّ الحاسد لنفسه يُعالج بعدم ممارسته، فالحديث الشريف يقول: "وُضِع عن أمّتي -أي أمّة محمّد- تسعة"(1)، من جملتها الحاسد إذا لم يمارس حسده، وإذا لم ينطق بشيء. نحن نعلم أنّ العقد النفسيّة التي هي خلاف ذاتيّة الإنسان وفطرته، إذا لم يمارسها الإنسان فهي تذوب تدريجيّاً. والحسد كذلك، فإذا لم يمارسه الإنسان، فإنّه بالتدريج سوف يذوب ويضعف.

بالنسبة إلى شرّ الحاسد كما غيره، نحن نعوذ بربّ الفلق؛ أي نلجأ إلى الله، وعند ذلك نطمئنّ. ونعوذ بالله؛ أي نتقدّم إلى معنى الفلق، النور، فنخطو خطواتنا بمعرفة وعلم وسعي ودراية، فنكون في منأى عن شرّ الحاسد مهما كان.

* الطريق إلى النور
فهذه الشرور، شرّ الخلق، وشرّ الظلام، وشرّ الفتنة وشرّ الحسّاد، يشير إليها القرآن الكريم، ويأمرنا باللجوء إلى إله النور، إله الفلق ويأمرنا بالاستعاذة به، حتّى نجد طريقنا النيّر، بتدابير علميّة ودينيّة، تقضي على هذه الصعوبات والمشاكل.


(*) مسيرة الإمام السيّد موسى الصدر، إعداد وتوثيق: يعقوب حسن ضاهر، ج10، ص13-22، بتصرّف.
1- الكافي، الكليني، ج2، ص463.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع